محاور الدراسة

  • العلاقات السياسية
  • العلاقات الاقتصادية
  • العلاقات العسكرية
  • دوافع التغلغل الإيراني في نيجيريا
  • التشيع والتواجد الإيراني في نيجيريا

مقتضب

تعود العلاقات بين إيران ونيجيريا إلى فترة ما قبل انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، حيث تم افتتاح سفارة إيرانية في مدينة “لاغوس”[1] عام 1973، أي في عهد محمد رضا شاه بهلوي، وكان “جمشيد مفتاح” أول سفير إيراني في نيجيريا، استمر عاما ثم عقبه “شاهرخ فیروز” الذي استمر حتى عام 1978، ثم أصبح “محمد علي یزدانفر” سفيرا لإيران في نيجيريا لعدة أشهر فقط، جاء بعده “کریم شرابیانلو” الذي استمر حتى قيام الثورة وسقوط نظام البهلوي.

وفي العام نفسه الذي افتتحت فيه سفارة إيران في نيجيريا عام 1973، افتتحت أيضا نيجيريا سفارتها في طهران، وكان “وي.ان. تشیبوندو” أول سفير نيجيري في إيران، وأقام الطرفان علاقات سياسية ودبلوماسية استمرت تتراوح ما بين الصعود والهبوط، وشهدت توترات تارة وانفتاح تارة أخرى.

بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 واستلام الحكم نظام الملالي الحالي، قامت نيجيريا بإغلاق سفارتها مدة استمرت حتى عام 1987 لتعاود افتتاحها مرة أخرى، واستمرت العلاقات على مستوى السفراء، غير أن الكثير من التوترات السياسية والدبلوماسية قد انتابتها بسبب تدخلات إيران وتهريبها للسلاح ودعمها للجماعات الشيعية النيجيرية وعسكرتها، ما أدى إلى قيام نيجيريا بقطع علاقاتها الدلبوماسية مع إيران في فترات متقطعة.

تعتبر دولة نيجيريا من أكثر الدول الأفريقية اهتماما بالنسبة للنظام الإيراني، خاصة أن أكثر من 50% من سكانها مسلمون سنة، ما جعل النظام في طهران يوليها اهتماما بالغا كأحد الميادين الخصبة التي من الممكن توسيع النفوذ الإيراني إليها بطرق ناعمة ونشر المذهب الشيعي فيها، فكثفت الجهود الإيرانية في بناء وتوسيع العلاقات مع دول أفريقيا عامة ونيجيريا خاصة مع بداية العقد التسعين من القرن الماضي، وقامت إيران بتوقيع عدة اتفاقيات وتفاهمات تعاونية سهّلت عليها أنشطتها وتحركها في نيجيريا، ومنها اتفاقية للتعاونات الثقافية والتعليمية والتي وقعت بين الطرفين عام 1996، والتي تعتبر بداية لتحرك ونفوذ إيران في هذه الدولة الأفريقية ونشر المذهب الشيعي.

وتؤكد التقارير الإيرانية أنه في عام 1996، أي العام الذي وقعت فيه هذه الاتفاقية، حدث نشاط وتحرك إيراني كبير في نيجيريا، ولوحظ تزايد في أعداد السكان الذين يعتنقون المذهب الشيعي الذي تدعو إليه إيران، حيث استغلت الجهات الإيرانية فقر وعوز الشعب النيجيري، وبدأت عملية تشيّع واسعه في المجتمعات النيجرية وتغيير فكري جذري بطرق ناعمة اتخذت طابع المساعدات والأنشطة والأعمال الاجتماعية والثقافية والتعليمية.

ومن الأنشطة والأعمال الثقافية التي مارستها إيران في نيجيريا، هي: صناعة فيلم وثائقي عن أنشطة الشيخ “زكزاكي” ضد الحكومة النيجيرية، وإقامة علاقات وروابط مع العلماء وأساتذة الجامعات والشخصيات النخبوية، إضافة إلى طباعة ونشر كتب دينية تتعلق بالمذهب الشيعي، ودعم المدارس الإسلامية، والمشاركة في معارض الكتب، وابتعاث شخصيات علمية ودينية نيجيرية إلى إيران، كذلك وتعتبر مؤسسة دار الثقلين في مدينة “كانو”[2] أحد أهم المؤسسات التابعة لإيران في نيجيريا.

