رغم ما تسعى إليه السلطات الإيرانية في توجيه الرأي العام المحلي والأجنبي صوب تصورات إيجابية للأوضاع الداخلية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وقرب عودة العقوبات، إلا أنها لن تنجح في ذلك ولو على المدى القريب لأسباب عدة أهمها بدء التأثير الفعلي لهذه القرارات الأميركية مباشرة على الأوضاع الداخلية الإيرانية وخاصة الاقتصادية بشكل سلبي للغاية.

ما تقر به إيران ويعلمه الجميع أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران يعني بالضرورة إلغاء وانهيار هذا الاتفاق بالكامل حتى وإن بقيت الدول الأوروبية تعلن التزامها بهذا الاتفاق إلى جانب إيران، لأن الولايات المتحدة تتحكم بما نسبته نحو من 90% من العقوبات على إيران، والاتحاد الأوروبي لا يزيد عن 10% فقط، ما يعني أن انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق، أصبح لا قيمة له، وحتى إن بقيت الدول الأوربية فإن كافة الشركات العالمية ستتجنب التعامل مع إيران تلاشيا للعقوبات الأميركية.

إن الاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما مع إيران عام 2015 كان بمثابة المنقذ الحقيقي للنظام الإيراني بعد أن أوشكت البلاد  أن تنهار اقتصاديا، والآن قد انهار هذا الاتفاق عمليا، الأمر الذي سيعيد العقوبات على إيران وتشديدها، ما سيدفع بالأخيرة إلى عودة  أنشطتها النووية إلى ما قبل يوليو 2015، ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المئة وربما أكثر، وهذا يعني أن القضية النووية الإيرانية قد دخلت دوامة ومسارا جديدا، وفتح الباب على مصراعيه أمام الخيار الأكثر سوءا، أي استخدام القوة العسكرية ضد إيران.

العقوبات القادمة على إيران تستهدف بالأساس القطاعات النفطية والغازية والبتروكيماويات والقطاعات المالية والمصرفية، وتمنع تصدير الأسلحة والمعدات  العسكرية والنووية إلى إيران، وأي تجارة مع مؤسسة الحرس الثوري، ومنع صفقات الصرافة والتأمين مع إيران، وتشمل البنك المركزي الإيراني، والشحن وبيع الطائرات المدنية وغيرها.

وهذا يعني أن الأوضاع الاقتصادية الإيرانية في الداخل ستتراجع لتعود إلى أسوأ ما كانت عليه قبل الاتفاق النووي، وبكل تأكيد فإن حجم التبادل التجاري النفطي وغير النفطي لإيران مع دول العالم سينخفض بشكل تدريجي، إضافة إلى خروج وإيقاف العديد من الاستثمارات الأجنبية التي أقيمت أو أنها لا زالت قيد الإنجاز أو الدراسة للاستثمار في الداخل الإيراني، وإجهاض العديد من المشروعات التي تم الاتفاق عليها بين إيران من طرف دول وشركات عالمية من طرف آخر وخاصة تلك المتعلقة بالطاقة والغاز وتطوير الطرق وسكك الحديد وغيرها.

النهج الأميركي والدولي يتجه حاليا إلى اتخاذ سياسات أكثر صرامة تجاه النظام الإيراني، ما يعني وجود إصرار دولي على تغيير نظام الملالي بعد أن أثبت أنه العائق الأكبر أمام عملية مكافحة الإرهاب، وستركز سياسة الولايات المتحدة تجاه طهران في الفترة المقبلة على عدة محاور رئيسية:

أولا: إعادة العقوبات السابقة وفرض عقوبات شديدة على مؤسسات النظام الإيراني.

ثانيا: العمل على وقف برنامج الصواريخ الإيراني والحد من قدرات إيران الصاروخية الدفاعية والهجومية.

