لقد فتحت قضية تجسس عضو فريق التفاوض النووي الإيراني “عبد الرسول دري ‌اصفهاني” الأبواب على مصراعيها أمام سيل متدفق من التحقيقات التي طالت جملة من كبار مسؤولي البلاد بتهم التجسس لصالح الغرب وخاصة أميركا وبريطانيا، لتعود إشارات الاستفهام مرة أخرى تدور حول حكومة روحاني ومدى علمها بهذه الملفات، بل ودفاعها عن عدد ممن ثبتت تهم التجسس في حقهم كما يقول التيار المتشدد والحرس الثوري، وإنكارها وجود أي مسؤول يحمل جنسية مزدوجة، ليشتعل جانبا آخر من الصراع بين الحكومة الإيرانية ونظام الملالي، ويكشف جملة من الحقائق حول حجم جواسيس الولايات المتحدة وبريطانيا في الداخل الإيراني رغم ما يتغنى به الحرس الثوري وأجهزته الأمنية من قوة وإشراف ورقابة كاملة على البلاد ومنع أي نفوذ أميركي أو بريطاني إلى مؤسسات الحكم.

هذه المرة تدخل مجلس الشورى الإيراني في هذه القضية ليجري تحقيقا أكد فيه وجود 210 مسؤولا إيرانيا يحملون الجنسية المزدوجة، وأن إنكار حكومة روحاني لذلك يؤكد وجود جواسيس من بينهم من يعملون لصالح جهات خارجية ضد نظام الولي الفقيه، لتشعل هذه القضية صراعا آخرا بين حكومة روحاني والحرس الثوري في ظل تدهور للأوضاع الداخلية السياسية والاقتصادية، واحتدام الخلافات حول بقاء إيران في الاتفاق النووي أو انسحابها، وتبادل التهم في المسبب الرئيسي لخسارة إيران من الاتفاق النووي، هل هو سوء إدارة روحاني، أم تخريب التيار المتشدد والحرس الثوري لهذا الاتفاق؟

وتدافع حاليا حكومة روحاني عن “دري صفدي” الذي اتهم واعتقل بتهمة التجسس من قبل الحرس الثوري، وهو كان عضوا بارزا في فريق إيران المفوض إليه مهمة التفاوض مع القوى الغربية بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومن قبله وجه الحرس الثوري تهمة التجسس على برنامج الصواريخ البالستية لصالح دول أجنبية لنائب رئيس منظمة حماية البيئة “كاوه مدني” الذي اضطر إلى الهروب إلى بريطانيا، وقد نفذ الحرس الثوري حملة اعتقالات واسعة ضد العشرات من نشطاء البيئة في إيران بتهم التجسس على منصات الصواريخ والمراكز العسكرية الحساسة في الغابات والجبال والصحاري الإيرانية، وعلى رأسهم “كاووس سيد امامي” والذي كان يترأس مؤسسة تراث الحياة البرية الفارسية في إيران، وبعد اعتقاله بعدة أيام أعلنت السلطات القضائية في إيران عن انتحاره داخل سجن إيفين سيء الصيت في شمال طهران.

غير أن للإصلاحيين نظرة أخرى في قضية هروب “كاوه مدني” ويؤكدون أنه قد تعرض لضغوطات شديدة من قبل التيار المتشدد والحرس الثوري فضلا عن نشر صور خاصة عن حياة مدني للضغط عليه وترك منصبه لأن مشروعه في منظمة حماية البيئة يتعارض مع مشروع المحافظين حول مسألة المياه والبيئة وبناء السدود في إيران، بينما يؤكد الحرس الثوري بأنه يمتلك “وثائق هامة” تؤكد تجسس نشطاء البيئة على البرامج العسكرية الإيرانية، وتقول بعض المصادر المستقلة أن عددا من أبحاث هؤلاء النشطاء  كشفت عن وجود انتهاكات بيئية ناجمة عن مشروعات الحرس الثوري، الأمر الذي دفع إلى قيام أجهزة الحرس الثوري بإلصاق أخطر تهم لهم وهي التجسس لصالح دول أجنبية.

وتعيد قضية هروب كاوه مدني من إيران إلى الأضواء مجددا ملف انشقاق وهروب نخبة من المسؤولين عن النظام الإيراني في لحظات مفصلية من عمر النظام، في وقت يتساءل فيه الشارع الإيراني عن طي الملفات القضائية في حق العديد من كبار المسؤولين والشخصيات المحسوبة على النظام وعلى رأسهم قضية “طوسي” وقضية “مرتضوي” المقربين من المرشد الإيراني علي خامنئي، ما يفسر قرب اندلاع شرارة الانقسامات بين كيانات الدولة الإيرانية بسبب تفشي الفساد بكافة أنواعه ولا سيما الفساد القضائي في الداخل الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

15 مايو 2018