تخبط شديد يحيط بأروقة صناع القرار في طهران، وتناقض متزايد بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول قرارات ترامب الأخيرة بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات على طهران، في حين لا تزال ردود الأفعال غامضة ومرتجفة وغير واضحة المعالم، تكشف بالفعل عن وجود عجز وضعف شديدين في إدارة هذه الأزمة من قبل حكومة روحاني، الأمر الذي يتيح لمؤسسة الحرس الثوري من استغلال هذا الضعف لاقتناص الفرصة لتقديم رئيس عسكري متشدد من إنتاج الحرس الثوري وذلك لأهداف داخلية وخارجية عديدة، أهمها:

أولا: تهديد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسياسة أكثر تشددا، انتقاما من عدم تعاملها بإيجابية مع حكومة روحاني الأكثر اعتدالا، فالحرس الثوري كان يخطط بأن ينشط كما يشاء ويوسع تدخلاته تحت مظلة التفاهمات بين روحاني والقوى الغربية، أي أنه كان يريد استخدام حكومة روحاني المعتدلة كلجام يغلق به أفواه القوى العظمى لتغض الطرف عن أنشطته وتدخلاته، وإلا فإنه سيقدم رئيسا أكثر تشددا من محمود أحمدي نجاد في تعامله مع القوى الغربية.

ثانيا: كثيرا ما كان روحاني يعارض سياسات الحرس الثوري، وكان يضمر رفضه لتدخلاته في دول المنطقة، وهناك شريحة واسعة من الشعوب الإيرانية تؤيد سياسات روحاني والتيار الإصلاحي وترفض تدخلات الحرس الثوري في دول المنطقة لإهداره المليارات في دعم الأذرع الإيرانية، وفي الحقيقة فإن روحاني يرفض هذه التدخلات ليس حبا بالشعوب العربية، بل بسبب أن أغلب أموال خزينة الدولة تذهب إلى هذه التدخلات ولا تمر عبر الرئاسة الإيرانية، بل هي ميزانية خاصة بالحرس الثوري، والتي تفوق ميزانية الحكومة عشرات الأضعاف، لذا فإن الخلاف يدور حول أموال وميزانية الدولة، وليس خلافا في العقيدة السياسية، ومع مجيء رئيس متشدد تزول هذه الخلافات وإن لم تكن عقائدية، لكنها دائما ما كانت تسبب حرجا وصداعا للحرس الثوري.

ثالثا: كما يطيب للحرس الثوري أن يكون الرئيس الإيراني عسكريا ينتمي إلى التيار المتشدد في الفترة القادمة التي من المحتمل أن تشهد تغييرا للمرشد الإيراني بسبب وفاته أو عجزه، لا سيما وأن التقارير الطبية تتحدث عن تردي متصاعد للأوضاع الصحية للمرشد الحالي علي خامنئي، ما يستوجب الحرص على توحيد المواقف وإجماع الآراء حول المرشد القادم الذي سيكون من اختيار الحرس الثوري بين الرئاسة الإيرانية وقيادة الحرس الثوري وبيت المرشد الإيراني ومجلس خبراء القيادة، والآن كافة تلك العناصر باستثناء الرئاسية التي يسيطر عليها المعتدلون والإصلاحيون متفقين على من سيقدمه الحرس الثوري، لذا يجب الإسراع في تحويل الرئاسة الإيرانية إلى التيار الأصولي المتشدد حتى لا يحدث اختلاف في اختيار المرشد القادم.

أما حول ردود أفعال الحرس الثوري المتوقعة على قرارات ترامب في الفترة القادمة، فإنه سيسعى إلى تشكيل تهديدات للمصالح الأميركية في المنطقة، ولكن دون أن تكون هذه التهديدات مختلقة من أي جهة إيرانية، بل إنه سوف يستخدم أذرعه الإرهابية في المنطقة وخاصة الميليشيات الطائفية في العراق والحوثيين في اليمن والقاعدة وداعش في أفغانستان وباكستان، وبعض الجماعات الأفريقية مثل جماعة زكزاكي وبوكوحرام وغيرها، وسيدفع هذه الجماعات الإرهابية إلى تنفيذ هجمات إرهابية تستهدف الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا وأفريقيا، إضافة إلى عمليات اغتيال وتوسيع عمليات التجسس والتخريب وخاصة في الفضاء الإلكتروني، ولا شك أن الحرس الثوري سوف يستمر في مساعيه للتوصل إلى السلاح النووي وتطوير برنامج إيران الصاروخي.

وفي الوقت نفسه، فإن النظام الإيراني سيبقي على قنوات اتصال سرية مع الولايات المتحدة يحاول من خلالها تخفيف حدة السياسة الأميركية تجاه إيران، مع إظهار عدم الممانعة في تقديم تنازلات من أجل ذلك.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

17 مايو 2018