المواقف والسياسات البريطانية إزاء إيران:

في الآونة الأخيرة، وبعد التصعيد الأميركي تجاه السلوكي الإيراني، ظهر اتجاه داخل بريطانيا يحذر من مخاطر غض الطرف والسكوت عن أنشطة إيران التخريبية في المنطقة، وأكد هذا التوجه وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، عندما قال إن سلوك إيران يخلق وضعا خطيرا للغاية، وأشار إلى أن الاتفاق النووي لم يؤد إلى تغيير السياسة الإيرانية في الشرق الأوسط، ودعا نواب بريطانيون، في ندوة عقدت بمجلس العموم إلى التصدي لأنشطة إيران التي وصفها بالمدمرة في المنطقة.

وقد انضمت بريطانيا بشكل تدريجي إلى كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا في التنديد باستمرار إجراء إيران تجارب لإطلاق صواريخ باليستية، بما يتناقض مع الاتفاق النووي الذي توصلت إليه تلك الدول مع إيران، حيث شاركت بريطانيا في الرسالة الجماعية التي وجهتها الدول الأربع إلى الأمم المتحدة، في 2 أغسطس 2017، ونددت فيها بتجربة إطلاق صاروخ “سيمرغ”، التي اعتبرت أنها لا تتسق مع قرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي أضفى شرعية دولية على الاتفاق النووي.

وحول أزمات المنطقة، ترى بريطانيا وأن كشفت عن ذلك بعبارات دبلوماسية، أن إيران تلعب دور المخرب في أزمات المنطقة، ولها أدوار سلبية في أحداث المنطقة، وأظهرت دعما للجهود المبذولة لإنهاء تمرد الحوثيين على الشرعية الدستورية في اليمن، والتعامل بقدر أكبر من الحسم مع تهديداتهم لدول الجوار، ولا سيما السعودية، وبدا ذلك واضحا في استضافتها للاجتماع الخماسي حول اليمن، والذي ضم وزراء خارجية بريطانيا والسعودية والإمارات وسلطنة عمان والمبعوث الأممي إلى اليمن ووكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، وقد وجه هذا الاجتماع رسالة قوية لإيران بأن دعمها العسكري للحوثيين، الذين قاموا بإطلاق صواريخ باليستية عديدة على السعودية يمثل انتهاكا لقرارات مجلس الأمن ولا سيما القرارين 2216 و2231، وأن ذلك يمكن أن يدعم من احتمالات نقل الملف الإيراني برمته إلى مجلس الأمن من جديد، الذي قد يتخذ، حسب البيان الصادر عن الاجتماع، إجراءات مناسبة للتعامل مع ذلك.

وهذه الخلافات المتصاعدة بين بريطانيا وإيران سوف تدفع الأخيرة إلى تبني سياسة أكثر تشددا في التعامل مع بريطانيا، خاصة في ظل الحساسية التاريخية الإيرانية في التعامل مع ما تصفها بـ”الدولة الخبيثة” حسب تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي، والتي ساهمت من قبل في قطع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين عقب قيام محتجين إيرانيين، بإيعاز من السلطات، باقتحام مقر السفارة البريطانية في طهران، في 29 نوفمبر 2011، قبل أن تعود مرة أخرى في 21 أغسطس 2015 بعد الاتفاق النووي.

ومن دون شك، فإن هذه السياسات الاستفزازية التي تتخذها إيران تعزز حاليا من جهود الإدارة الأميركية في تكوين حشد وتحالف دولي وإقليمي مناهض للسياسات الإيرانية وتدخلاتها في دول المنطقة ودعمها للجماعات الإرهابية، ما سيمكن من إعادة إيران من جديد إلى مرحلة العزلة والعقوبات الدولية التي تعرضت لها قبل إبرام الصفقة النووية، وبالتالي عودة الأوضاع السيئة للغاية التي كانت تمر بها إيران في الأعوام التي سبقت توقيع الاتفاق النووي.

