مدخل:

تشكلت العلاقات بين إيران وبريطانيا منذ الأيام الأولى لحكم إدوارد السادس[1] في إنجلترا، واستمرت العلاقات الثنائية في العصور اللاحقة، ووصلت في بعض الأوقات إلى مستويات عالية، وعندما وصلت الحرب بين الصفويين والعثمانيين إلى أشدها، حاول الشاه عباس الصفوي (1588-1629م ) البحث عن حلفاء بين الأوروبيين لتوجيه ضربة للعثمانيين، وحاول إقامة علاقات متينة مع البريطانيين، وكان الأخوان انتوني شرلي وروبرت شرلي (البريطانيين) لهما الدور البارز في إقامة هذه العلاقات، كما كان لهما الدور الأكبر أيضاً في إعادة بناء الجيش الإيراني آنذاك، وقد كلفا من قبل الصفويين بإجراء محادثات مع البريطانيين.

في ذلك الوقت رأت بريطانيا من مصلحتها أن تقيم علاقات مع إيران، نظراً لأنها كانت تسيطر على الهند وتسعى إلى توسيع استعمارها في القارة الهندية، وبعد أن نجحت بريطانيا في سيطرتها على الهند خرج البرتغاليون منها، واتخذ البريطانيون ميناء “جاسك”[2] الإيراني قاعدة لهم لتصدير الحرير الإيراني وإدخال البضائع البريطانية، وأصدر الشاه عباس الصفوي أمراً يسمح بموجبه للبريطانيين التعامل بكل حرية في تصدير الحرير الإيراني عن طريق السواحل الجنوبية من إيران،  وكان يهدف من وراء ذلك إلى الاستفادة من القوات البريطانية لطرد البرتغاليين من الجزر الإيرانية.

استمرت العلاقات الودية بين إيران وبريطانيا في عهد الشاه صفي بن عباس الصفوي (1629-1642)، وأرسل الشاه صفي سفيراً له إلى بريطانيا وطلب منها إرسال عدد من صناع الساعات وصناع البنادق الحربية وخبراء التعدين إلى إيران، وفي هذه الفترة أصبحت هولندا منافساً تجارياً واقتصادياً جدياً لبريطانيا في الشرق عامة وفي منطقة الخليج العربي خاصة، وأصبحت التجارة في منطقة الخليج مسيطر عليها من قبل هولندا، كما قدم الفرنسيون إلى المنطقة في أواخر العهد الصفوي ليتحولوا إلى منافسين لبريطانيا وهولندا، ولكن البريطانيين تمكنوا بعد فترة من الغلبة على منافسيهم الهولنديين والفرنسيين وسيطروا على التجارة من جديد.

وبعد سقوط الصفويين، ووصول كريم خان زند إلى سدة الحكم في بلاد فارس (1751-1779م) وقع البريطانيون اتفاقية مع “كريم خان زند” حصلوا بموجبها على إذن للتجارة مع موانئ الخليج العربي، وسمح كريم خان زند للبريطانيين بإقامة قاعدة تجارية في ميناء بوشهر في الجنوب، ولم يسمح لهم بإخراج المال من إيران، وسمح لهم بدلاً من ذلك بتصدير السلع الإيرانية إلى الخارج، وهذه الخطوة أغضبت الحكومة البريطانية وشركة الهند الشرقية، وكان كريم خان زند قد عارض توسيع التجارة بين إيران وبريطانيا، ولكن بعد فترة وقع الجانبان اتفاقية تعهدت بموجبها الحكومة البريطانية بالمساعدة على قمع القائد “مير مهنا”[3]، وفي المقابل حصلت بريطانيا حصرياً على التجارة في جزيرة “خارج”[4]، لكن البريطانيين لم يتمكنوا من قمع القائد “مير مهنا”، ما تسبب بإلغاء الاتفاقية الموقعة بين البلدين.

وفي العهد القاجاري أظهرت الحكومة الإيرانية نواياها الاستعمارية من خلال فرض اتفاقيات ومعاهدات على إيران، وفي عام 1800م وصل مبعوث بريطاني إلى إيران وهو سرجان ملكم وتمكن من إقناع فتحعليشاه قاجار بعقد معاهدة سياسية وتجارية مع بريطانيا، ووقع الطرفان عام 1801 م معاهدة كانت بريطانيا بأمس الحاجة إليها، وكانت بريطانيا تريد من هذه المعاهدة منع نابليون من الهجوم على الهند والسماح للسلع البريطانية بالدخول إلى إيران، ولم يمض وقت طويل على توقيع هذه المعاهدة حتى قتل بولس الأول ووصل ألكساندر الأول إلى حكم روسيا، وتغيرت سياسة الروس تجاه بريطانيا حيث اتفق البلدان على هجوم روسيا على إيران، وبدأت روسيا هجومها العسكري على جورجيا التي ضمتها إليها، وكان الاحتلال الروسي لجورجيا سبباً لسلسلة حروب بين روسيا وإيران، حيث فقدت الأخيرة أجزاء كبيرة من أراضيها واضطرت إلى التوقيع على معاهدتين مع الروس.

بعد ذلك، حاول فتحعليشاهى قاجار فتح صفحة جديدة مع بريطانيا، إذ توجه سير هارفورد إلى إيران والتقى فتحعليشاه من أجل تقريب وجهات النظر بين الجانبين، وتم عقد اتفاقية بين البلدين عام 1809، تعهدت بريطانيا أن ترسل جنودها إلى إيران إذا قامت أي دولة أوروبية بالهجوم على إيران، وفي عام 1810 وقعت اتفاقية تجارية بين الطرفين وأخرى عسكرية تقضي بقيام بريطانيا بتدريب الجيش الإيراني.

