كما كان متوقعا، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم أمس انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران والذي كان دائما ما يصفه بأسوأ اتفاق في التاريخ، وعودة كافة العقوبات الأميركية بل وتشديدها على طهران، وتعتبر هذه القرارات دليل واضح على أخطاء النظام الإيراني السياسية المفتقدة للحكمة والرؤية المستقبلية، وأكدت أن هذه الأخطاء قد جرت البلاد إلى نتائج لا يحمد عقباها، وقد أدخلت إيران في نفق مظلم أصبح الخروج منه بأمن وأمان أمر محال مع وجود هذا النظام الذي يواجه حاليا إرادة وسياسة دولية وإقليمية قوية تهدف إلى تغيير نظام الملالي، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وإعلان عودة العقوبات هي إحدى الخطوات الجدية التي تتخذها أميركا لتغيير النظام الإيراني الحالي.

بعد قرارات ترامب مباشرة، خرج الرئيس الإيراني حسن روحاني للتحدث إلى الشعب ومحاولة طمأنته بأن الأمور ستبقى كما هي، غير أن الخبراء والمتابعين يؤكدون عكس ذلك تماما، وخاصة أن المسؤولين الإيرانيين لم يستطيعوا خلال الأيام القليلة الماضية إخفاء قلقهم وخوفهم الشديد من اتخاذ مثل هذه القرارات، وخاصة أزلام النظام وعلى رأسهم خامنئي الذي بات يدرك الآن أن المجتمع الدولي جاد في مسألة تغيير نظام الملالي في إيران.

الجميع في إيران خاسر من هذه القرارات، فحكومة روحاني التي طالما تباهت وتغنت بإنجازها الوحيد وهو التوصل إلى اتفاق نووي مع المجموعة الدولية، ترى نفسها اليوم في خجل شديد، وتضعف هذه القرارات مكانتها بشدة في الداخل الإيراني وخاصة الرأي العام والشارع الإيراني، والمرشد الإيراني علي خامنئي الذي طالما بارك الاتفاق وأعلن أكثر من مرة وعلى مرءى الجميع أنه إذا مزقت الولايات المتحدة الاتفاق النووي فإن إيران ستحرقه، ما يعني أنه أصبح ملزما بأن يعلن انسحاب إيران من هذا الاتفاق، وهو ما يرفضه تماما فريق روحاني والتيار الإصلاحي والمعتدل والذي لا يزال يعلن التزام إيران بالاتفاق النووي رغم خروج أميركا، ما يعني أن هذه القرارات ستزيد من حدة الانقسامات والخلافات الداخلية، أما الشعوب الإيرانية فهي الخاسر الأكبر من هذه السياسات، فعودة العقوبات ستزيد من تردي أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية لدرجة لا يمكن تحملها.

إن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق يعني عمليا انهياره، لأن العقوبات الأميركية تشكل نحو 90% من مجمل العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران، ما يعني أن 90% من العقوبات التي رفعت بموجب الاتفاق النووي ستفرض مرة أخرى على إيران، بل أن أميركا أعلنت أنها ستقوم بتشديدها، أي أن العقوبات ستعود أكبر مما كانت عليه قبل الاتفاق النووي.

وبإجراء دراسة على أوضاع إيران في سنوات ما قبل توقيع الاتفاق وخاصة ما بين 2012 إلى 2014، والتي كان فيها الاقتصاد الإيراني على وشك الانهيار، نصل إلى نتيجة واضحة بأن قرارات ترامب الأخيرة ستعيد إيران إلى تلك الظروف، ما يعني ارتفاع حاد في الفقر والبطالة وانهيار العملة الإيرانية وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وفقدان النظام الإيراني السيطرة على الأوضاع التي ستتفجر بسبب تردي الأوضاع بشكل عام، بحيث لن يكون أمام الشعوب الإيرانية سوى طريق واحد للخلاص هو تغيير النظام الإيراني، والذي سيجد دعما كبيرا من قبل بعض القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين.

ومن المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بتشديد العقوبات على إيران بحيث تشمل البرنامج النووي والصاروخي، ومسألة دعم إيران للإرهاب، وتدخلاتها في دول المنطقة، إضافة إلى ملفات حقوق الإنسان وانتهاك إيران للقرارات والقوانين الدولية والتي أهمها قرار مجلس الأمن رقم 2216 المتعلق باليمن، ولا شك أن الولايات المتحدة ستقوم بتشديد الخناق على الحرس الثوري الداعم الرئيسي للإرهاب في المنطقة من خلال إدراجه على قائمة التنظيمات والجماعات الإرهابية، ولن يكون خيار أمام الدول الأوروبية سوى التماشي مع القرارات الأميركية، ولا سيما إذا أيقنت أن النظام الإيراني في طريقه للزوال.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

9 مايو 2018