لا أحد ينكر أن البريق الزائف لتجربة الإسلاميين في تركيا بدأ يخفت ويرسم علامات استفهام بشأن المصير المحتوم لمرحلة قصيرة من تاريخ تركيا، يبدو أنها تتجه إلى كتابة سيناريوهات الأفول، أو في أفضل الأحوال الانشقاق والتخلي عن الرئيس رجب طيب أردوغان، وتركه يغرق وحيدا، مقابل إعادة تصميم قواعد جديدة لضمان استمرار تيار الإسلام السياسي في الحكم، وتجنب الخسائر التي يتسبب فيها الجنوح الراهن إلى الانفراد بالسلطة وصناعة القرار.

صحيح أن نظام أردوغان استطاع الاحتفاظ بقدر من ذلك البريق الزائف لسنوات خلت، لكن الانتقال بالتجربة الإسلامية في بلاد الأناضول من مشروع تتبناه حركة جماعية، إلى مشروع يحرسه ويتبناه فرد، يقودها حتما إلى خط النهاية المفتوحة على احتمالات متعددة، بدليل تخبط أردوغان، وفتحه جبهات ومعارك خارجية تلتهم أرواح الجنود الأتراك، كما حدث على الحدود مع سوريا، التي برز فيها أردوغان مرتديا قناع سفاح لا يهتم لسقوط الضحايا. ورغم خطاباته العاطفية التي تستثمر قضية فلسطين وموضوع القدس، إلا أنه قرر خلال لحظات الدخول في مغامرة عسكرية كان الهدف منها خلق حالة التفاف شعبي تركي حوله، باختراع عدو خارجي وباستثمار الوضع السوري المعقد، متجها لارتكاب مجازر بحق المدنيين في الداخل السوري. وتزامن مع مغامرته إقرار الجيش التركي بخسارة المئات من عناصره في عملية “غصن الزيتون”، وأصبحت الحرب التي كان أردوغان يظنها نزهة لزيادة شعبيته كابوسا لن يتخلص منه بسهولة. وهو الأمر الذي دفعه إلى الموافقة على خوض انتخابات مبكرة سعيا لإشغال الشارع التركي بترتيبات سياسية داخلية.

لكن الجديد هذه المرة أن أردوغان في ورطة غير متوقعة ولا يعرف كيف يخرج منها، وفي تفاصيلها ما لم يكن في الحسبان على الإطلاق، وبدأت الورطة بظهور منافس قوي في الانتخابات وهو عبدالله غول، ثم تعرضه وأنصاره حتى من قيادات داخل الحزب إلى تهديدات وضغوط لإثنائه عن الترشح، وهو ما تم فعلا، لكنه كشف عمق التصدعات داخل الحزب، كما حجم المعارضة والامتعاض من سياساته في الداخل وفي الخارج.

لقد ظل الإسلاميون العرب يروجون للتجربة التركية، ولا يزالون يخفون حتى الآن عن جمهورهم الأخطار التي تهدد التجربة والأوهام التي يتم ترويجها عنها. ونتيجة للفشل الهائل الذي تتصف به تجربة الإسلام السياسي عموما في المنطقة العربية، كان أقطاب الإخوان وفروع التنظيم في المشرق والمغرب وأوروبا بحاجة إلى أنموذج يستندون إليه ويتباهون به. وخاصة أن الأمر الأكثر إحراجا للتنظيمات الإخوانية كان يتمثل في مواجهتها بحقيقة عجزها عن صياغة برنامج اقتصادي وسياسي قابل للتنفيذ على أرض الواقع، بدلا من الثرثرة والشعارات الجوفاء. إذ ليس لدى تيار الإسلام السياسي الإخواني ما يقدمه للجمهور الواعي سوى شعار “الإسلام هو الحل”، بهذه الصيغة الفضفاضة التي تتهرب من مواجهة متطلبات الواقع وتتستر وراء الدين.

لذلك وجد الإسلاميون العرب في التجربة التركية التي حققت بعض المكاسب الاقتصادية نموذجا مبهجا يستحق الإشادة. رغم أنهم لا يدركون أنها تجربة استندت إلى آليات علمانية وأدوات اقتصادية حديثة لا تستغني عن قوانين التجارة العالمية وديناميكية الاقتصاد الحر، الذي يقوم على تشريعات وضعية والتزامات لا شأن لها بالتشريعات المقيدة، لكنهم واصلوا خداع الجمهور واستثمروا التجربة التركية إلى أبعد مدى.

وبدوره أراد أردوغان أن يستأثر بامتيازات السلطة لتحقيق أحلام وتطلعات فردية. اتضح ذلك بالتدريج عندما بدأ يستبعد الشركاء البارزين الذين وقفوا إلى جانبه في المراحل الأولى. وتم النظر إلى الانشقاق الشهير عن حزب نجم الدين أربكان، باعتباره الحدث المفصلي الذي تأسست على إثره المجموعة الإخوانية الحاكمة في تركيا، والتي تبادل قيادتها وتقاسم شعبيتها كل من أردوغان وعبدالله غول، إلى جانب نجومية شخصيات أخرى لها تأثيرها الذي لا ينكر على الحشد والتعبئة، مثل أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية السابق.