بعد ذلك كان البريطانيون يتدخلون بشكل كبير في شؤون إيران، لدرجة أنهم قاموا بانقلاب عسكري جاؤوا برضا شاه إلى الحكم ودعموا ابنه محمد رضا بهلوي خلال حكمه الذي استمر حتى الإطاحة به في ثورة عام 1979.

غير أن العلاقات بين إيران وبريطانيا بدأت تميل إلى التوتر بعد الثورة الإيرانية عام 1979،  ومرت بمحطات شد وجذب على خلفية قضايا ثنائية وملفات إقليمية وعالمية، إلا أن أهم الملفات التي زادت من تشنج العلاقات وأوصلتها إلى أعلى مستويات التوتر في السنوات الأخيرة هي:

  • البرنامج النووي الإيراني.
  • حركات ما يسمى بالربيع العربي.
  • ملفات حقوق الإنسان.
  • السلوك الإيراني في المنطقة ودعم الجماعات الإرهابية.
  • الهجوم على السفارة البريطانية في طهران عام 2011.

العلاقات السياسية:

استمر توتر العلاقات بين الحكومة البريطانية وطهران طوال العقود الماضية رغم تغيير الحكومات الإيرانية من إصلاحية إلى متشددة ثم إلى معتدلة، فكانت حدة الخلافات وصعوبة معالجتها وتأقلم المواقف بين الجانبين أقوى بكثير من رغبتهما في تحسين العلاقات لاسيما السياسية والدبلوماسية، باستثناء بعض المحطات الصورية (الشكلية) في ذلك، فكان لحكومة روحاني الحادية عشرة والحالية أيضاً محاولات ومساع حثيثة لتحسين علاقات طهران بالحكومة البريطانية، وأظهر فريق روحاني أنه يرغب جدياً بتحسين علاقات بلاده بالمملكة المتحدة، إلا أن تلك المساعي لم تصل إلى النتائج التي تسعى إليها طهران حتى الآن.

نشأت الأزمة الأولى في العلاقات الإيرانية البريطانية بعد أيام قليلة من هجوم الطلاب الإسلاميين الإيرانيين على السفارة الأميركية في طهران بعد انتصار الثورة عام 1979، حيث هاجم في ذلك الوقت أيضاً عدد من الطلاب الآخرين السفارة البريطانية، الذين فشلوا في دخول هذه السفارة بسبب تدخل الشرطة، بعد وقت قصير من الحادث، قررت بريطانيا مغادرة موظفيها من طهران وأعلنت السفارة السويدية حماية المصالح البريطانية في إيران.

نشبت الأزمة الثانية في العلاقات بين إيران وبريطانيا، والتي تعتبر الأكثر خطورة بعد حادثة احتلال السفارة الإيرانية في لندن، والتي قتل فيها ما بين اثنان إلى ثلاثة من موظفي السفارة، حيث حاصرت الجبهة العربية لتحرير الأحواز السفارة الإيرانية من تاريخ 30 أبريل إلى 5 مايو عام 1980م، وكانت الجبهة العربية لتحرير الأحواز قامت باحتجاز موظفي السفارة، وهددوا بالإعدام إن لم تسلم بريطانيا 91 معتقلاً عربياً في السجون الإيرانية، كما طلبت الجبهة من سفراء الدول العربية التوسط مع إيران، إلا أن رئيسة الوزراء البريطانية ماغريت تشاتشر أمرت بتنفيذ العملية العسكرية، وهي خطة هجومية لتحرير الرهائن، وكانت العملية الهجومية بدأت بعد 9 أيام من المفاوضات المتعثرة، كانت الحصيلة خمسة قتلى ومن بينهم عون علي محمد يعد أحد قادة التحرير الذين احتجزوا الرهائن، و3 رهائن إيرانيين من بين القتلى.

في أثناء الحرب الإيرانية العراقية وتحديداً في عام 1987 طرأ تحول في العلاقات بين إيران وبريطانيا وصف بالخطير، وذلك حين تم استدعاء جميع موظفي السفارة البريطانية في إيران إلى لندن على خلفية تصعيد التوتر في العلاقات بين إيران والمملكة المتحدة، ومرة أخرى أصبحت السفارة السويدية راعية للمصالح البريطانية في إيران، غير أنه في شهر نوفمبر 1988، اتفق وزير الخارجية البريطاني “جيفري هاو” مع نظيره الإيراني آنذاك علي أكبر ولايتي على إعادة العلاقات الدبلوماسية.

ما لبث الطرفان أن اتفقا على إعادة العلاقات الدبلوماسية، حتى فجر المرشد الإيراني الأول الخميني في تاريخ 14 فبراير عام 1989 قنبلة دمرت مرة أخرى العلاقات بين الطرفين حين أصدر فتوى بهدر دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب روايته “آيات شيطانية”، حيث سارعت الحكومة البرطيانية بسحب كافة موظفيها من إيران وأغلقت سفارتها، كما قامت إيران أيضاً بوقف علاقاتها مع بريطانيا في نفس العام.

في عام 1990 وفي فترة اجتياح العراق للكويت، اعتبرت بريطانيا أن إعادة العلاقات مع إيران أصبح أمراً ضرورياً، واستمرت العلاقات دون أي شائبة أو توتر يذكر حتى عام 1992، إلا أن قيام قوات الأمن الإيرانية بقتل أربعة من المعارضين الكرد في ألمانيا، قد جعل دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الحكومة البريطانية تسحب سفراءها من إيران.