العلاقات السياسية:

في عام 2016 قام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بزيارة دبلوماسية إلى نيجيريا، والتقى برئيسها “محمد بخاري”، وتحدث الجانبان حول سبل توسيع وتطوير التعاونات الثنائية المشتركة والعلاقات في كافة المجالات بين طهران وأبوجا، وتم توقيع مذكرة تفاهم على مستوى وزراء الخارجية بين البلدين.

ووفقا لوثائق ومستندات وزارة الخارجية الإيرانية، فإن العلاقات السياسية والدبلوماسية قد بدأت بين إيران ونيجيريا في عهد محمد رضا شاه، في بداية العقد السبعين من القرن الماضي، وتحديدا بعد قبول عضوية نيجيريا في منظمة أوبك عام 1971، ولم يكن قبل ذلك التاريخ أي علاقات دبلوماسية أو سياسية أو اقتصادية تذكر بين الطرفين، وتقول إحدى الدراسات الإيرانية أن أساس العلاقات الدبلوماسية بين إيران ونيجيريا قد يعود إلى بداية عقد الستين، وإن لم تكن على مستوى كبير.

وكانت هذه العلاقات دائما ما يتم تقييمها بأنها جيدة، وبرزت رغبة واضحة من كلا الطرفين في تطوير وتوسيع العلاقات السياسية والدبلوماسية، وتبادلت طهران وأبوجا الزيارات الرسمية على أعلى المستويات، وتم توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التعاون في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي، ففي عام 2001 زار الرئيس النيجيري آنذاك “أولوسيجون أوباسانجو” طهران وأجرى محادثات مع نظيره الإيراني الرئيس الأسبق محمد خاتمي حول التعاون الثنائي بين البلدين، واستمرت الزيارة لمدة يومين، وأثناء هذه الزيارة تم التوقيع على 6 مذكرات تعاون شملت المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، ويعتبر “أوباسانجو” أول رئيس نيجيري يقوم بزيارة إيران مرتين، كما قام أيضا الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي بزيارة إلى نيجيريا، وأثناء زيارة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد إلى نيجيريا، جرت اتفاقات بين الجانبين حول الطاقة وتصدير الجرارات إلى نيجيريا، ويمكن اعتبار هذه الفترة بأنها ذروة العلاقات بين البلدين.

وأثناء زيارة خاتمي تم مناقشة عدد من القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية، وسبل تعزيزها بين البلدين، إضافة إلى القضايا الدولية والإقليمية، كما تناولت المباحثات قضايا الشرق الأوسط بما فيها القضية الفلسطينية والأوضاع العراقية، ومن جهة أخرى أشار خاتمي إلى استعداد بلاده للتعاون مع نيجيريا في كل المجالات العلمية والفنية والصناعية والتجارية، في إطار اللجنة المشتركة بين البلدين، كما أعرب عن ارتياحه لسياسات الرئيس أوباسانجو، ومن ناحيته أكد الرئيس النيجيري أن زيارة خاتمي لبلاده ستفتح أفقا واضحا للتعاون الثنائي، وشدد على ضرورة الإسراع بتنفيذ ومتابعة الاتفاقيات المبرمة بين البلدين في مجال إنشاء السدود وصناعة السيارات والطاقة والشؤون المالية والمصرفية، وقال أوباسانجو إن بلاده ترغب في تنمية هذا التعاون وترحب بتبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين.

وصفت الصحافة النيجيرية آنذاك هذه الزيارة بـ “أهم حدث دبلوماسي لهذا العام”، والتي جاءت امتدادا لزيارة رسمية للرئيس النيجيري لإيران قبلها، حيث تركزت آنذاك على الاستفادة من الخبرة الإيرانية في قطاع التكنولوجيا، والنفط، ومجال صيانة معامل تكرير النفط بالإضافة إلى الخبرة الإيرانية في مجال الاستكشافات البترولية، واستغلال الإمكانات البتروكيماوية والغاز، وكذلك الاستفادة في مجال الدفاع والاستخدامات العسكرية.

