أفرزت نتائج الانتخابات العراقية النيابية التي عقدت في يوم السبت 12 مايو الجاري مفاجأة مرعبة لإيران، بعد أن تصدر كتلة التيار الصدري “سائرون” على باقي الكتل العراقية، فأصبحت إيران تشعر أن خروج العراق من قبضتها أصبح أمرا واردا بعد فوز التيار الصدري الرافض للتدخلات الإيرانية في الشؤون العراقية، ويرى أنه آن الأوان لتأسيس حكومة عراقية وطنية دون تدخل أياد خارجية، قادرة على إعادة العراق إلى الحضن العربي، وهي الخسارة الأكبر التي يتكبدها النظام الإيراني منذ سقوط نظام صدام حسين.

وبتتبع ردود الأفعال والتصريحات الإيرانية على فوز مقتدى الصدر، يتبين أن هناك نوايا إيرانية خبيثة تخفيها خلف تصريحات مسؤوليها، دلت عليها هرولة قاسم سليماني “مثير الفتن” و”مهندس الإرهاب” إلى العراق فور فوز الصدر الذي كان غير متوقعا بالنسبة لإيران، ما يعني أنه عازم على خلق فتنة شيعية شيعية من خلال تحشيد الكتل الشيعية المعارضة للصدر والمؤيدة لإيران مع أذناب إيران وجماعاتها المسلحة أمثال هادي العامري وقس الخزعلي لإيجاد قوة سياسية وعسكرية معارضة لأي جهة تدعم عودة العراق إلى الحضن العربي وطرد الملالي منه.

تخشى إيران حاليا من خسارة نفوذها في العراق، مع وجود تأكيدات أنها أصبحت على وشك أن تخسر نفوذها في سوريا أيضا بعد تلقي قواتها وقواعدها ضربات أميركية وإسرائيلية موجعة أدت إلى مقتل المئات من الميليشيات الإيرانية المقاتلة مع نظام الأسد، فضلا عن الخسائر التي تتكبدها أيضا في اليمن الذي بات على مقربة من تطهيره من البراثن الحوثية والإيرانية، ما يجعل إيران تستميت من أجل الحفاظ على ما تبقى من نفوذها وتواجدها العسكري خارج إيران.

وبعد تصريحات بومبيو التي كشف فيها عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه طهران، وأكد فيها أن لن يكون لدى إيران مطلقا اليد الطولى للسيطرة على الشرق الأوسط، تصبح مهمة قاسم سليماني أكثر تعقيدا وتهديدا لأمن وسلامة العراق، لأن تحركاته في العراق تعتبر تجسدا لأزمة النظام الإيراني مع واشنطن، فلقاءاته الأخيرة مع قيادات الكتل الفائزة في الانتخابات تهدف إلى منع تشكيل حكومة رافضة للتواجد الإيراني، ولو أدى الأمر إلى بناء تحالف لا يقتصر على الأحزاب الطائفية الموالية لطهران، وهذا ما يفسر لقاء سليماني برئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي في بغداد، وقد يتبع سليماني طريقا دمويا في منع تشكيل حكومة تربطها علاقات أخوية قوية مع الدول العربية، تعمل في المستقبل على طرد إيران من العراق.

وحاليا فإن الرغبة الإيرانية في البقاء في العراق تتزايد بهدف تحويله إلى ساحة مواجهة مع من تعتبرهم إيران أعداؤها في المنطقة، ونقطة انطلاق لتهديد أمن واستقرار دول الجوار العراقي لتشكيل خطر على أمنها واستقرارها وبالتالي تهديد الممرات البرية والمائية الاستراتيجية في المنطقة والهامة في عمليات تصدير الموارد النفطية إلى الدول الغربية، غير أن العراقيين قد قالوا كلمتهم في الصناديق الانتخابية، فهم يريدون عراقا عربيا خاليا من أي سموم فارسية، ويرفضون تماما التدخلات الإيرانية ومساعي طهران إلى تحويل العراق إلى مسرح آخر للنزاع الإيراني مع المجتمع الدولي والمحيط العربي.

الأهم من ذلك والأخطر على التواجد الإيراني في العراق والذي سيصطدم به سليماني في مساعيه اليائسة هو تطورات السياسة الأميركية تجاه إيران والتي تؤكد على فرض عقوبات صارمة للغاية على طهران بسبب سلوكها في المنطقة ودعمها للجماعات الإرهابية وإصرارها على تطوير سلاح نووي، ولا أمل لطهران الآن من استمالة الولايات لمتحدة بتقديم تنزالات سرية كما كانت تفعل سابقا، لأنها استنفذت كل ما يمكن منحه للولايات المتحدة، وأصبحت تتمرد في إرهابها على العالم أجمع، لذا فإنه من غير الممكن أن تتمكن إيران الضعيفة من إقناع أطراف عراقية باستمرار دعم النفوذ الإيراني في العراق.

ما يعني أن إيران التي اختطفت العراق بضوء أخضر من جورج بوش وباراك أوباما، بعد تقديم الكثير من التنازلات، مضطرة الآن إلى أن تعيده إلى أهله وعروبته بعد نفاذ صبر المجتمع العراقي والدولي والعربي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

24 مايو 2018