 في 28 أبريل عام 1994، سحبت بريطانيا مرة أخرى عدداً من دبلوماسييها احتجاجاً على اعتراف إيران بالجيش الجمهوري الإيرلندي، وفي 18 مايو عام 1999 عادت العلاقات بين البلدين مرة أخرى إلى مستوى نشاط الوزارات.

كما كان لقيام محافظة العاصمة الإيرانية طهران بتغيير اسم شارع من “شارع ونستون شرتشل” الواقع بجانب السفرة البريطانية في طهران إلى اسم “بوبي ساندز”[5] سبب آخر لتوتير العلاقات مجدداً، حيث اعتبرت بريطانيا هذا العمل إجراءً سياسياً ينم عن كراهية إيرانية تجاه المملكة المتحدة.

بعد مجيء الإصلاحيين إلى سدة الرئاسة في طهران، عندما فاز محمد خاتمي بالانتخابات الرئاسية عام 1997، جرى تحول في السياسات والعلاقات الخارجية الإيرانية، وأعربت الإدارة الجديدة عن نواياها في توسيع علاقاتها وانفتاحها مع دول العالم، الأمر الذي أقنع حكومات الدول الأوربية ومنها بريطانيا في إعادة السفراء إلى طهران، في عام 1999 التقى وزير خارجية بريطانيا “روبين كوك” بنظيره الإيراني آنذاك كمال خرازي على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقرر الطرفان رفع مستوى العلاقات الثنائية إلى مستوى السفراء.

استمرت العلاقات الثنائية بين الطرفين على نفس المستوى طوال فترة رئاسة خاتمي، أي من عام 1997 حتى عام 2005، ولكن بعد مجيء المتشددين بقيادة محمود أحمدي نجاد، أصابت العلاقات بين طهران ولندن تشنجات وتذبذبات على خلفية البرنامج النووي الإيراني، فأصيبت العلاقات بتوترات وصفت بالشديدة، حيث اعتبرت الحكومة البريطانية أن البرنامج النووي الإيراني يشكل خطراً وتهديداً جدياً على منطقة الشرق الأوسط، في حين اعتبرت إيران الموقف البريطاني بأنه مؤامرة بريطانية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران.

وفي 25 مارس 2007 أعلنت القوات المسلحة الإيرانية عن اعتقال 15 جندياً بريطانياً قالت إنهم قاموا بانتهاك المياه الاقليمية الإيرانية، ما تسبب في اندلاع أزمة دبلوماسية من جديد بين الطرفين، الأمر الذي دفع طهران إلى إطلاق سراحهم في بادرة وصفت بتقديم حسن النوايا تجاه بريطانيا.

وعلى خلفية تداعيات البرنامج النووي الإيراني، وما خلفه من فرض عقوبات دولية، قررت بريطانيا عام 2009 تجميد مليار و600 مليون دولار من الأصول الإيرانية كجزء من مشاركتها في العقوبات الدولية على طهران.

ازداد مستوى توتر العلاقات حين اندلعت مظاهرات واسعة في طهران عام 2009 احتجاجاً على تزوير الانتخابات لصالح المتشدد محمود أحمدي نجاح على حساب المرشح الإصلاحي مير موسوي قائد الحركة الخضراء والذي لا يزال حتى هذه اللحظة قيد الإقامة الجبرية، حيث اتهمت السلطات الإيرانية بريطانيا بدعم هذه الانتفاضة ضد النظام الإيراني، ووصف المرشد الإيراني علي خامنئي الحكومة البريطانية في كلمة له بأنها “أخبث أعداء إيران”، وبعد يوم واحد من كلمة خامنئي قامت السلطات الإيرانية بطرد اثنين من كبار الدبلوماسيين البريطانيين، كرد على ذلك قامت أيضا السلطات البريطانية بطرد اثنين من الدبلوماسيين الإيرانيين من لندن، كما قامت السلطات الأمنية الإيرانية باعتقال 9 من الموظفين الإيرانيين العاملين في السفارة البريطانية في طهران بتهمة وجود علاقة لهم بأعمال الشغب التي اندلعت بعد الانتخابات.

وفي 9 ديسمبر عام 2010 نشر موقع السفارة البريطانية في طهران تقريراً بقلم “سایمون غس” السفير البريطاني في طهران، انتقد فيه أوضاع حقوق الإنسان في إيران، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، الأمر الذي أثار حفيظة السلطات الإيرانية، ودفعها إلى استدعاء السفير البريطاني وتقديم احتجاج رسمي على ذلك الانتقاد، واندلعت أيضاً احجاجات أمام السفارة البريطانية في طهران قام بها مجموعة من طلاب الباسيج رداً على انتقاد السفير البريطاني لأوضاع حقوق الإنسان في إيران، وطالب عدد من المسؤولين الإيرانيين ومجموعة من أعضاء مجلس الشورى (البرلمان) بطرد السفير البريطاني من طهران وتخفيض مستوى العلاقات السياسية مع بريطانيا، كما أصدرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى عريضة طالبت بها حكومة محمود أحمدي نجاد بضرورة إعادة النظر في العلاقات بين إيران وبريطانيا وتخفيضها أو حتى تعليقها.