مهدت هذه الزيارة الأرضية لنشاط دبلوماسي بين البلدين، من خلال الوفود والزيارات المتبادلة بين الطرفين، ففي عام 2002 قام وزير الخارجية الإيراني بزيارة لنيجيريا، تم خلالها التوصل إلى أربع اتفاقيات بين بعض الشركات التابعة لوزارة الطاقة الإيرانية والحكومة النيجيرية، لتجديد محطات توليد الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى ثلاث اتفاقيات بين غرف التجارة والصناعة النيجيرية وبعض الشركات الصناعية الإيرانية.

وفي عام 2004، وقع وزيرا الطاقة بالبلدين مذكرة تفاهم لزيارة وفد من الخبراء الإيرانيين لأبوجا لإعادة تأهيل المحطات والمنشآت الكهربائية في نيجيريا، وفي الزيارة التي قام بها وزير الطاقة الإيراني في ديسمبر 2004 ، إلى نيجيريا تم تباحث حول فرص مساهمة الشركات الإيرانية في قطاع الكهرباء والماء في نيجيريا.

كما تبادل الطرفان زيارة الهئيات والوفود على مستويات مختلفة، أهمها على مستوى رئاسة السلطة القضائية والوزراء وممثلي البرلمانات وغيرها، وتم توقيع العديد من الاتفاقيات في مجالات المختلفة.

وتشترك إيران ونيجيريا في العضوية في عدد من المنظمات الدولية والمؤسسات الدولية والإقليمية، أهمها منظمة الأمم المتحدة، و منظمة المؤتمر الإسلامي، منظمة أوبك، والمجموعة 77، ومجموعة “دي-8″، وتدعم كلا منها مواقف الآخر في هذه المنظمات، كما وقع الطرفان منذ عام 1988 حتى الآن على 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

لكن وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها وتبذلها إيران منذ سنوات من أجل توسيع العلاقات بين البلدين، إلا أن هذه العلاقات لم تصل إلى المستوى المطلوب، وذلك يعود لعدة أسباب أهمها:

  • عدم الاستقرار السياسي في نيجيريا، من وقوع الانقلابات إلى تغيير الحكومات وحدوث الاشتباكات والحروب الأهلية والمذهبية.
  • التدخلات الإيرانية المستمرة، ودعمها للجماعات الشيعية التي تعمل ضد الحكومة النيجيرية، واصطدامها مع الحكومة النيجيرية في أكثر من حدث، حيث هاجمت إيران السلطات النيجيرية واتهمتها بالتقاعس في حماية الشيعية في نيجيريا.
  • وقوع إيران في مصيدة القوات الأمنية النيجيرية في أكثر من مرة، وبقضايا أمنية كبيرة، كتهريب السلاح إلى جماعات متمردة في الدول الأفريقية وكذلك تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وغيرها.
  • الضغوط الدولية التي تمارس على نيجيريا من أجل الحد من علاقاتها مع إيران، وكذلك التواجد والنشاط السعودي والعربي في أفريقيا والذي يعمل على وضع حد للنفوذ الإيراني في دول أفريقيا، وخاصة نيجيريا.
  • عدم ترجمة الرغبة النيجيرية في توسيع علاقاتها مع إيران إلى أرض الواقع والتنفيذ، وذلك لعدم وجود رغبة حقيقية لدى أبوجا في تطوير علاقاتها مع طهران، حتى لا يؤدي ذلك إلى إثارة غضب دول وقوى عالمية وإقليمية تعتبر نيجيريا في أمس الحاجة إليها.
  • علاقات نيجيريا مع الولايات المتحدة والتي تعتبر المحدد الأساسي للنظام السياسي والاقتصادي للمجتمع النيجيري، هي أحد أهم العوامل في عدم وجود تطور مناسب للعلاقات بين نيجيريا وإيران.

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، حرص النظام الإيراني على إبرام عدد من الصفقات مع الحكومات النيجيرية المتعاقبة، مع تركيزه على البعد الثقافي والديني المتمثل في بناء المساجد وتأسيس المدارس والمراكز الدينية، في محاولة منه لتهيئة الظروف وإعداد الأرضية المناسبة للوصول إلى الهدف الرئيسي، وهو بناء نفوذ له في نيجيريا ودول غرب أفريقيا ونشر المذهب الشيعي وسط المجتمعات النيجيرية، عبر تنشيط أذرعه المباشرة والخفية، مستخدما لتحقيق ذلك الموالين له والمتعاطفين معه من النيجيريين وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم الزكزاكي.