وحول الاتفاق النووي، لا تزال بريطانيا تدعم هذا الاتفاق، وتدعو الولايات المتحدة إلى الالتزام به وعدم الانسحاب منه، غير أنها تؤيد فرض مزيد من العقوبات على طهران في ملفات آخرى تتعلق بحقوق الإنسان ودعم إيران للإرهاب والبرنامج الصاورخي والتدخلات الإيرانية في دول المنطقة، وتؤكد لندن أن الاتفاق النووي لا يستند إلى الثقة بشأن نوايا إيران، بل يستند إلى عملية تحقق دقيقة وصارمة شملت تدابير تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالاطلاع بشكل غير مسبوق على برنامج إيران النووي، ويجعل قدرتها على استئناف أية أبحاث حساسة أكثر صعوبة، ولهذا تدعو إيران إلى القبول بتفتيش وزيارة المواقع والمنشآت النووية والعسكرية من قبل مفتشي الوكالة الدولية.

و تتمسك  بريطانيا وباقي الدول الأوربية بالاتفاق النووي، وتعتبره الوسيلة الأفضل لكبح طموحات إيران النووية، كما دخلت شركات بريطانية وأوروبية في استثمارات بإيران بعد رفع جزء كبير من العقوبات الغربية عنها بموجب الاتفاق، وتريد بريطانيا وتلك الدول الحفاظ على استثمارات شركاتها وتوسيع علاقاتها التجارية مع طهران.

وتعتبر بريطانيا من أكثر الدول التي تنتقد أوضاع حقوق الإنسان في إيران، وطالما طالبت السلطات الإيرانية الكف عن انتهاكات حقوق الإنسان ومنح المواطنين الحريات السياسية والمدنية والاجتماعية، وتؤيد حدوث تغيير وإصلاحات في الداخل الإيراني، وكما تقول التقارير الإيرانية ويصرح المسؤولين، فإن بريطانيا تتدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وتعمل على نقل الثقافة الغربية إلى الداخل الإيراني، وتقوم بعمليات تجسس مستمرة في إيران، ما دفع العديد من المسؤولين الإيرانيين إلى مهاجمة بريطانيا ولا سيما بعد اندلاع المظاهرات الأخيرة في المدن الإيرانية واتهامها بإشعالها وتحريض الشعوب الإيرانية ضد نظام الملالي.

العلاقات الاقتصادية:

تذكر المصادر الإيرانية أن تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين تعود إلى أعوام ما بين 1561 و 1563 م، في عهد الشاه طهماسب الصفوي ( 1524-1576م )، حين سافر “أنتوني جينكنسون” ممثل الشركة الإنجليزية مسكووي إلى بلاط الملك طاهماسب الأول الصفوي حيث اتخذ الجانبان خطوات لإقامة علاقات اقتصادية وتجارية بين البلدين وشراء الحرير والتمهيد لنشاط التجار البريطانيين في ايران، غير أن الشاه طهماسب قد رفض مقترحات البريطانيين في البداية، ولكن البريطانيين نجحوا بعد فترة من الحصول على تصاريح تسمح بمزاولة نشاطات تجارية في إيران.

واستمرت العلاقات التجارية والاقتصادية بين بريطانيا وإيران في عهد الصفويين والقاجارين والبهلويين، واستخدمت بريطانيا الأراضي الإيرانية في تجارتها واستثماراتها في عدد من المجالات، وسيطرت الحكومات البريطانية المتعاقبة على ثروات بلاد فارس في أكثر من مرحلة، كان آخرها في عهد رضا شاه ومحمد رضا شاه، حتى جاء النظام الإيراني الحالي وتدهورت العلاقات ووصلت إلى أعلى مستويات التوتر والقطيعة.