في عام 2011، صرح وزير المالية البريطاني أن البنك المركزي الإيراني يخدم عملية مصرفية لتوسيع أنشطة إيران النووية، ما جعل الحكومة البريطانية تعلن فرض عقوبات عليه وتغلق جميع المعاملات المصرفية مع إيران، وفي 27 نوفمبر 2011 ، طالب النواب الإيرانيون فريق الدبلوماسية الإيرانية بتقليل العلاقات السياسية مع الحكومة البريطانية في غضون أسبوعين، لتصل إلى مستوى القائم بالأعمال وتقوم بتخفيض العلاقات التجارية إلى أقل المستويات، وقد صوت على ذلك المجلس برأي الأغلبية، وعلى خلفية ذلك ازدادت التوترات إلى حد أبعد، حين هاجمت مجموعة من الطلاب الإيرانيين مقر السفارة البريطانية في طهران مرتين متتاليتين، وأحرقوا العلم البريطاني، ورفعوا مكانه العلم الإيراني، وذلك رداً على قرار الحكومة البريطانية قطع علاقاتها المالية مع إيران، ما أدى إلى تصعيد التوتر بين إيران والغرب، في ظل القلق المتزايد بشأن طموحات طهران النووية، وكان لهذا الاعتداء ردود أفعال دولية شديدة اللهجة اتهمت خلالها الحكومة الإيرانية بالتقاعس في حماية البعثات الدبلوماسية، الأمر الذي اعتبرته وزارة الخارجية الإيرانية تصرفاً غير مقصود وغير مقبول، في حين أطلقت عليه بريطانيا وصف “شائن ولا يمكن الدفاع عنه”.

نظراً للمشاكل التي واجهها مواطنو كلا البلدين في عام 2012، والتي نشأت بسبب توتر العلاقات، تم الاتفاق في يناير 2012 على توفير إمكانية رعاية المصالح لكلا الطرفين، وبناءً على ذلك، قدمت إيران سلطنة عمان كراعية لمصالحها في المملكة المتحدة، واعتمدت بريطانيا السويد كراعية لمصالحها في إيران.

وفي العام التالي، بعد فوز روحاني بالانتخابات الرئاسية، قامت بريطانيا والدول الأوروبية الأخرى بإظهار رضاها من وصول المعتدلين إلى رئاسة إيران، وبادر ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني بإرسال رسالة تبريك إلى روحاني دعاه فيها إلى تطوير وتحسين العلاقات بين البلدين، وجرت بعد ذلك محادثات بين مسؤولي كلا البلدين حول العديد من القضايا أبرزها البرنامج النووي الإيراني والأوضاع في سوريا وغيرها.

وكان اللقاء الأول الذي جمع قادة إيران وبريطانيا منذ الثورة الإيرانية عام 1979، قد جرى في تاريخ 24 سبتمبر 2014، حين التقى الرئيس الإيراني حسن روحاني برئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كامرون” على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وبعد التوصل إلى الاتفاق النووي في عام 2015، تم إعادة افتتاح السفارة البريطانية في طهران بالتزامن مع إعادة فتح السفارة الإيرانية في لندن.

استمرت العلاقات الثنائية على نفس المستوى مع ظهور دعوات إيجابية متبادلة لتوسيع وتطوير العلاقات، غير أن هذه الدعوات لم يكتب لها أن ترى الشمس بسبب فوز الجمهوري ترامب وإعلانه صراحة سياسة أكثر صرامة تجاه إيران وأنه من المحتمل أن يقوم بإلغاء الاتفاق النووي، غير أن الحكومة البريطانية استمرت في تجنب إطلاق أي تصريحات شديدة وقتها يمكن أن تدفع باتجاه تدهور العلاقات مع إيران، ولكن كان لها تصريحات ومطالب تدل على عودة التوتر في العلاقات مع طهران، ولا سيما أن الفوائد الاقتصادية قد أصبحت في مهب الريح بعد مجيء ترامب الذي يتوعد بإلغاء الاتفاق النووي وعودة العقوبات على طهران، وحتى في المظاهرات التي اندلعت في المدن الإيرانية بداية عام 2018، لم تتخذ بريطانيا المواقف التي اتخذتها الولايات المتحدة في دعمها الصريح والعلني لتلك التظاهرات، وخاصة في ظل عدم اتخاذ هذه الاحتجاجات لأي شكل نهائي حاسم، وذلك لأن بريطانيا على ما يبدو لا تلتزم بالنهج الأميركي تماماً في إعلان عدائها المفتوح لإيران، بل إن وزير خارجيتها، بوريس جونسون، كان قد زار طهران في 9 ديسمبر 2017.

جدولة زمنية للعلاقات الثنائية:

