بعد أشهر قليلة من الآن، تعود العقوبات الأميركية على طهران بصورة أشمل وأشد من التي كانت عليه قبل توقيع الاتفاق النووي، لكن آثارها السلبية سبقتها بكثير وبدأت تنهش بالاقتصاد الإيراني من كافة الجهات، وفي كافة القطاعات، وخلال الأسابيع القادمة تكون إيران عادت إلى تلك الأوضاع والأزمات التي عانت منها وبلغت ذروتها في عامي 2012 و2013.

لقد طرأت تغيرات إيجابية في عدة مؤشرات اقتصادية في إيران بعد توقيع الاتفاق النووي والذي رفع بموجبه عقوبات عن طهران بداية عام 2016،  إذ كان التضخم قد وصل عام 2012 إلى نحو 40%، بينما تقلص بعد رفع العقوبات عام 2016 و2017 إلى نحو 8%، كذلك النمو الاقتصادي الذي تدنى عام 2012 إلى نحو -5%، بينما ارتفع عام 2016 و2017 إلى نحو 4%، وبعد الاتفاق النووي وصلت قيمة الاستثمارات التي استطاعت إيران جلبها نحو 50 مليار دولار، غير أنها لم تنفذ منها إلا القليل والتي لم تزيد عن 13 مليار دولار.

وبطبيعة الحال، فإن معدل التضخم بعد عودة العقوبات سيترفع إلى 40%، وسينخفض معدل النمو إلى ما دون -5%، وستلغى الاستثمارات الأجنبية في إيران بسبب إعادة فرض العقوبات على طهران، هذا في حال أن قامت الولايات المتحدة بإعادة فرض العقوبات على طهران دون إعطاء إعفاءات لشركات عالمية كبيرة للاستثمار في إيران وعلى رأسها شركة توتال الفرنسية التي طالبت الولايات المتحدة بإعفائها من العقوبات في حال إنهار الاتفاق النووي.

قبل تشديد فرض العقوبات على طهران عام 2011 حتى 2015 والتي يمكن تسميتها بفترة ذروة العقوبات، وما قبلها بفترة ما قبل العقوبات النووية، وما بعدها حتى الآن فترة ما بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات، كان الناتج المحلي الإجمالي بدون النفط يتراوح ما بين 480 ألف مليار ريال حتى وصل إلى 660 ألف مليار ريال عام 2010، أي العام الذي سبق أعوام تشديد العقوبات، ثم انحدر الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 580 ألف مليار ريال، ليعود للصعود مرة أخرى بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات بداية عام 2016 ليصل حاليا إلى ما بين 690 ألف مليار ريال إلى 700 ألف مليار ريال،  ولكن من المتوقع أن يعود الناتج المحلي الإجمالي إلى الأرقام التي عاشتها إيران أثناء العقوبات في حال إنهار الاتفاق النووي، أي أنه سيبهط إلى ما دون 600 ألف مليار تومان، وهذا سيقود إلى ارتفاع متسارع في معدلات الفقر والبطالة ومزيد من انهيار العملة وبالتالي انهيار شامل للقطاعات الاقتصادية ودخول البلاد حالة من الفوضى الاقتصادية.

ما سبق يشير إلى أن معدل نمو الإنتاج المحلي الإجمالي لإيران قد وصل إلى أسوأ الأحوال في ذروة تشديد العقوبات على طهران، وهي سنة 2012، حيث كان معدل نمو الإنتاج المحلي -5% أي بالسالب، ووصل عام 2007 إلى 8%، وكان عام 2006 نحو 7%، و2008 هبط إلى 1%، وارتفع عام 2009 إلى 3% وعام 2010 إلى 7%، ثم هبط عام 2011 إلى 4%، ووصل عام 2012 إلى (-5%)، وهي فترة ذروة العقوبات الدولية على طهران، وفي عام 2013 وصل إلى -2%، ولكن بعد مجيء روحاني، ظهرت مؤشرات على وجود اتفاق مبدئي بين إيران والغرب، ارتفع معدل النمو على إثرها إلى 2% عام 2014، وإلى 1% عام 2015، ثم صعد بعد توقيع الاتفاق النووي إلى 7% عام 2016، والعام الماضي والحالي وصل إلى 8%، ولكن من المتوقع أن يهبط الإنتاج المحلي الإيراني تدريجيا بفعل عدم استمرار الاتفاق النووي وإلغائه من قبل الولايات المتحدة، وتخوف الشركات العالمية من الاستثمار داخل إيران خشية من فرض عقوبات أميركية عليها، ما يعني أن نمو الناتج المحلي سيهبط إذا ما تم إلغاء الاتفاق النووي إلى ما دون -2 و-5%، وهو المعدل الذي شهده الاقتصاد الإيراني في فترة ذروة العقوبات عام 2012 وعام 2013.

أما بالنسبة للتضخم فيبدو أنه المؤشر الأكثر وضوحا في مستقبل الأوضاع الإيرانية فيما بعد انهيار الاتفاق النووي، حيث بلغ معدل التضخم في ذروة العقوبات أي عام 2012 و2013 إلى ما يزيد عن 40% حتى وصلت في بعض القطاعات لا سيما السلع الاستهلاكية إلى ما يزيد عن 45%، وهبطت عام 2016 وعام 2017 إلى نحو 8%، وهو الإنجاز الوحيد الذي حقتته حكومة روحاني طوال الخمسة أعوام الماضية، ويعود ذلك إلى فضل الاتفاق النووي ورفع العقوبات، غير أن إلغائه وعودة العقوبات تؤكد أن معدلات التضخم ستتصاعد بشكل ملفت وستصل إلى ما وصلت عليه في عام 2012 وعام 2013، وهي إلى أكثر من 45%، وهذا سيسبب كارثة يمكن وصفها بالشلل الاقتصادي في إيران.

أما بالنسبة إلى سعر صرف الريال أمام الدولار، والذي اعتبر أحد مؤشرات الأوضاع الاقتصادية الداخلية لإيران خلال الفترة الماضية التي شملت فترة العقوبات وفترة ما قبل العقوبات وفترة ما بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات، حيث كان سعر الريال مقابل الدولار قد وصل إلى نحو 10000 ريال لكل دولار، من عام 2006 حتى عام 2010، إلى أنه ارتفع بشكل مفاجئ بعد تشديد العقوبات ليصل عام 2012 وعام 2013 إلى نحو 40000 ريال لكل دولار، لكنه تراجع في الأعوام التي تلت الاتفاق النووي ليصل إلى نحو 35000 ريال لكل دولار، وبعد تشديد العقوبات المتوقعة على طهران خلال الأشهر التالية فإن العملة الإيرانية الوطنية ستتهاوى أمام الدولار لتصل إلى أعلى مستويات لم تصل إليها أي عملة في العالم، حيث منذ اللحظة الأولى من تأثير قرارات انسحاب الولايات المتحدة ورفع العقوبات وصل قيمة سعر الريال الإيراني إلى أكثر من 80 ألف ريال مقابل الدولار، وهي مرحلة بداية انهيار العملة والنظام المصرفي بشكل عام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 مايو 2018