اعتاد الجمهور العربي مع قدوم كل موسم رمضاني جديد على ترقب الإنتاج الدرامي المتميز لشركة أبوظبي للإعلام، علماً بأنه قبل قرابة شهرين أعلنت «أبوظبي للإعلام» إطلاق العرض الأول للفيلم التاريخي «زايد الأول..ذاكرة ومسيرة». وهذا العام سيكون المشاهد على موعد مع إنتاج تليفزيوني ضخم، يتناول سيرة القائد التاريخي الكبير المهلب بن أبي صفرة، أحد أشهر الرموز التاريخية التي نشأت في جغرافيا الخليج العربي وبيئتها الراسخة التي أنجبت العديد من الشخصيات الفذة.

تستحق «أبوظبي للإعلام» الإشادة والثناء على الجهود التي بُذلت لإخراج هذا العمل التاريخي إلى النور. ومن المتوقع أن يظهر بصورة مشرفة، تليق شكلاً ومضموناً برمز إسلامي تاريخي ارتبط اسمه بمكان الولادة الذي لا يزال حياً يتداوله اللسان في منطقة «دبا»، ما يجعل تاريخ وحاضر الخليج العربي عموماً في عناق واتصال دائمين، حيث المكان بصورة عامة في البيئة الخليجية، لا يزال ينبض بالحياة، ليكون شاهداً على امتداد الهوية التاريخية وتجذرها، وعدم الانقطاع بين الماضي والحاضر على مستوى الأمكنة ورموزها، وبذلك تكون استعادة الرموز التاريخية مهمة ثقافية ضرورية لربط الأجيال المعاصرة بتراث الأجداد وبطولاتهم.

ولعل إنتاج مسلسل عن سيرة حياة المهلب بن أبي صفرة يفتح الأبواب لاستعادة هذه الشخصية مجدداً في الكتابة التاريخية والبحث الأكاديمي، ولأن كل الأمم والشعوب تهتم باستعادة وإحياء تاريخها ورموز محيطها الإقليمي، فنحن في الإمارات بحاجة لتذكير أبنائنا وشبابنا بالرموز. وأبوظبي للإعلام تنتج اليوم أيضاً مسلسلاً عن حياة فيلسوف وشاعر الإمارات الأول الماجدي بن ظاهر، ونتمنى في هذا الإطار أن يتم في المستقبل القريب الإعداد لإنتاج عمل درامي متميز لتخليد شخصية أسد البحار الملاح الشهير أحمد بن ماجد. وكل رمز من رموز الخليج العربي، مثل المهلب بن أبي صفرة وأحمد بن ماجد لا بد أن يتم غرس بطولاتهم وإنجازاتهم في ذاكرة الأجيال الإماراتية الشابة وكذلك بقية دول الخليج، لكي يعرفوا أن نهضة وطنهم لها جذور وأسس متينة في الماضي.

وبمناسبة استعادة ملامح سيرة المهلب بن أبي صفرة، سوف يكتشف المتلقي أن جوهر هذه الشخصية العظيمة يقوم على رفض ثقافة الخوارج، وهو النهج السائد الذي يسري في روح الثقافة الإماراتية المشهورة بالتسامح ونبذ التعصب والتطرف. لذلك، فإن الاحتفاء الدرامي بهذا البطل التاريخي هو في الوقت ذاته تذكير برمز ارتبطت سيرته بمحاربة أولئك الذين مثلوا بذرة التطرف في التاريخ الإسلامي، واستباحوا الدماء ونشروا الكراهية وغرسوا نبتة العنف، فقاتلهم المهلب واستحق أن يكون من عظماء عصره نتيجة لانحيازه إلى الحق، وانتصاره على البغاة في زمنه. ولا يزال الأفق الذي كان المهلب يمثله في عصره يندرج ضمن الوعي الإماراتي المنفتح والداعم للتعايش ورفض الغلو والتعصب.

رابط المقال بجريدة الاتحاد:الدراما تستعيد رمزاً تاريخياً

بقلم :د.سالم حميد

 14 مايو 2018