أبسط درس في الدلالة الجيوسياسية التي تتموضع فيها الشعوب والأمم، أن الجغرافيا تبقى دائماً حقيقة ثابتة ويتبعها البعد الديموغرافي السكاني، بينما تتبدل التسميات السياسية للدول تبعاً لحاجات الواقع وتطوراته. بمعنى أن البعد الجغرافي والديموغرافي لدولة الإمارات حقيقة راسخة، تتيح لنا الحديث عن تاريخ المكان والإنسان باعتباره عمقاً للحاضر المتطور على أرض الإمارات ذاتها التي شهدت على مر تاريخها ما يسري على الآخرين من تحولات، لأن الأرض والإنسان يتوارثان الوجود التاريخي المتصل من دون أي انقطاع ثقافي، بدليل بقاء التقاليد والمرويات الشعبية الشفهية ومفردات اللهجة الإماراتية المحلية ذات الخصوصية المميزة لسكان الإمارات.

لكن يبدو أن هذه الحقائق لا ترضي أولئك الذين لم يجدوا أي مدخل للتطاول على الإمارات سوى التطفل بجهل وعدم خبرة على التاريخ. بينما يتجاهلون أن معظم الكيانات والتسميات في المنطقة العربية حديثة، باستثناء تسميات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة ظلت امتداداً لأسماء قديمة. غير أن هذا لا يعني أن كل كيان سياسي جديد ليس وريثاً لتاريخه وخصائصه الجغرافية والسكانية الثابتة. فكل كيان له تاريخ، والإمارات الحديثة تشكل بأرضها وأهلها امتداداً لتاريخ المكان والإنسان في الرقعة ذاتها. وهذا ما يبرر حديثنا بفخر عن عدم الانقطاع الحضاري بين ماضي وحاضر الإمارات أرضاً وإنساناً. أما إذا تجاهلنا هذه الحقيقة، فليس أمامنا إلا افتراض أن أهل الإمارات هبطوا فجأة من المريخ عقب إعلان بريطانيا الانسحاب من المنطقة، وقرروا استيطان المساحة الجغرافية التي اسمها الإمارات!

إن من يعبرون عن شعورهم بالعجز والإحباط نتيجة لحضور دولة الإمارات الإيجابي في المشهد الإقليمي، لا يملكون إلا استدعاء الحقد والكراهية، إلى جانب التوصيفات المستهلكة التي يلجؤون إليها، باعتبارها السلاح الوحيد للفاشلين. وما يكررونه يدفعنا إلى السخرية والإشفاق عليهم واستغراب منطقهم المتهالك، لأنه غير سياسي ومنافٍ لحقائق التاريخ والجغرافيا الراسخة.

وأبرز مثال على أولئك الحاقدين من يدسون أنوفهم كلما حدث سوء فهم عابر بين الإمارات وأي دولة أخرى، وبعد أن تتضح الأمور وتعود المياه إلى مجاريها الطبيعية، يستمر الحاقدون في نفث سمومهم وإطلاق المعتاد من السخافات التي تكشف مقدار الحقد وقلة الحيلة لديهم. بينما تتكلل جهود الدبلوماسية الإماراتية الحكيمة دائماً بإطفاء الحرائق المفتعلة والحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية المنفتحة، والسير على نهج زايد القائد الذي جعل الإمارات بما أرساه من حكمة، منارةً للتسامح وبوصلةً للمستقبل. ورغم ذلك لا يخلو فضاء الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أولئك الذين أدمنوا اجترار الحماقات والتعبيرات الشعبوية الركيكة، حيث نجدهم ينشطون في الأوقات الضائعة، وليس لديهم سوى تكرار الغمز واللمز، والقول بأن التاريخ السياسي لدولة الإمارات حديث العهد عندما يتم احتسابه بإعلان الاتحاد في الثاني من ديسمبر 1971، رغم أن هذا الأمر يبعث على الفخر من زاوية قد لا يعلمونها، وهي أن تأخر حصول الإمارات على قيام دولتها لم يمنعها من اللحاق بركب التطور والانتقال السريع إلى المنافسة على مستوى المؤشرات الدولية في حقول كثيرة. وهنا نسأل: ماذا عن مساحة 83,600 كيلو متر مربع التي تمثل أرض الإمارات، هل كانت قبل إعلان قيامها خالية من السكان بلا شعب وبلا تراكم تاريخي؟ إذا كانت كذلك، فلنعتبر أن الإماراتيين هبطوا من كوكب آخر! ولا ينبغي نسيان أن سلسلة استقلال الدول العربية عن الاستعمار الأجنبي تمت في تواريخ متقاربة، لا تتعدى العقود الثلاثة المتتالية، الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. لكن الإمارات حققت ما لم تحققه الدول التي سبقتها بالاستقلال بعقد أو عقدين. وأحدث إنجازاتنا، نجاح اختبارات تشغيل القمر الصناعي «الياه 3»، ومواصلة العمل على مشروع «مسبار الأمل» لاستكشاف المريخ، لتكون الإمارات بهذا التوجه الدولة العربية الوحيدة التي تنافس الدول الكبرى في المشروعات المتصلة باستكشاف الفضاء، ما يستدعي فخر العرب بالإسهام الإماراتي بدلاً من تضييع الوقت في الجدل والثرثرة.

تبقى العبرة دائماً بالنجاح في خوض تحديات المستقبل وليس بالسفسطة الكلامية. وشعارنا هو الإنجاز بصمت، تاركين الثرثرة التي لا تجدي لغيرنا. وختاماً نقول لمن يعيرنا بعمر دولتنا: أنظر إلى إنجازاتنا وليس إلى عمر الكيان السياسي الحديث الذي نشأ على أرض لها عراقة تاريخية وإنسان مكافح تغلب على كل العوائق، وصنَعَ المجد الذي يليق بشموخه.

رابط المقال بجريدة الاتحاد: هل هبطنا من المريخ؟!

بقلم: د.سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 03 يونيو 2018