  • عام 1563 سافر “أنتوني جينكنسون ممثل الشركة الإنجليزية “مسكووي” إلى بلاط الملك طهماسب الأول في العهد الصفوي ويتخذ الجانبان خطوات لإقامة علاقات اقتصادية.
  • عام 1821 أول تمثيل دائم للمملكة المتحدة في طهران في حديقة السوق القديم في طهران، حيث أعطي بناء هذه المباني لجيمس وايلد، وهو مهندس معماري ذو خبرة في الشرق الأوسط. خطط لإنهاء بناء المبنى بحلول عام 1871 ولكن سلسلة من الأحداث أعاقت الانتهاء من هذا العمل حتى يونيو عام 1876.
  • في عام 1906 وأثناء ما يعرف بالثورة الدستورية في إيران “انقلاب مشروطه” تحصن ما بين 12 ألف إلى 15 ألف من الشعب الإيراني في السفارة البريطانية في إيران، الأمر الذي أدى إلى شلل الحياة في طهران، ما جعل مظفر الدين شاه يضطر لإصدار مرسوم الحكم الدستوري المعروف في تاريخ في 5 أغسطس 1906 ، يمنح الدستور ومجلس الشورى الوطني للشعب.
  • عام 1941، وبعد الغزو الألماني للاتحاد السوفييتي ، وإعلان إيران حيادها خلال الحرب العالمية الثانية، خشيت بريطانيا وروسيا من توسيع العلاقات بين رضا شاه وألمانيا النازية، فقامت باحتلال إيران بشكل مشترك، وأرغمت بريطانيا رضا شاه على التنحي عن السلطة.
  • عام 1942 بريطانيا وروسيا تغادر إيران.
  • عام 1951 إيران تعلن تأميم شركة النفط البريطانية الإيرانية، وبريطانيا تفرض عقوبات على إيران وتستعين بالولايات المتحدة في الإطاحة بحكومة محمد مصدق المنتخبة شعبياً وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم.
  • في عام 1980 داهم ستة مسلحين مناهضين للإمام الخميني السفارة الإيرانية في لندن واحتجزوا 26 رهينة، وقد لقي خمسة منهم مصرعهم على أيدي القوات الأمنية البريطانية، التي تمكنت من إطلاق سراح الرهائن فيما عدا رهينتين تمكن المسلحون من قتلهما.
  • 1980 بريطانيا تغلق سفارتها في طهران بعد اعتقال أربعة مسيحيين بريطانيين في إيران واعتقال 72 إيرانياً في لندن تظاهروا قرب السفارة الأميركية.
  • 1988 بريطانيا تستأنف علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.
  • 14 فبراير 1989 المرشد الإيراني الخميني يفتي بهدر دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب روايته “آيات شيطانية”.
  • 7 مارس 1989: إيران تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا.
  • 1990 حصل استئناف جزئي للعلاقات بين إيران وبريطانيا.
  • في أبريل 1994 اتهمت الحكومة البريطانية إيران بإقامة علاقات مع الجيش الجمهوري الإيرلندي المحظور، وهو ما نفته طهران وتطور الموقف إلى تبادل طرد دبلوماسيين من الجانبين.
  • في 18 مايو 1999 ترتقي العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين إلى مستوى السفراء.
  • في يونيو 2000 قامت إيران باحتجاز ثمانية عسكريين بريطانيين دخلوا مياهها الإقليمية من العراق وتفرج عنهم في وقت لاحق.
  • وفي عام 2001 أعربت بريطانيا عن تقديم الدعم للسلطات الإيرانية في حملتها ضد تهريب المخدرات عبر الحدود بين أفغانستان وإيران، وقام وزير الخارجية البريطاني جاك سترو بزيارة إلى إيران في هذا العام.
  • في عام 2002 شهدت العلاقات انتكاسة عندما رفضت طهران ترشيح ديفيد ردادي سفيراً لبريطانيا لديها، الأمر الذي حدا ببريطانيا إلى تخفيض مستوى تمثيلها الدبلوماسي لدى إيران.
  • في 16 أكتوبر 2004 إيران تتهم بريطانيا بالوقوف وراء تفجيرين في جنوب البلاد أسفرا عن سقوط ستة قتلى.
  • في مارس 2007 إيران تحتجز 15 عنصراً من البحرية البريطانية قرب شط العرب وتفرج عنهم بعد نحو شهر.
  • في 18 يونيو 2009 أعلنت الحكومة البريطانية أنها جمدت أصولاً إيرانية قيمتها 1.6 مليار دولار في إطار العقوبات الدولية على طهران بسبب برنامجها النووي.
  • في 23 يونيو 2009 قامت بريطانيا بطرد دبلوماسيين إيرانيين رداً على قرار مماثل قامت به السلطات الإيرانية بعد أن اتهمت إيران بأنها تدعم احتجاجات الحركة الخضراء.
  • في 9 ديسمبر 2009: السفير البريطاني في طهران سيمون غاس ينتقد أوضاع حقوق الإنسان في إيران ويتهم السلطات الإيرانية بحرمان شعبها من حرياته الأساسية، وهو ما أثار تهديدات إيرانية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع لندن.
  • في 21 نوفمبر 2011 بريطانيا تفرض عقوبات مالية جديدة على إيران وتأمر المؤسسات المالية في البلاد بوقف التعامل مع مثيلاتها الإيرانية ومع البنك المركزي الإيراني.
  • في 28 نوفمبر 2011 يوافق مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) على قرار بخفض العلاقات مع بريطانيا خلال أسبوعين.
  • في 29 نوفمبر 2011 اقتحم عدد من الإيرانيين مقر السفارة البريطانية في طهران ومجمعاً سكنياً تابعاً لها، وقاموا بحرق العلم البريطاني وعدد من الوثائق.
  • في 30 نوفمبر 2011 تقرر الحكومة البريطانية إغلاق سفارتها في طهران وتجلي العاملين فيها، وتأمر بإغلاق السفارة الإيرانية في لندن وطرد جميع العاملين فيها.