والآن وبعد توقيع الاتفاق النووي ورفع الجزء المتعلق من العقوبات الدولية بالبرنامج النووي الإيراني عن طهران، لم تخفِ بريطانيا وجود شهية مفتوحة  لدى الشركات البريطانية الصناعية والتجارية لانتهاز فرصة انفتاح إيران، إضافة إلى وجود شهية كبيرة لدى المؤسسات المالية البريطانية للاستثمار في إيران، وقام وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند بزيارة إلى طهران هي الأولى لوزير خارجية بريطانيا منذ عام 2003 والتقى خلالها مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وقال هاموند إن إيران ستظل دولة مهمة استراتيجياً في الشرق الأوسط، وعلينا المحافظة على الحوار في أصعب الظروف”.

وحالياً تبلغ نسبة التبادل التجاري بين إيران وبريطانيا 2% من مجمل التبادلات التجارية الإيرانية مع كافة دول العالم، أي أنها نسبة ضئيلة للغاية، رغم دعوات عدد من المسؤولين من كلا الطرفين بعد رفع العقوبات إلى إقامة قنوات مالية فعالة بين إيران وبريطانيا، من أجل استئناف العلاقات التجارية، وفي بداية عام 2017 أصدر الوزير البريطاني لشؤون التجارة الدولية “وليام فوكس” التعليمات لفريق عمل وزارته من أجل استكشاف كل الإمكانيات حول إيجاد قنوات دفع مالية فعالة لاستعادة وتحسين العلاقات التجارية بين بريطانيا وإيران.

بعد رفع العقوبات عن طهران بداية عام 2016، وقرار بريطانيا التاريخي بالخروج من أوروبا، أبد مسؤولون إيرانيون وبريطانيون الرغبة في تطوير وتوسيع العلاقات الثنائية في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية والتجارية، ورأى الجانب البريطاني أن إيران بعد رفع العقوبات تعتبر فرصة ذهبية للاستثمار فيها، كما رأى الجانب الإيراني أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعتبر فرصة تاريخية لإقامة علاقات قوية معها كونها قوة عظمى تحتاج إلى أسواق جديدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

وتعزيزا لهذه الرغبات، أقيم مؤتمر تجاري في عام 2016 بعنوان “آفاق التجارة والاستثمار في بريطانيا وإيران” حضره العديد من المسؤولين البريطانيين والإيرانيين منهم السفير الإيراني في لندن، وذلك بعد أن انخفضت العلاقات والتبادلات التجارية بين إيران وبريطانيا وكامل الدول الأوروبي إلى أدنى مستوياتها بعد تشديد العقوبات على إيران عام 2012، حيث كانت قيمة الصادرات الإيرانية لبريطانيا في عام 2011 نحو 420 مليون يورو، تقلص هذا الرقم كثيرا في سنوات تشديد العقوبات على طهران، أي من عام 2012 حتى بداية عام 2016، حيث وصلت قيمة الصادرات الإيرانية لبريطانيا عام 2014 إلى ما دون 39 مليون يورو، بينما بلغت قيمة الصادرات البريطانية لإيران في عام 2011 أكثر من 203 مليون يويور، انخفض هذا الرقم إلى ما دون 113 مليون يورو عام 2014.

بعد ذلك ارتفع حجم الصادرات التجارية البريطانية والإيرانية في نفس العام الذي تم توقيع الإتفاق النووي فيه أي عام 2015، ليصل من 112.9 مليون يورو إلي 171.5 مليون يورو في العام 2016، بينما كان في عام 2013 حوالي 89.4 مليون يورو.

وفي العام الماضي (2017) ارتفع مستوى التبادل التجاري بين إيران وبريطانيا، وأصبحت بريطانيا عاشر دولة مصدرة لإيران، واستطاعت بريطانيا تصدير بضائع وسلع لإيران بقيمة 578 مليون دولار خلال خمسة أشهر فقط من العام الماضي، وحسب التقارير الإيرانية فإن مستوى التبادل التجاري بين إيران وبريطانيا خلال العام الماضي قد ارتفع بنسبة 42%، كما أن الكثير من الصفقات والتبادلات التجارية التي تمت بين شركات بريطانية وإيرانية كانت خارج إطار النظام المصرفي، لذا فإنها لم تسجل في السجلات الحكومية الإحصائية.