وبالقياس إلى الشحن الانتخابي المبكر في تركيا ومخاوف أردوغان وأنصاره من ترشح عبدالله غول للرئاسة، وهي المخاوف التي أدت إلى انسحاب الأخير من الترشح وتلميحاته إلى الضغوط التي مورست عليه من جهة، وإلى أنه كان سيترشح ليمثل كتلة المعارضين من خارج الحزب والمعترضين من داخله في آن، لا تخفى الأهمية التي كان يضفيها العمل الجماعي على شعبية حزب العدالة والتنمية، ذلك التيار الذي تحرك بشكل جماعي منظم في المجتمع التركي، واستطاع بالفعل أن يخترق الساحة العلمانية التركية، وأن يعمل بالتدريج على تحييد الجيش الذي كان حارس العلمانية والأتاتوركية.

وكلما افتقد أردوغان وحزبه لذلك البعد الجماعي مقابل هيمنة وتسيد الطابع الفردي على قيادة الحزب والدولة، يمكن القول إن مرحلة جديدة بدأت في تاريخ إخوان تركيا، وعنوانها الاتجاه المؤكد والحتمي نحو الانشقاق وخسارة أردوغان لحظوظه الانتخابية، لأن حزب العدالة والتنمية أصبح من الناحية العملية يروج لمشروع أردوغان، الذي يلقي بظلاله كفرد على تجربة كانت بداياتها ذات صبغة جماعية في المرحلة الأولى منذ عام 2001، وها هي تتحول إلى خطاب فردي وطموح شخصي يتجه نحو الانعزال وكسب خصوم ومنافسين من داخل تيار الإسلام السياسي نفسه، ممثلا بحزب العدالة والتنمية. الأمر الذي يوحي بانشقاق غير معلن داخل الحزب أصبح إشهاره مسألة وقت لا أكثر. ومن المنتظر أن تتحرك أيضا في الانتخابات المرتقبة أحزاب المعارضة ومعها قطاعات واسعة من المجتمع تشعر منذ سنوات بالقلق على الطابع العلماني لتركيا.

قام أردوغان عمليا بتنفيذ انقلاب صامت وغير معلن داخل حزبه، استبعد بموجبه الأسماء التي يدرك أنها تهدد طموحاته. وبالتالي فإن رد الفعل المتوقع على ذلك الانقلاب سوف يظل يتبلور وينتظر فرصة للتعبير عن وجوده، وليس هناك ما هو أفضل من فرصة الانتخابات المبكرة المزمع تنظيمها في يونيو القادم.

نستنتج من كل ما سبق أن تجربة الإسلاميين في تركيا أصبحت تتلخص في المراهنة على قوة شخصية أردوغان ومقدرته على مجابهة المنافسين، والاحتفاظ بالجمهور المنقسم بين زعامات من نفس التيار.

المآل الذي انتهى إليه مشروع حزب العدالة والتنمية في تركيا، يكشف أن تسييس الدين لا يمكنه أن يخفي النزوع نحو الاستئثار بالسلطة. فما حدث في النهاية تركز حول طموحات أردوغان السلطانية الاستبدادية. ورغم أنه كان أحد المنشقين عن جماعة نجم الدين أربكان، إلا أن شريكه السابق عبدالله غول يحظى بشعبية طاغية ولديه كاريزما تسبب الذعر لأردوغان.

كان أردوغان قد بدأ تأسيس قاعدة أحلامه السياسة بالارتكاز على الانشقاق الشهير عن حزب أربكان في عام 2001، والإعلان عن ولادة ما عرف بحزب العدالة والتنمية. لكن النزعة الذاتية والانحياز للمشروع الفردي طغوا على تفكيره وسلوكه، وتسببا في انسحاب قيادات بارزة من الحزب وانكفاء بعضها. وكانت النتيجة أن أردوغان أصبح في الواجهة بمفرده. ورغما عنه وضع التجربة الإسلامية في تركيا على محك الاختبار. وينظر بعض المحللين إلى أن أداء أردوغان وإصراره على أن يجمع حوله الشخصيات الهامشية الأقل تأثيرا، يدشنان للانهيار الشامل لمشروع الإسلام السياسي في تركيا.

التصريحات الإعلامية في تركيا التي تشير إلى بوادر انشقاق في صفوف حزب العدالة والتنمية، لم يبددها إعلان غول انسحابه من الترشح لمنصب الرئاسة ومنافسة أردوغان، الذي بدأ مسيرته بإدارة بلدية إسطنبول، ثم تدرج حتى تمكن من تحييد الجيش التركي عن المشهد، وتربع على أعلى سلطة في تركيا. فهل سيبقى الجيش التركي في حالة حياد أم أن وظيفة حامي العلمانية التركية سوف تعود من جديد؟

رابظ المقال بجريدة العرب: أردوغان يقود تجربة الإسلاميين في تركيا إلى الانشقاق