ولا شك أن المساعي الإيرانية خلال السنوات الماضية قد أسهمت بشكل نسبي في تَشيِيع مجموعات من النيجيريين، ويعتبر زعيم الشيعة في نيجيريا إبراهيم زكزاكي من أبرز الموالين لإيران والمدافعين عن مشاريعها التوسعية في غرب أفريقيا، والذي تشيع مباشرة بعد انتصار الثورة الإيرانية وزيارته إلى طهران، غير أنه لم يظهر تشيعه بشكل صريح وعلني إلا في منتصف التسعينيات عندما سبّ الصحابي “أبي هريرة” ما جعله يواجه استنكارا شديدا من عدد كبير من أنصاره، مما دفع كثيرين منهم إلى الانفصال عنه، الأمر الذي جعل طهران تكثف من جهودها لنشر التشيع من خلال دعمها القوي واللامحدود لإبراهيم زكزاكي وجماعته، في إطار محاولاتها الرامية لاستنساخ “حزب الله” في نيجِيريا، وقد تلقت الجماعة دعما وتمويلا كبيرا من إيران، مثل الدعم العسكري للجماعة وتدريب عناصرها على حروب العصابات واستخدام الأسلحة الخفيفة وتصنيع القنابل اليدوية وصنع القنابل.

لكن يمكن القول أن الأحداث التي شهدتها مدينة “زاريا” في ديسمبر 2015 قد شكلت عائقا كبيرا للمشروع الإيراني، وبداية النهاية لهذا المشروع، وذلك عندما هاجم الجيش النيجيري حسينية “بقية الله” في زاريا التي تحصن فيها عدد من أنصار زكزاكي، الذين حاولوا اغتيال رئيس هيئة الأركان في الجيش الجنرال توكور يوسف بوروتاي، مما أدى إلى مقتل مئات واعتقال زعيمهم زكزاكي.

وعلى أثر ذلك استدعت الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال النيجيري في طهران للاحتجاج على الحادثة، وطالبت السلطات النيجيرية بتحديد أبعاد الحادثة ومعالجة الجرحى والتعويض عن الخسائر والأضرار في أسرع وقت ممكن، الأمر الذي اعتبره الكثير من النيجيريين بأنه تدخلا في شؤونهم الداخلية ومحاولة لنشر الفتن في البلاد.

بعد هذه الحادثة شهدت العَلاقات بين إيران ونيجيريا فتورا ملحوظا، حتى جاءت زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف لدول غرب إفريقيا، والتي بدأها بنيجيريا والتقى خلالها الرئيس النيجيري محمد بخاري، وحاول ظريف وضع محددات للتفاهم بين البلدين حول القضايا العلاقة وأبرزها قضية زكزاكي.

وحول المواقف النيجيرية السياسية تجاه طهران، فقد اختلفت هذه المواقف تجاه الملفات الإيرانية بين فترة وأخرى، حيث امتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة المتعلق بحقوق الإنسان في إيران منذ عام 2005 حتى عام 2008، وفي عام 2009 تغير الموقف النيجيري تجاه إيران، وصوتت ضدها، ولكن في العام التالي أي عام 2010 غيرت موقفها وصوتت بالامتناع، كما كان التصويت النيجيري إيجابيا لقرار مجلس الأمن “1929” بشأن مقاطعة إيران.

وقد شهدت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين إيران ونيجيريا في السنوات الأخيرة محطات توتر عديدة، ففي عام 2011 ضبطت الجمارك النيجيرية في ميناء لاغوس 13 حاوية تحتوي على أسلحة تم شحنها من إيران تحت غطاء بمواد البناء، وتعتبر هذه الحادثة بداية توتر العلاقات بين إيران ونيجيريا ودول أفريقية أخرى، حيث كشفت مصادر نيجيرية أن وجهة هذه الأسلحة الإيرانية كانت إلى جمهورية غامبيا، حيث كانت تهدف إيران إيصال هذا السلاح إلى المتمردين الإسلاميين في غامبيا، والتي سارعت حكومتها إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.