ويؤكد التقرير السنوي الأخير الصادر عن غرفة التجارة البريطانية الإيرانية حول العلاقات التجارية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة الماضية إلى ان العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إيران وبريطانيا في فترة ما بعد إبرام الإتفاق النووي زادت بنسبة 50% تقريبا.

وفي شهر مارس الماضي أعلن السفير البريطاني في طهران “نيكلاس هابتون” أن حجم التبادل التجاري بين إيران وبريطانيا ازداد ثلاث أضعاف منذ عام 2015 وإلى ما بعد تنفيذ الاتفاق النووي مقارنة للفترة السابقة، وأجرى عدة لقاءات مع مسؤولين اقتصاديين إيرانيين، اتفق معهم على ضرورة توسيع العلاقات بين البلدين في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية والتجارية.

  وأرادت بريطانيا بالفعل مناقشة استئناف العلاقات المصرفية مع إيران بعد رفع العقوبات الأميركية عنها في يناير 2016، لكن ضغوطا أميركية أجهظت الجهود البريطانية، ولعبت لندن دور الوسيط بين المجتمع الدولي لعودة طهران إلى النظام المصرفي العالمي، لكن محاولاتها باءت بالفشل أمام مخاوف البنوك التي تخشى توقيع عقوبات عليها من قبل الولايات المتحدة إذا ما أعادت التعاون مع طهران مجددا، وتراجعت بريطانيا عن ذلك فور احتدام الأمر حول احتمالية انسحاب الولايات المتحدة وإعادة فرض العقوبات على طهران.

وسعت طهران  في تعاملها مع بريطانيا إلى تشكيل “لوبي اقتصادي مالي” لتكسر فيه القيود السياسية وتمارس من خلاله الضغوطات على الحكومة البريطانية، وهي سياسة يتبعها النظام الإيراني في العديد من الدول الكبرى، وبطرق سرية يغلب عليها التستر والكتمان، غير أن اللوبي الإيراني في بريطانيا كان علنيا ويعمل على المكشوف.

مهندس اللوبي الإيراني في بريطانيا:

أهم رموز اللوبي الإيراني الاقتصادي في بريطانيا هو “نورمان لامونت” الذي كان له الدور الأبرز والأهم في نفوذ الشركات الإيرانية إلى المملكة المتحدة، كما كان له دور أيضا في إبرام الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، وقد شغل نورمان لامونت منصب وزير المالية في حكومة “جون ميجور” في تسعينيات القرن الماضي، وربط علاقات وثيقة مع النظام الإيراني، واستغل نفوذه لمساعدة رجال أعمال إيرانيين في الوصول إلى مواقع شركات اقتصادية هامة في بريطانيا، وبعد مغادرته الحكومة، أصبح “لامونت” مستشار ومحامي لأغنى رجال الأعمال الإيرانيين الموالين للنظام الإيراني في بريطانيا، فاستغلت السلطات الإيرانية عن طريق رجال الأعمال الإيرانيين في بريطانيا مهارات لامونت الدبلوماسية ونفوذه وتأثيره لتقدي الدعم اللازم في العلاقات الإيرانية مع الدول الأوروبية.

ويقف إلى جانب لامونت أيضا “وحيد علاقبند” رئيس مجموعة “بالي” والمقيم في بريطانيا والقرب جدا من الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، والذي ساعد لامونت في محافظته على علاقات قوية مع النظام الإيراني.