  • في يناير عام 2012 تم الاتفاق على توفير إمكانية رعاية المصالح لكلا الطرفين، وبناء على ذلك، قدمت إيران سلطنة عمان كراعية لمصالحها في المملكة المتحدة، واعتمدت بريطانيا السويد كراعية لمصالحها في إيران.
  • في تاريخ 24 سبتمبر 2014، يلتقي الرئيس الإيراني حسن روحاني برئيس الوزراء البريطاني “ديفيد كامرون” على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في النيويورك.
  • أبريل 2015، كشفت بريطانيا لخبراء في الأمم المتحدة أن إيران تحاول الحصول على معدات نووية من خلال شركتين خاضعتين لعقوبات، وجاء في تقرير سري أن الحكومة البريطانية أبلغت الخبراء في 20 أبريل أنها على علم بوجود شبكة إيرانية ناشطة للتزود بمعدات نووية مرتبطة بشركة إيران لتكنولوجيا الطرد المركزي وشركة «كالاي» للكهرباء مدرجة على لائحة سوداء بالشركات الإيرانية لدى الأمم المتحدة، التي فرضت عليها عقوبات لارتباطها بالبرنامج النووي الإيراني.
  • في عام 2015، وبعد التوصل إلى الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وزير الخارجية البريطاني يزور طهران ويعيد افتتاح السفارة البريطانية في طهران بالتزامن مع إعادة فتح السفارة الإيرانية في لندن وذلك بعد إغلاق استمر 4 سنوات.
  • يناير 2016: طالبت عدة صحف بريطانية ومنها: ديلي تيلغراف، تايمز، إندبندنت بدعم السعودية في مواجهة إيران، إبان أزمة المقرات الدبلوماسية السعودية،.
  • فبراير 2016: اعتبر وزير خارجية بريطانيا، أن زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى لندن دليل على تحسن العلاقات بين البلدين، حيث ألقى ظريف كلمة في مجلس العموم البريطاني.
  • مارس 2016: توقيع مذكرة تفاهم للنقل الجوي بين الطرفين.
  • يونيو 2016: صرح المرشد الإيراني علي خامنئي أن الولايات المتحدة وبريطانيا ما زالتا عدواً لإيران.
  • يونيو 2016: أكدت وزارة الخارجية الإيرانية، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يؤدي إلى حدوث أي تغيير في توجه إيران تجاهها، إلا أن تصريحات إيرانية أخرى رحبت بالخروج البريطاني، مثل مساعد الشؤون السياسية بمكتب الرئيس الايراني، حميد أبو طالبي، الذي قال إنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يكون إشارة إلى اقتراب انهيار الاتحاد وحثّ صنّاع القرار الإيرانيين على الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية التي قُدّمت لهم.
  • يوليو 2016: سعت بريطانيا إلى إعادة إدماج إيران في المجتمع الدولي مصرفياً، وأن تتصدر البنوك البريطانية دعم الشركات العاملة في إيران، لكن الضغوط الأميركية على بريطانيا أعاقت هذا العمل.
  • أغسطس 2016: قامت السلطات الإيرانية باعتقال مواطن يحمل الجنسيتين الإيرانية والبريطانية ذي صلة بجهاز الاستخبارات البريطاني، فيما أعلنت المتحدثة باسم الخارجية البريطانية قلق بلادها على مواطنيها المسجونين في إيران.
  • أغسطس 2016: قال وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا توبياس إلوود في تصريحات صحافية: “يداهمنا القلق حيال الدعم الإيراني للحوثيين، بما في ذلك التقارير التي تفيد بأن إيران نقلت أسلحة إلى اليمن، مخالفة لقرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي يحظر على إيران تصدير الأسلحة، فيما رد عليه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي: “من الأفضل لهذا المسؤول البريطاني، بدلاً عن طرح مزاعم خاوية والاستناد إلى تقارير لا أساس لها، تحمل المسؤولية إزاء السلوك غير الإنساني وتساؤلات نواب مجلس العموم البريطاني حول الاستخدام الواسع والذي لا ينكر للأسلحة البريطانية الحارقة في قتل المدنيين باليمن”.
  • سبتمبر 2016: تبادل البلدان التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفراء، ونقلت وكالة “فارس” عن مصدر مطلع في وزارة الخارجية الإيرانية قوله، إنه “منذ أكثر من عام استأنفت السفارتان الإيرانية والبريطانية نشاطاتهما، وكان القائمون بأعمال البلدين يشرفان على جميع الشؤون الجارية بالسفارتين.
  • سبتمبر 2016: استئناف الخطوط الجوية البريطانية رحلاتها إلى طهران.
  • سبتمبر 2016: حمّل وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، النظام السوري وروسيا والميليشيات التي تدعمها إيران، مسؤولية ارتكاب قسم كبير من المجازر في مدينة حلب.
  • أكتوبر 2016: صرح محسن قمصري مدير الشؤون الدولية في شركة النفط الوطنية الإيرانية، أن إيران باعت أول شحنتين إحداهما من الغاز الطبيعي المكثف والأخرى من النفط الخام لشركتين بريطانيتين، وأن مفاوضات جارية لتوقيع عقد طويل الأجل بين الشركة الإيرانية و”بي.بي” و”رويال داتش شل”.
  • في ديسمبر 2017، زار وزير الخارجية البريطاني “بوريس جونسون” طهران، والتقى نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وأكد على ضرورة التزام كافة الأطراف بالاتفاق النووي.