ثالثا: إثبات إرهابية السلوك الإيراني المخرب ودعم طهران للجماعات والتنظيمات الإرهابية في دول المنطقة وزعزعة أمنها واستقرارها.

رابعا: ضرب التواجد العسكري الإيراني في دول المنقطة، ووقف تدخلات الحرس الثوري الإيراني وذراعه الخارجي فيلق القدس في دول المنطقة، خاصة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

خامسا: قطع طرق وتمويل ودعم إيران لأذرعها وخاصة الحوثييين وحزب الله، وتجفيف مصادر تمويلها.

سادسا: دعم المعارضة الإيرانية الحقيقية في الداخل والخارج، والعمل على تشكيل فريق سياسي وإداري قادر على إدارة الدولة بعد سقوط الملالي، ويمنع من تدحرج البلاد إلى فوضى تضر بأمن واستقرار المنطقة.

لكن الهاجس من ردة فعل الملالي يتمثل في زيادة “العناد الإرهابي والتدخلي والتجسسي” لإيران في المنطقة، مع محاولات حثيثة وقد تكون استباقية في إشعال حرب غير مسببة يهدف منها النظام إلى إشغال الداخل وضمان وحدة الصف، أو ارتكاب أي حماقة عسكرية أو إرهابية تستهدف دولا عربية آمنة وعلى رأسها السعودية والإمارات والبحرين، لتبث طهران رسائل تحذيرية من أي تصعيد تجاه طهران.

السيناريو الآخر يقوم على أسس سياسة طهران الاعتيادية في التفاوض بسرية وتقديم التنازلات في سبيل بقاء النظام، فمن غير المستبعد أن يقوم النظام الإيراني بعقد محادثات وصفقات ومفاوضات سرية مع الولايات المتحدة بأي ثمن كان، من أجل تحييد أي عملية عسكرية ضده على الأقل، ومحاولة إطفاء الغضب الأميركي تجاه طهران وتجنب إسقاط النظام، وهو السيناريو الأخطر بالنسبة للدول العربية، لأن أي اتفاق سيجري في هذه الظروف سيكون على حساب الدول العربية وخاصة الخليجية.

كما أن إلغاء الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على طهران من شأنه أن يجعل الأخيرة تعيد هندسة علاقاتها الخارجية بشكل كامل، بحيث ستلجأ إلى إقامة علاقات أكبر مع القوى الشرقية حتى وإن تم ذلك بتقديم تنازلات، فإيران عن طريق الحرس الثوري أصبح لديها خبرة في تقديم التنازلات السرية دون أن يشكل ذلك خطرا على النظام، فإعادة فلترة وبلورة العلاقات الإيرانية الخارجية ستكون أحد أبرز تأثيرات ونتائج إلغاء الاتفاق النووي.

الخاسر الأكبر من انهيار الاتفاق النووي في الداخل الإيراني هو التيار الإصلاحي وحكومة روحاني المعتدلة والشعب الإيراني بشكل عام، حيث أن إنجاز الحكومة الوحيد الذي طالما تغنت به قد ذهب أدراج الرياح، وتلاشت حاليا كافة أحلام حكومة التدبير والأمل، وروحاني أمام فهوة مدفعية الانتقادات والهجوم من قبل التيار المتشدد والحرس الثوري الذي طالما حذروا روحاني من هذا الاتفاق وأعلنوا رفضهم له، ما سيجعل العديد من الجهات الإيرانية الداخلية وعلى رأسها بيت المرشد والحوزات الدينية والعلمية والتيارات الأصولية تدعم فكرة رئيس المجلس الإيراني الأميركي “هوشنغ أمير أحمدي” وهو من أبرز اللوبيات الإيرانية المتنفذة في أميركا، والذي دعا صراحة إلى تشكيل “حكومة عسكرية” في إيران بواسطة الحرس الثوري، لمواجهة ما وصفها بتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحدقة، عقب تعيين صقور معادين لطهران في إدارته.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

13 مايو 2018