توصف العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة بالتاريخية والاستثنائية في أغلب المراحل، وتتخذ الطابع الاستراتيجي لكلا الطرفين، كما تمتاز بتفاهمات متينة، تعززها مجالات تعاون اقتصادي على مستوى عال، في إطار مصالح كبرى مشتركة تجمع بين دول الخليج والحليف الأميركي، لم تنقطع على مدى العقود السابقة.

الأميركان من جهتهم يدركون أهمية الدور الحيوي الذي تلعبه دول الخليج على المستوى الدولي، سياسياً واقتصادياً، خصوصاً في مجال ضمان استمرار تدفق الوقود لأجزاء مختلفة من العالم. من هنا، نشأت العلاقة الندية المتكافئة بين الطرفين، بقيامها على تكافؤ المصالح والالتزامات المتبادلة بشكل متساوٍ. إلا أن هناك تحولاً طرأ على الخطاب الأميركي تجاه منطقتنا ممثلاً بما يرد على لسان الرجل الأول في البيت الأبيض. فمنذ صعوده وهو يقدم نفسه للعالم على هيئة شخص متغير المواقف، نتيجة لعدم سيطرته على مضمون خطاباته، وبالذات حين يستخدم مفردات لا تتناسب مع ما ينتظره الرأي العام من رئيس دولة عظمى، بقدر ما تعبر عن لغة تاجر لا شأن له بالسياسة والعلاقات الدولية المتشابكة.

وبناءً على وقائع ومواقف تكررت فيها التصريحات غير الدبلوماسية للسيد ترامب، كان على المستشارين في البيت الأبيض إبلاغه من دون تحفظ أو مجاملة، أن ممارسة تجارة العقارات تختلف كثيراً عن ممارسة السياسة وقيادة الدول، لأن الأخيرة تقوم على احترام التراكم والالتزام بالتقاليد الراسخة لتطوير العلاقات وحماية مكتسباتها، وذلك وفقاً لأساليب دبلوماسية، تقوم على مراعاة أدق التفاصيل عبر خطابات وتصرفات بروتوكولية مهذبة، وذات حساسية عالية تجاه الكلمات والعبارات المستخدمة، كسباً لود الآخرين. أما ما يقوله ترامب، فيناقض التقاليد الدبلوماسية العريقة، خاصة أن نظرته لكل من يقع في خانة الآخر، تتصف بمسحة فيها مزيج من الاستعلاء والروح الاستعمارية القديمة، حيث نجد في خطاباته وتصريحاته ما يوحي بأن المتحدث لا يعبر عن توجهات دولة عظمى، بقدر ما يفصح عن نظرة غير متزنة تجاه دول الخليج.

وهناك أيضاً فكرة مشوهة لدى ترامب عن دول منطقة الخليج العربي، إذ يعتقد أن هذه الدول لا تملك غير المال، وبالتالي يقرر بشكل غريب على السياسة الخارجية الأميركية بأن على دول الخليج دفع ثمن جهود معالجة المجتمع الدولي لأزمات الشرق الأوسط!

وهنا لا بد من العودة إلى ما يخفيه المستشارون في البيت الأبيض عن ترامب أيضاً. كان عليهم إخباره بوضوح أن من قام برسم وهندسة مخطط أزمات الشرق الأوسط التي يطالب بدفع ثمن مواجهتها، هي المخابرات الأميركية، مع تذكيره بالإطار النظري الذي مهد لأزمات المنطقة، عبر الخطة التي تبنتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس، المعروفة بالفوضى الخلاقة. كما يجب تنبيه ترامب إلى أن خطاباته تفتقر في مجملها إلى الإحاطة بملابسات عديدة، منها ما يتصل بالأخطاء والمغامرات الأميركية التي تسببت بكوارث لا تزال تداعياتها السلبية مستمرة حتى الآن، مثل غزو العراق وتدمير جيشه.

تفتقر خطابات ترامب أيضاً إلى التوفيق في انتقاء المفردات والجُمل المناسبة التي تتسق مع المنطق الرئاسي بدلاً من سيطرة منطق التاجر، الذي ينظر إلى الآخرين من حوله باعتبارهم مجرد زبائن محتملين، خاصة عندما يكرر القول بأن على الآخرين أن يدفعوا ثمن حضور الولايات المتحدة ومساهماتها في حماية الأمن العالمي. وربما لا يعرف ترامب أنه بلغة المقايضة تلك، يقلل من شأن أميركا عندما يختزل دورها على هيئة شركة أمنية خاصة، تتحرك عندما يتم الدفع لها!

إن ثنائية الأنا والآخر التي تهيمن على الرئيس ترامب، لا تزال ترسم منظوره الحاد لتقسيم العالم إلى قسم تقع فيه أميركا، وآخر يقع فيه بقية العالم! ويكفي أن نتذكر أن المكسيك كانت أول دولة تعلن عدم استعدادها لاستقباله، لأنه وضعها كذلك في خانة الدول التي يرى بأن عليها أن تدفع!

ولعل أكبر دليل على أن ترامب يقع في أخطاء متكررة، أن شعبيته هي الأقل في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة، رغم تظاهره بالعمل لمصلحة الأميركيين.

رابط المقال بجريدة الاتحاد: :ترامب الرئيس.. ورجل الأعمال

بقلم:د.سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 29 أبريل 2018