بعد عودة العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين إيران وبريطانيا، والتوصل إلى اتفاق نووي بين إيران والمجموعة الدولية 5+1، في عام 2015، اعتقد الكثير من الخبراء والمراقبين بأن العلاقات بين البلدين ستشهد تطوراً ملحوظاً في مختلف المجالات وخاصة السياسية والاقتصادية، إلا أن هذا الأمر لم يحصل حتى الآن، رغم إعلان وتأكيد كلا الطرفين في أكثر من مناسبة على ضرورة تطوير وتوسيع العلاقات الثنائية، حيث تعتبر طهران بريطانيا من الدول المتقدمة في مختلف المجالات، وتسعى إلى الاستفادة من الفرص المتاحة لتطوير العلاقات معها بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين، ولا يزال قادة إيران يعتقدون بأن بريطانيا وإن كانت في طريقها للخروج من الاتحاد الأوروبي إلاّ أنه ينبغي النظر إليها على أنها دولة ذات إمكانات وعلاقات واسعة، ويمكن من خلال تعزيز العلاقات معها تسوية الكثير من الأزمات والمشاكل سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

في حين لا ترغب بريطانيا في عزل إيران تماما عن المجتمع الدولي حتى لا تقوم روسيا باستغلال عزلتها لبناء علاقات تصب في مصلحة الروس، بل إن الحكومة البريطانية ترغب في إمساك العصا من الوسط في تعاملها مع طهران، فهي تريد كبح التدخلات الإيرانية في المنطقة والتي تصطدم مع المصالح البريطانية، وفي الوقت نفسه لا تريد حصار طهران في زاوية تضطر إلى تقديم تنازلات للروس للحد من عزلتها، لذا تسعى بريطانيا حتى هذه اللحظة إلى إقناع الولايات المتحدة بضرورة المحافظة على الاتفاق النووي مع تأكيدها على ضرورة فرض المزيد من العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي وسلوكها التخريبي في المنطقة، وذلك بهدف إبقاء قنوات اتصال بين الأطراف الأوروبية مع الجانب الإيراني للحد من النفوذ الروسي في الداخل الإيراني.

وبعد قرار انفصال بريطانيا التاريخي عن الاتحاد الأوروبي عقب الاستفتاء الذي جرى في يونيو عام 2016، سارع العديد من المسؤولين السياسيين في إيران إلى تأييد هذا القرار بشدة، وبنوا عليه الكثير من الآمال والأحلام، لكن وبنفس سرعة فرح النظام الإيراني بخروج بريطانيا جاءت سرعة خيبة الأمل بعد تولي تيريزا ماي رئاسة الوزراء، والتي تعتبر من أشد القادة الأوروبيين حزماً تجاه سياسات النظام الإيراني التخريبية في المنطقة.

وكانت إيران من أوائل الدول التي رحبت بهذا القرار البريطاني، وأصدرت الخارجية الإيرانية بياناً عقب نتيجة الاستفتاء قالت فيه: تحترم إيران تصويت الشعب البريطاني على مغادرة الاتحاد الأوروبي، ونعتبر ما يجري مطابقاً لإرادة الغالبية العظمى من البريطانيين، لتبني سياسة خارجية خاصة بها”.

ورحب الكثير من كبار القادة السياسيين والعسكريين في إيران بقرار الخروج البريطاني، كنائب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية مسعود جزايري، وحميد أبو طالبي مساعد الشؤون السياسية بمكتب الرئيس الايراني حسن روحاني والذي غرد على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يكون إشارة إلى اقتراب انهيار الاتحاد الأوروبي، وحث صناع القرار الإيرانيين على الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية التي قُدمت لهم.

في الحققية فإن طهران رأت في انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروزبي فرصة تاريخية لها لكسر حالة الهروب والعدائية  في إقامة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الاتحاد الأوروبي وإيران، وإمكانية عقد اتفاقيات تجارية واقتصادية جديدة مع بريطانيا على حساب علاقاتها التجارية مع باقي دول الاتحاد الأوروبي خاصة بعد تأثر الاقتصاد البريطاني جزئياً بالخروج وانخفاض قيمة الجنيه الإسترليني، بحيث تمكن هذه الاتفاقيات طهران من نقل التكنولوجيا التي تحتاجها إيران في عدة مجالات لتحديث اقتصادها المتقادم بعد حظر أوروبي دام لعدة سنوات.

وأهم الدوافع السياسية من التحرك الإيراني النشط في دعم عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو اعتبار ذلك بداية تفكك الاتحاد الأوروبي، وإحداث تغيير جذري في خريطة الجغرافيا السياسية لأوروبا أو الاتحاد الأوروبي وهو أحد القوى الرئيسية التي تقف مع الولايات المتحدة في معارضة توجهات إيران النووية، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يضغط على إيران باستمرار منذ أعوام بسبب انتهاكات متكررة في ملف حقوق الإنسان بالإضافة إلى الملف النووي، والتدخلات الإيرانية في دول المنطقة، ودعم الجماعات الإرهابية، كما تعتقد طهران بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يجر إلى خلافات وانقسامات في السياسات والمصالح البريطانية الأميركية.

كما هدفت طهران من وراء محاولة كسبها لبريطانا كحليف تجاري واقتصادي إلى كسب حليف سياسي في التحالف الأكبر عالمياً وهو الاتحاد الأوروبي – الأميركي والذي يتبنى سياسات رافضة للسياسات الإيرانية.

وسعت طهران من إقامة وتوسيع العلاقات مع بريطانيا في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي إلى مساعدة شركات النفط البريطانية العملاقة مثل “رويال داتش شيل” و “بي. بي” وغيرها في زيادة استكشاف وإنتاج وتصدير النفط للخارج وتطوير قطاع الطاقة الإيراني كمحاولة من إيران لدعم وإنقاذ اقتصادها الذي يعاني ركوداً مزمناً.

ولكن سرعان ما ذهبت الطموحات الإيرانية في التقرب من بريطانيا أدراج الرياح، بعد مجيء رئيسة الوزراء البريطانية “تيريزا ماي” ذات التوجهات المعارضة لسياسات إيران، وتعتبر من أكثر المحافظين المتشددين في بريطانيا تجاه سياسات طهران، وكانت دائماً تعارض افتتاح سفارة لبريطانيا في طهران أو حتى مكتب لإصدار التأشيرات لدخولها، لكن الحكومة البريطانية السابقة قررت فتحها فقط لتنال نصيباً من العلاقات التجارية الأوروبية الإيرانية.