إن المنزلة المتميزة التي حظي بها “لامونت” كمستشار لرجال الأعمال الإيرانيين الموالين لإيران في لندن وطهران، بعد مغادرته منصب وزير المالية، جعلت منه الرجل رقم واحد في “اللوبي البريطاني الموالي للنظام الإيراني” والداعم للسياسة الإيرانية لدى الحكومات الغربية بشكل عام، إذ لم يفوت لامونت أية مناسبة دون أن يقدم الدعم والتسويق لإيران، خصوصا لدى حكومة توني بلير وتشجيع وزير خارجية بريطانيا السابق جاك سترو، من أجل المطالبة برفع العقوبات على إيران.

وبعد أن حقق النظام الإيراني نتائج مرضية عن طريق تمكنه من من النفوذ إلى كثير من مراكز القرار، بواسطة لامونت وأعوانه، عمل جاهدا على تقريب هذه الشخصية من مسؤولين إيرانيين كبار في مواقع سيادية كرئيس منتدى الدول المصدرة للغاز محمد حسين عادلي، وكذلك محمد نهاونديان رئيس الديوان الرئاسي الإيراني، مرورا برئيس الغرفة التجارية الإيرانية البريطانية “علي ناغي السيد كموشي.

وباعتباره الشخصية البريطانية البارزة الموالية لرجال الأعمال الإيرانيين وللنظام الإيراني، فقد كان من الطبيعي أن يرشح لرئاسة الغرفة التجارية البريطانية الإيرانية (BICC) في 2004 وبالتالي يصبح الداعم الرئيسي لعودة الاستثمارات البريطانية في إيران والعكس في بريطانيا.

وتقول التقارير أن عمل لامونت لم يقتصر على دعم إيران في الداخل البريطاني، بل أنه تسلل إلى عواصل أوروبية أخرى، ونجح في فتح خط جديد تجاه بروكسل من أجل حشد التأييد داخل قبة الاتحاد الأوروبي لصالح طهران، واستطاع لامونت، أن يفتح قنوات جديدة وأن يحشد شبكة جديدة كانت تنشط في كواليس الحكومات الغربية، كما لعب دورا كبيرا في الحد من تأثير القيود المصرفية على حركة التجارة بين إيران وبريطانيا، وكان هو وراء توقيع الاتفاق المتعلق في تيسير تمويل الصادرات بين طهران ولندن.

محددات المواقف البريطانية تجاه طهران:

إن السياسة البريطانية ومواقف المسؤولين في لندن تجاه إيران لها أبعاد أساسية ومحددات طالما بقيت بمثابة المهندس الرئيسي للمواقف البريطانية تجاه طهران، وهذه الأبعاد هي:

أولاً: التوجس والحذر، ويعود ذلك إلى الميراث والتركة الطويلة لانعدام الثقة بين الطرفين، إضافة إلى تضارب ثوابت ومعتقدات السياسة الإيرانية مع السياسة البريطانية في اتجاهات وملفات إقليمية وعالمية كثيرة.

ثانياً: الرغبة البريطانية في الحصول على منافع اقتصادية واستثمارية في إيران، حيث ترى لندن أنه من الضروري التنافس الجاري مع الدول الغربية الأخرى في الاستحواذ على حصة من الكعكة الاقتصادية الإيرانية الضخمة بعد سنوات من العقوبات ومحاولات العزل.

ثالثا: مطالبتها بتغيير سلوكها، وهذا البعد يعتبر أحد أهم العقبات والموانع في تطبيع حقيقي للعلاقات بين إيران وبريطانيا، ولا يمكن أن يكون مجرد تصريحات بهدف الاستهلاك المحلي، وذلك لاستحالة تغيير سياسات إيران تجاه قضايا تعدها مبدئية وغير قابلة للمساومة مثل المواقف والسياسات الداعمة لجماعات إرهابية مثل جماعة الحوثي وحزب الله والميليلشيات الطائفية بالعراق بل إن هذه السياسات تعتبر ركيزة لاستمرار حياة النظام الإيراني في طهران.