وعند كشف هذه الحاويات المحملة بالأسلحة، تم اعتقال عضو في الحرس الثوري داخل نيجيريا، واسمه “عظيم آقاجاني”، فقامت إيران بمناورة تهدف من ورائها إلى التستر على موضوع ضبط الأسلحة، وأعلنت عن استعدادها لتقديم قرض بقيمة مليار دولار لتنفيذ مشاريع اقتصادية وتجارية في نيجيريا، مقابل أن تتستر الحكومة النيجيرية على معلومات قضية كشف الأسلحة الإيرانية، وفي عام 2010 كانت السلطات النيجرية قد ضبطت كميات ضخمة من الكوكايين ضمن حاوية تضم قطع غيار للسيارات قامت إيران بتهريبها، واعتقلت نيجيريا أفراد الخلية.

وفي عام 2011 أيضا أعلن السفير النيجري في طهران عن وجود عصابات تعمل داخل السفارة الإيرانية في أبوجا، وتقوم بعمليات تهريب ومتاجرة بالبشر من نيجيريا إلى إيران ثم إلى أوروبا.

  كما شكلت قضية اعتقال الشيخ زكزاكي وهجوم القوات الأمنية النيجرية على أنصاره في عام 2015 محطة اهتمام إيراني، فاحتجت إيران رسميا على هذه الأنشطة المعادية للشيعة، وانتقدت وهاجمت بشدة الحكومة النيجرية، ما أدى إلى توتر العلاقات مجددا بين طهران وأبوجا، واتهمت إيران وقتها السعودية بالوقوف وراء الاعتداءات على الشيعة وزعيمهم في نيجيريا، ما دفع الرئيس الإيراني لأن يجري اتصالاً مباشراً بنظيره النيجيري محمد بخاري، طالبه بالعفو عن هؤلاء العناصر الشيعية، والذين تمت مواجهتهم أمنيا على خلفية محاولة إثارة الشغب والإخلال بالأمن، وذلك على خلفية استهدافهم لقافلة تقل قائد أركان الجيش النيجيري “يوسف بوراتاي” في محاولة لاغتياله.

وكانت هذه المجموعة الشيعية الموالية لإيران والتي تعرف باسم “الحركة الإسلامية النيجيرية” قد اتهمت الجيش النيجيري بقتل 30 شخصا خلال هجوم على بيت زعيمهم “إبراهيم زكزاكي” في شمال نيجيريا، بغية اعتقاله بعد محاولة فاشلة قادها مع أتباعه لاغتيال رئيس أركان الجيش والقوات المسلحة النيجيرية، ما دفع إيران إلى الدفاع عنهم بكل قوة، وهاجمت وسائل الإعلام الإيرانية الجيش والنظام النيجيري بشدة، وكأن من تم مهاجمتهم هم إيرانييون وليسوا مجرد شيعة في نيجيريا.

وعادة ما تشهد نيجيريا اضطرابات يقوم بها الشيعة على الأغلب، وقد بدأت هذه الاضطرابات بعد انتصار ثورة الخميني واعتناق إبراهيم الزكزاكي الذي يحمل بكالوريوس الاقتصاد من جامعة أحمدو بيلو في نيجيريا المذهب الشيعي، وراح يعمل على نشره داخل نيجيريا  بدعم مالي ولوجيستي قوي من قبل إيران.

ويعتبر الشيخ زكزاكي المرشد الإيراني “علي خامنئي” مرجعا دينيا له، ويدين بالولاء المطلق للنظام الملالي في طهران، وبعد تشيعه بدأت عملية التشيع السياسي تظهر في نيجيريا على أشدها نتيجة مساعيه وعمله الحثيث على نشره داخل البلاد، ثم أصبح زكزاكي الأمين العام لميليشيا المنظمة الإسلامية في نيجيريا التي تطلق عليها إيران حزب الله في نيجيريا، و يوصف زكزاكي بأنه النسخة النيجيرية المطابقة لأمين عام حزب الله اللبناني حسن نصرالله، حيث قام بتكوين ميليشيات مسلحة في نيجيريا، مستغلا انشغال العالم بحركة بوكوحرام الإرهابية.

ولإيران نشاطات وفعاليات ثقافية ودينية مشبوهة تهدف بالأساس إلى غرس وتأسيس أذرع سياسية وعسكرية لها في عدد من الدول التي تتمتع بثروات اقتصادية هائلة لتكون أداة سهلة في تمرير وتنفيذ مخططاتها التوسعية، ولاستخدام هذه الأذرع للضغط على حكومات بلادها، ونيجيريا من بين ضحايا المخططات الإيرانية، وقد بدا واضحا توظيف إيران للمذهب الشيعي في نيجيريا بما يخدم مآربها السياسية، ومخططاتها التوسعية، وذلك تحت غطاء الأنشطة الثقافية والمساعدات الإنسانية ولحماية العتبات والمزارات المقدسة ورفع المظلومية عن الأقليات الشيعية.