ومع حالة التصعيد التي تنتهجها الولايات المتحدة حليا إزاء الاتفاق النووي ووالبرنامج الصارويخ وتدخلات إيران في المنطقة، بدأت حكومة روحاني تبحث عن خيارات أخرى لحث القوى الدولية على دعم استمرار العمل بالاتفاق النووي، وخاصة بعد تزايد احتمالية انسحاب الولايات المتحدة منه، وراح فريق روحاني يدعو بشدة الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا إلى استمرار العمل مع إيران والحفاظ على الاتفاق النووي وعدم الانسياق خلف الإدارة الأميركية الساعية إلى إلغاء الاتفاق النووي.

وفي هذا السياق، انتهجت إيران سياسة انتهازية لممارسة ضغوط على الدول الأوربية ومن بينها بريطانيا من خلال الربط بين الاتفاق النووي والملفات الخلافية الأخرى العالقة مع تلك القوى، خاصة بريطانيا التي تعتبر الأقرب للولايات المتحدة من بين الدول الأوربية، مثل ملف مزدوجي الجنسية، حيث اعتقلت السلطات الإيرانية نحو 30 شخصا منهم خلال فترة ما بعد التوصل إلى الاتفاق النووي، ويؤكد الخبراء أن هذه القضية لا تتعلق في هذا السياق بالقوانين الإيرانية التي لا تعترف بازدواج الجنسية، وإنما ترتبط بمحاولة إيران استغلال هذا الملف لممارسة ضغوط على الدول المعنية من أجل دفعها إلى تغيير سياستها في ملفات أخرى.

المثال الأقرب على ذلك هو “قضية نازانين زغاري راتكليف” وهي مديرة مشروع في مؤسسة تومسون رويترز، قامت السلطات الإيرانية باعتقالها في أبريل 2016 بتهمة محاولة الإطاحة بالنظام الإيراني والعمل في شبكة إعلام بريطانية تشارك في حملة دعائية ضد إيران وصدر ضدها حكم بالسجن 5 سنوات في 10 سبتمبر من العام نفسه، وأضيفت إليها تهمة أخرى في نوفمبر 2017، خاصة بالتحريض على النظام، بعد إدلاء وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بتصريحات قال فيها إن “راتكليف كانت تقوم بتدريب صحافيين إيرانيين”، هذه ما أثار ردود فعل قوية في الداخل البريطاني وصلت إلى حد المطالبة باستقالة جونسون، خاصة بعد أن استغلتها السلطات الإيرانية لاتخاذ إجراءات أكثر تعقيدا في هذه القضية، وقد استغلت السلطات الإيرانية تصاعد الاهتمام بهذه القضية داخل بريطانيا لتحقيق بهدف دفع بريطانيا على إزالة العوائق التي ما زالت تمنع من رفع مستوى التعاملات المصرفية بين البلدين، بشكل ساهم في منع حكومة الرئيس حسن روحاني من الحصول على عوائد اقتصادية أكبر من الاتفاق النووي، وهدفت إيران من ذلك أيضا إلى دعم فرص الوصول إلى تسوية لمسألة الديون العالقة بين إيران وبريطانيا منذ فترة ما قبل عام 1979، بعد فشل إتمام صفقة عسكرية وقعت بين الطرفين في ذلك الوقت، والتي تصل قيمتها في الوقت الحالي إلى نحو 528 مليون دولار.

غير أن تبني الحكومة الإيرانية ممارسة ضغوط على بريطانيا، على نحو ما تفعله مع فرنسا أيضا عندما ربطت بين مصالحها الاقتصادية مع إيران وإصرارها على فتح ملف الصواريخ الباليستية، سوف ينتج في النهاية تداعيات سلبية على طهران، بدأت تتضح من خلال الاقتراب البريطاني من السياسة الأميركية تجاه إيران والذي حدث مؤخرا، خاصة في ما يتعلق بعدم التعويل على التزامها بالاتفاق النووي والتركيز على التهديدات التي تفرضها تدخلاتها في المنطقة، ما دفع بريطانيا وباقي الدول الأوروبية إلى فرض مزيد من العقوبات “غير نووية” على طهران، وتوعدها بفرض المزيد مقابل تشييع الولايات المتحدة على عدم الإنسحاب من الاتفاق النووي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

9 مايو 2018

 [1] الملك إدوارد السادس (12 أكتوبر 1537 – 6 يوليو 1553) كان ملك إنجلترا الثاني والعشرين وملك أيرلندا، تولى الحكم في سن التاسعة من عمره في عام 1547 خلفاً لأبيه الملك هنري الثامن بن الملك هنري السابع، وتوج ملكاً في 20 فبراير 1547.

[2] هي مدينة كبيرة وميناء على ساحل البحر، تتبع مقاطعة جاسك وتقع في محافظة هرمزغان في جنوب إيران.

[3] مهنا بن نصر الزعابي (1735 – 1769) يعرف بـ المير مهنا أو الأمير مهنا يعد أبرز حكام إمارة بندر الرق و أحد الاشخاص الذين كان لهم دور بارز في الخليج العربي أثناء القرن الثامن عشر.

[4] هي جزيرة إيرانية تقع في الركن الشمالي الشرقي للخليج العربي قبالة مدينة بوشهر الإيرانية.

[5] عضو في الجيش الجمهوري الأيرلندي ورمز من رموز المعارضة للسياسات البريطانية.