رابعاً: محاولة الاستفادة من إيران في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي في العراق، ودفع طهران إلى تبني سياسة جادة في حرب عناصر داعش، من خلال طرح مشروع التعاون مع إيران بإمكانياتها ونفوذها في المنطقة لمواجهة هذا التنظيم المتطرف، خاصة أن الدول الغربية ومن بينها بريطانيا ترفض إرسال قوات برية لقتال عناصر داعش في سوريا والعراق، فتريد أن تقوم بهذه المهمة قوات إيرانية، لدفع طهران إلى ذلك كمحاولة منها لنشل اسمها من قائمة الدول والأجهزة الداعمة لتنظيم داعش الإرهابي.

خامساً: العلاقات البريطانية الخليجية، فهناك حاجة ملحة من بريطانيا لدول المجلس في عدة ملفات، ولا سيما الاقتصادي والعسكري، وملف مكافحة التطرف والإرهاب، فبريطانيا تسعى لعمل شراكات اقتصادية خارج الاتحاد الأوروبي بعد الانسحاب منه في مارس عام 2019، وتجد في دول الخليج العربي أحد أهم الشركاء التجاريين والاقتصاديين النافعين للاقتصاد البريطاني، فهناك مليارات الدولارات من الاستثمارات الخليجية في بريطانيا، هناك أيضاً استثمارات بريطانية قد تبلغ قرابة 30 مليار جنيه استرليني خلال السنوات الخمس المقبلة في دول الخليج، يضاف إلى ذلك الحاجة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية والتجارب العملية لمحاربة التطرف والإرهاب، لذا فإن بريطانيا ستكون شديدة الحرص على حفظ علاقاتها مع دول الخليج في مواجهة السياسات الإيرانية المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة.

العلاقات العسكرية:

مع ازدياد سيطرة الحلفاء على إيران اتجهت انظار بريطانيا إلى محاولة تشكيل “قوات إيرانية” تحت السيطرة البريطانية في الجنوب الإيراني لضمان حماية عسكرية للأمن السياسي ولموازنة القوات في الشمال الإيراني الأمر الذي أدى إلى تشكيل  ما سمي بـ”قوة بنادق جنوب فارس” في عام 1916، تحت الاشراف البريطاني،[6] وأثناء الحرب العالمية الثانية، ورغم إعلان رضا بهلوي أن بلاده تقف على الحياد، إلا أنه لم يكن قادرا على إخفاء ميوله للألمان ودول المحور، فخشيت بريطانيا والاتحاد السوفييتي من أن تقوم ألمانيا بالسيطرة على آبار النفط الإيرانية، فسارعت إلى غزو الأراضي الإيرانية والسيطرة على أجزاء واسعة من إيران، وعملت بريطانيا والاتحاد السوفيتي على الانقلاب على رضا شاه وتسليم السلطة لإبنه “محمد رضا شاه.

في هذه الفترة كان التواجد السياسي والاقتصادي والأمني البريطاني واسع في إيران، وحصل الشاه على دعم بريطاني سياسي وعسكري، وبعد الإطاحة بالنظام الشاهنشاهي عام 1979، ومجيء نظام إسلامي راديكالي، توترت العلاقات بين إيران وبريطانيا بشكل كبير وصل الأمر إلى قطع العلاقات وإغلاق السفارات في أكثر من حادثة ومناسبة، فأصبحت العلاقات والتعاون العسكري بين الطرفين معدوم حتى اليوم.

لم يحدث أي اتصال عسكري بين طهران ولندن منذ عام 1979، وكانت بريطانيا إضافة إلى الولايات المتحدة من أشد الحريصين على فرض عقوبات دولية على طهران تمنعها من استيراد الأسلحة والمعدات والأجهزة العسكرية، وترى بريطانيا أنه من الضروري تحجيم إيران عسكريا، ومنعها من تطوير أي أسلحة خطيرة قد تشكل تهديدا لوجودها العسكري في منطقة الخليج والمناطق المحيطة بإيران، غير أنه لا يخفى على أحد أنها لا ترغب في القضاء على خطر إيران تماما حتى تبقى تشكل خطرا على دول المنطقة التي تعتبر من أكثر دول العالم شراء للأسلحة البريطانية وكذلك الأميركية.