وتؤكد التقارير أن أنصار زكزاكي كانوا يتعمدون إثارة العديد من الصدامات والاشتباكات مع الدولة النيجيرية، وبتنسيق ودعم من إيران، بهدف ترسيخ أسس وقواعد نظام جمهورية إسلامية في نيجيريا على غرار النظام الإيراني في طهران.

وتعتبر هذه القضية أهم قضية أثارت التوترات والخلافات بين إيران ونيجيريا، ما دفع بالأخيرة إلى اتخاذ خطوات سياسية ضد طهران، وعبرت في أكثر من مناسبة عن استيائها من التدخلات الإيرانية، واتخذت خطوات جدية ضد إيران مثل انضمام نيجيريا إلى التحالف العسكري السعودي الذي ضم دولا عربية وإسلامية بلغ عددها 34 دولة، وهي خطورة احتسبتها إيران عدائية من الجانب النيجيري، وكذلك اتخاذها قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بسبب تدخلاتها وعملها على زعزعة أمن واستقرار البلاد.

وكان الأمين العام للجماعة الإسلامية في نيجيريا “داود عمران” قد حذر سابقا من التحركات والأنشطة الإيرانية في بلاده، وأكد أنها قامت بتدريب 3 آلاف شاب نيجيري لإرسالهم للقتال في سوريا والانضمام لقوات الأسد وبقية الميليشيات الطائفية والإيرانية التي تقاتل لجانبه وعلى رأسها حزب الله اللبناني، وذكر عمران أن المقاتلين التي تسعى طهران لإرسالهم لسوريا، خضعوا للتدريب اللازم للمشاركة في المعارك، وقد تم ذلك بإشراف من قبل السفارة الإيرانية في أبوجا والقنصلية في لاغوس.

أثناء ذلك طالبت العديد من الجهات والشخصيات النيجيرية ومنهم داود عمران حكومة بلاده بالتصدي لتلك التحركات التي تمثل تدخلا صارخا وتعديا على السيادة النيجيرية وتنتهك كافة القوانين الدولية، و لا تزال جمهورية نَيجِيريا تتمتع بعَلاقات سياسية مع إيران، ولكنها أدركت خطورة عَلاقاتها معها وخاصة الثقافية، فبدأت في ممارسة رقابة قوية وشديدة ضد الجماعات الشيعية وتحجيم نشاطها تدريجيا، وتكثيف الرقابة على الأنشطة الإيرانية وخاصة الثقافية في نيجيريا.

ولا تزال إيران ونيجيريا تقيمان علاقات سياسية ودبلوماسية على مستوى السفراء، وفي أكتوبر 2017  تسلم الرئيس الإيراني  “حسن روحاني” اوراق اعتماد سفير نيجيريا الجديد بطهران، وأكد استعداد الشركات الإيرانية الكبرى لتنفيذ مشاريع إعمارية في نيجيريا، وشدد على ضرورة الإسراع في تنفيذ الاتفاقات بين طهران وابوجا ووضعها حيز التنفيذ، وضرورة  استخدام الطاقات والإمكانيات المتوفرة في كل من إيران ونيجيريا على مختلف الأصعدة في مجال تنمية العلاقات الثنائية، وأعلن روحاني عن استعداد طهران لتقديم خدماتها التقنية والهندسية في مختلف المجالات بنيجيريا مثل إنشاء الطرق والطاقة وتوليد الكهرباء وتوطيد العلاقات الثقافية والجامعية والفنية والاقتصادية، وفي المقابل أكد سفير نيجيريا الجديد لدى طهران “إبراهيم حمزة”على ضرورة توطيد العلاقات بين البلدين على مختلف الأصعدة، ودعا إلى تمتين الأواصر والتعاون الشامل مع إيران.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

13 مايو 2018

[1] أكبر مدينة نيجيرية وعاصمتها سابقا.

[2] ثاني المدن النيجيريا من حيث عدد السكان الذي يبلغ مليوني نسمة و تقع في شمال نيجيريا.