وضع النظام القطري نفسه في مأزق الخيار بين أطراف إقليمية ودولية، أهمها أميركا وإيران، بعد أن أصبح نهجه القائم بشكل أساسي على اللعب على التناقضات والازدواجية السياسية ومحاولة الإمساك بكل الخيوط، نهجا وسياسة منتهية الصلاحية، ولا مكان لها في أوقات الحسم التي تمر بها المنطقة، ولم يعد الآن بمقدور الحمدين البقاء فى مربع المناورات وشراء صمت الولايات المتحدة بالإبقاء على علاقاته الحميمة مع النظام الإيراني، لا سيما أن التعاون الأمني والعسكري بين طهران والدوحة أصبح من أهم أسباب الغضب الأميركي على تنظيم الحمدين، والذي لا يمكنه فسخ ذلك التعاون بسهولة بعد أن اخترق الحرس الثوري مؤسساته كافة.

إن تصاعد حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، في ظل توجه واشنطن وطهران إلى صدام وشيك على خلفية أزمة الاتفاق النووي الإيراني، يضع الدوحة في مأزق الخيار بين الطرفين، لا سيما أن ما سيحدث ستكون قطر من بين أكثر الأطراف تأثرا به، فإما أن تغامر الدوحة بعلاقتها مع الولايات المتحدة، وهذا غير ممكن، وإما أن تغامر بعلاقتها مع إيران وهو ما لا يستطيع تنفيذه نظام الحمدين.

هذه الزواية الضيقة، ووجوب الاختيار بين السيء والأسوأ، ستكون درسا قاسيا لتنظيم الحمدين ونقطة حاسمة في عمره، ومرحلة لوقف العبث بأمن دول المنطقة وشعوبها، فلم تعد فكرة “تحالف النظامين المعزولين دوليا وعربيا (النظام القطري والإيراني) يمكنهما من تشكيل طوق النجاة لكليهما”، تجدي نفعا ومقبولة الآن، بل أن النظام الإيراني والقطري في الظروف الحالية وفي هذا الوقت أشبه ما يكونان بغريقان لا يعرفان السباحة يستنجد كل واحد منهما بالآخر، ضنا منه أنه سينقذه.

ويشاطر حاليا النظام القطري نظيره الإيراني في التخبط والهلع والخوف من قرارات ترامب حول الاتفاق النووي، والذي من المحتمل أن يعلن فيها انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق لأسباب عديدة أهمها أن هذا الاتفاق لا يضمن عدم وصول إيران إلى سلاح نووي، كما أنه ساهم إلى حد كبير في توسيع دائرة الإرهاب الإيراني، إضافة إلى أن النظام الإيراني لم يتلزم بكافة بنوده.

وتعتبر قطر من أكثر الدول بعد إيران تضررا من هذه القرارات إذا ما اتخذت، لأن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق يعني انهياره عمليا، وعودة العقوبات الأميركية على طهران، والتي تشكل نحو 90% من مجمل العقوبات الدولية، وستكون قطر الخاسر الثاني بعد إيران، وتتنوع خسارتها ما بين سياسي واقتصادي، لأن إيران ستفقد قدرتها على الاستمرار في دعم النظام القطري، وتنشغل في معالجة أزماتها الداخلية، مع محافظة الحرس الثوري على علاقاته مع الدوحة وأنشطته داخلها وعبرها، وهو ما سيجلب الغضب الأميركي على تنظيم الحمدين، والذي عادة ما يترجم إلى اضطرار الولايات المتحدة إلى تغييره، وهو أشد السيناريوهات المتوقعة من الجانب الأميركي تجاه التمرد القطري.

لذا فإن النظام القطري في طريقه إلى خسارة أكبر حلفائه بعد خسارته الحضانة الخليجية والعربية، بسبب مغامراته الطائشة ورهاناته الخاسرة على دول إقليمية تحتضن مشروعات وأجندات تخريبية وتوسعية على حساب الدول والشعوب العربية، وعلى رأسها نظام إيران وأردوغان، بعد أن أصبحت هذه الأنظمة تعاني من أزمات داخلية وعزلة دولية وإقليمية دفعتها إلى الانشغال بنفسها عن دعم تنظيم الحمدين، حتى أن معطيات الأحداث الحالية تؤشر حتى الآن إلى أن النظام الإيراني والتركي يعانيان من نفرة وكراهية المجتمع الدولي وشعوب المنطقة، بسبب إفتعالهما للحروب وقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، ويقبعان حاليا في عزلة إقليمية وعالمية تشكل خطرا على استمرار هذه الأنظمة التي بدأت تفقد قبضتها وسيطرتها على الداخل تدريجيا، وخاصة إيران التي اشتعلت فيها المظاهرات في أكثر من 140 مدينة إيرانية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

8 مايو 2018