وتحذر بريطانيا من أن انهيار  الاتفاق النووي مع إيران قد يسبب في اندلاع مواجهة عسكرية في المنطقة، وممراتها الاستراتيجية، ما قد يعيق تصدير النفط والغاز إلى بريطانيا والدول الأوروبية، لذا فإن الحكومة البريطانية لا ترغب بتفريغ كافة علاقاتها مع إيران وسياسيا ودبلوماسيا، وعسكرتها، بل ترى أن الاتفاق النووي مع تشديد المراقبة والعقوبات على إيران كفيلة بمنع إيران التوصل إلى أسلحة نووية، وأنه من الممكن ردع النظام الإيراني وإضعافه بطرق سياسية ودبلوماسية، ومحاصرته اقتصاديا ومساعدة القوى الإيرانية المعارضة على تغيير النظام الإيراني.

الرؤية المستقبلية للعلاقات الإيرانية البريطانية:

بناء على معطيات السياسة البريطانية الحالية، ومتابعة تصريحات المسؤولين ومواقف الخارجية البريطانية،  فإنه من المتوقع أن تتبع بريطانيا سياسة متوازنة ونهجاً واضحاً على الساحة الدولية مقرباً كثيراً من منهج وسياسات الولايات المتحدة والدول الخليجية تجاه إيران، إن لم يكن سياسة أكثر صرامة مع قدوم رئيسة وزراء متشددة بشكل عام تجاه أمن بريطانيا وبشكل خاص تجاه السلوك الإيراني في المنطقة، وحول الاتفاق النووي، فإنه من المتوقع أن لا تعارض بريطانيا انسحاب الولايات المتحدة، ولن تقف في وجهها إذا فعلت ذلك، مع إبقائها على دعواتها في المحافظة على الاتفاق النووي مع طهران وتأييدها فرض المزيد من العقوبات المتعلقة بمجالات أخرى كملفات حقوق الإنسان والبرنامج الصاروخي ودعم طهران للإرهاب.

وستبقى بريطانيا تتبع سياسة أقل حدة من الولايات المتحدة تجاه إيران في الفترة القادمة، مع حرصها على عدم إغضاب الولايات المتحدة ودول الخليج، وستحافظ على قنوات اتصال سياسية ودبلوماسية لمنع أي تهور إيران، وبهدف إبقاء علاقات طهران مع موسكو تحت المجهر الأوروبي.

اقتصادياً لن تجازف بريطانيا بالشيء القليل في علاقتها مع طهران بالكثير في علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الخليج العربي، ولن يقبل المسؤولون البريطانيون إقامة علاقات تجارية مع إيران على حساب الاتحاد الأوروبي بأي شكل من الأشكال، لأن حجم التبادل التجاري بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي ضخم وأكبر بكثير من أن يتأثر بسرعة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتوجه لأسواق ناشئة حتى ولو كانت جاذبة للاستثمار،  حيث وصل حجم التبادل التجاري بين بريطانيا وأوروبا إلى 510 مليار جنيه إسترليني في عام 2015 (668.8 مليار دولار)، بينما لم يتعد حجم التبادل التجاري بين بريطانيا وإيران 144 مليون دولار في العام نفسه، ولا يزال حجم التبادلات التجارية بين إيران وبريطانيا ضئيل للغاية، وفي حال حدوث تغيرات مستقبلية في حجم التجارة بين إيران وبريطانيا فإنها لن تكون ملحوظة مقارنة بحجم تجارة بريطانيا مع دول الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأهم لها.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 مايو  2018

 

[6] إيران في السياسة البريطانية 1896-1921، ص. 395.