شتان ما بين خطابات أردوغان النارية وسياساته وأفعاله الحقيقية، التي تتباعد فيما بينها أكثر فأكثر عند كل حادثة تشغل الرأي العام العربي والإسلامي وتضع المنطقة على صفيح ساخن، ليسارع أردوغان في اقتناص الفرصة واللعب على المشاعر والعواطف الإسلامية بخطابات شعبوية تظهر حرص تركيا على مصالح الأمة العربية والإسلامية، في مسعى إلى استمالة عاطفة وتأييد شعوب المنطقة، كجزء من مشروع أردوغان التوسعي في المنطقة.

لقد فجع العالم العربي والإسلامي بالإجراءات الدموية التي تمارسها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني، بعد قيام الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس في يوم دام شهد تصعيدا من قبل قوات الاحتلال تجاه الشعب الفلسطيني، وإن كانت ردود أفعال الدول العربية والإسلامية متواضعة، إلا أنها عبرت عن حقيقة رفضها لتلك السياسات الصهيونية، غير أن هذا الحدث كشف زيف وبهتان بعض الدول الإسلامية وعلى رأسها تركيا وإيران ومتاجرتهما بالقضية الفلسطينية، وأزال اللثام عن الأهداف الحقيقية من وراء المزاعم بدعم الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وبالنظر إلى المفارقة فيما بين تصريحات وخطابات أردوغان النارية تجاه القضية الفلسطينية، والأفعال والاجراءات الحقيقية، وما تقيمه تركيا من علاقات سياسية وطيدة وتبادلات اقتصادية وتجارية ضخمة، يتبين أن السلطان العثماني من أكبر المتاجرين بالقضية الفلسطينية، وأن ما صرح به مؤخرا ضد إسرائيل ليست سوى مسحوق لتجميل الوجه القبيح للعلاقات التي تربط تركيا بإسرائيل.

سارع أردوغان إلى مهاجمة إسرائيل كلاميا، ووصف إسرائيل بأنها دولة إرهاب، وما تقوم به من قتل الفلسطينيين هو إبادة جماعية، وتثبيت صورة عدائه لإسرائيل وأعلن حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام يبدأ الثلاثاء، هذا في الوقت الذي تقيم به أنقرة أضخم علاقات اقتصادية وتجارية مع تل أبيب، وتعتبر الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل على مستوى المنطقة، والثانية آسيويا بعد الصين، بعد أن كشفت وسائل إعلام إسرائيلية النقاب عن أن حجم التبادل  التجارى بين إسرائيل وتركيا بلغ ما بين 4 إلى 5 مليار دولار سنويا، ولا تزال تركيا تعقد العزم على مضاعفة حجم تبادلها التجاري مع إسرائيل، عبر إرسال الوفود التجارية وعقد الاتفاقيات وتشجيع الاستثمار والتعاون الاقتصادي والتجاري الثنائي.

وفي الوقت الذي كانت ترتفع حدة الخطاب التركي تجاه إسرائيل، كانت العلاقات الاقتصادية الواسعة بين أنقرة وتل أبيب تشهد تحسنا ملموسا، وعندما شهدت العلاقة بين الطرفين توترا، ازداد التصدير الإسرائيلي إلى تركيا بنسبة %40 وفق ما أكدته التقارير التركية والإسرائيلية.

ويعود فضل ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل إلى حزب العدالة والتنمية الذي تولى هذه المهمة منذ استلامه السلطة في تركيا عام 2002، حيث لم يتجاوز حجم التبادل التجاري مع إسرائيل المليار ونصف المليار دولار، ليترفع عام 2014 إلى نحو  5.8 مليار دولار بزيادة بلغت 4 أضعاف ما كانت عليه.

في الحقيقة وعكس ما يأتي على لسان قادة حزب العدالة والتنمية من عداء مع إسرائيل، فإن تركيا تعتبر الداعم الاقتصادي الأكبر لإسرائيل في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية والتجارية وتطوير تجارة وصناعة الأسلحة، ولم تتأثر هذه العلاقات يوما بتصريحات رجب طيب أردوغان مطلقا.

جملة من الحقائق أيضا تثبت زيف تلك التصريحات، وتكشف عن حقيقة الدعم التركي لإسرائيل والتي طالما حاول أردوغان تغطيتها بتلك التنطعات الفارغة، وهي:

أولا: تعد تركيا من الدول السابقة عالميا والأولى إسلاميا بالاعتراف بإسرائيل عام 1949، واعتبر هذا الاعتراف من أهم دعائم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

ثانيا: توقيع اتفاق للشراكة الاستراتيجية بين أنقرة وتل أبيب في تسعينيات القرن الماضي، وكان الاتفاق علنيا وشمل عدة بنود تنوعت بين تبادل المعلومات الاستخبارية والتعاون الأمني والعسكري والتطوير والتدريب.

ثالثا: كانت تركيا قد عقدت في خمسينيات القرن الماضي اتفاقا سريا واستراتيجيا عرف بـ” الميثاق الشبح” مع إسرائيل، وحرصت تركيا على إبقاء هذا الاتفاق سريا لعشرات السنوات، ويتضمن تعاونا عسكريا واستخباريا ودبلوماسيا، وكانت أهدافه الأساسية موجهة ضد العرب وخاصة القضية الفلسطينية، وتعتبر هذه الاتفاقية وأيضا الاعتراف المبكر بإسرائيل من قبل أنقرة أهم أسباب استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

رابعا: تبادل المصالح بين قادة الطرفين على مستويات عالية تمس الأمن السيادي، إذ اعتمدت تركيا طويلا على اللوبي الإسرائيلي في أميركا لعرقلة إقرار أي تشريع يعترف بإبادة الأرمن، واستمر الأمر مع تولي حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، في حين كان لأنقرة الدور الهام في تثبيت الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، وتبادل الجانبان تقديم الخدمات على أعلى المستويات وخاصة الأمنية، إذ ساعدت إسرائيل الأتراك في عملية اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان عام 1999 في كينيا، في المقابل سلمت تركيا لإسرائيل العديد من المطلوبين.

خامسا: حجم التجارة بين البلدين والذي وصل إلى أكثر من 5 مليارات دولار ما كان ليكون لولا وجود اتفاقيات خفية وتعاون سري على أعلى المستويات بين الطرفين.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

16 مايو 2018