أئمة التكفير يفقدون منابرهم والناس ينفضون من حولهم، والخطاب التحريضي يعلن إفلاسه، والإخواني محمد العوضي نموذجا.

انحسار خطاب الكراهية
بدأت مؤشرات الانهزام والقلق تظهر على المتاجرين بالدين، خوفا من انطفاء الهالة الزائفة من القداسة التي كانوا يمنحونها لأنفسهم، وبخاصة بعد أن بدأ خطاب التنوير والعقلانية يشق طريقه بالتدريج إلى وسائل الإعلام، وتحديدا في المواسم الرمضانية. وفي مقدمة البرامج التي أثارت جنون المتطرفين في الموسم الرمضاني الفائت حلقات سلسلة “لعلهم يعقلون” التي استضافت المفكر محمد شحرور على قناة أبوظبي.

ومن متابعة الأصداء اتضح أن الخطاب المستنير أثار الكثير من الرهاب والمخاوف لدى من اعتادوا احتكار وظيفة الوعظ الديني وتلقين الجمهور خطابا يروج للتطرف والإرهاب.

وفي مقابل خطاب الاستنارة الذي يحث على التفكير، يسعى الخطاب المتطرف إلى الإبقاء على الجمهور في حالة استلاب واستسلام لقراءات وفتاوى منافية لسماحة الدين. من ضمن الأصداء التي تم رصدها موقف الإخواني الكويتي محمد العوضي، الذي ظهر منفعلا في تسجيل مصور تم تخصيصه للتشكيك في خطاب التنوير والتطاول ضد المفكرين الذين يرفضون التطرف ويكشفون خلفياته وجذوره المنافية لجوهر الدين وغاياته النبيلة.

كان من الواضح أن ردود أفعال المتطرفين قائمة على الخوف من أن يتم سحب البساط من تحت أقدامهم وأن تتوقف متاجرتهم بالدين، في حين كشف خطاب التنوير للجمهور حجم الخداع الذي كان سائدا باسم الوعظ. كما برزت أهمية الجبهة الإعلامية في محاربة التطرف. وبخاصة أن الحرب ضد الإرهاب ظلت إلى وقت قريب تأخذ طابع المواجهة الأمنية فقط.

انفراد الخطاب التحريضي لمدة طويلة بالكثير من وسائل الإعلام العربية، وخصوصا في المواسم الدينية، خلق جمهورا من العامة والبسطاء، وصنع نجوما مزيفة من الخطباء الدجالين وأشباه الواعظين، لكن، وحين أعلن الخطاب التنويري حضوره بقوة، بدأت منظومة دعاة التطرف بالانفراط وأصيب أصحابها بالذعر لفقدانهم امتيازاتهم، مما يدل على أهمية الجبهة الإعلامية في محاربة التطرف وإسهامها في سحب البساط من تحت المتاجرين بالدين

ولطالما حذر الباحثون والمحللون باستمرار من خطورة غياب البعد الثقافي والتنويري عن ساحة المواجهة مع التطرف، لأن دعاة الفتنة استمروا يضخون أفكارهم المسمومة التي ترفد الكيانات الإرهابية بعناصر جديدة. وهذا ما يفسر لنا سبب استمرار تجنيد التنظيمات الإرهابية بمختلف تسمياتها للعناصر الشابة التي يتم تخديرها فكريا وتهيئتها للانتحار والضياع والانسلاخ عن مجتمعها وبيئتها الطبيعية المسالمة.

ويأتي صراخ المتطرفين وتكفيرهم لمن يتبنون خطاب التنوير في الإعلام، رغم أن الالتفات إلى نشر خطاب التنوير في بعض وسائل الإعلام الأكثر انتشارا لم يبدأ إلا مؤخرا وبجرعات قليلة، من خلال بعض القنوات التلفزيونية التي تجرأت بشجاعة على مقاربة هذا الملف الخطير. وكان لدولة الإمارات العربية المتحدة إسهام كبير وواضح في إفراد مساحة إعلامية لبث خطاب التنوير، على مستوى الإنتاج الدرامي، إلى جانب استضافة مفكرين مستنيرين، وإقامة ندوات في المجالس الرمضانية الرسمية، يتم بث مضامينها في وسائل الإعلام.

جاءت هذه النقلة الإعلامية التي لا تزال غير مكثفة بسبب ارتباطها بالمواسم الرمضانية غالبا، بينما كان ولا يزال عدد كبير من الدعاة المحسوبين على التيار الإخواني والجناح المتطرف يسيطرون على البرامج الدينية الوعظية في العديد من المنابر الإعلامية والقنوات العربية.

ويريدون مواصلة الاستئثار بنشر الخطاب المتشدد عبر وسائل الإعلام الرسمية، ومن ضمنها القنوات الفضائية، إلى جانب توغلهم في قطاع الإرشاد والتوجيه الديني واستغلالهم لمنابر المساجد التي يخاطبون من خلالها القطاعات الشعبية، وبالذات في الدول والمجتمعات الفقيرة، وتلك التي تعاني من اضطرابات وفقدان لضبط وسيطرة الدولة على هذا القطاع الحيوي. ورغم ذلك جن جنونهم عندما بدأ خطاب التنوير يظهر ويحتل مساحة لدى المشاهدين ويثير تساؤلات فكرية عقلانية، مما يعني إعادة النظر في الخرافات التي كان المتطرفون يوصلونها بالصراخ وادعاء القداسة واحتكار الخطاب الديني.

لقد مثّل الوعظ الديني بامتداده من منابر المساجد إلى وسائل الإعلام تجارة رابحة، كما تحول إلى وسيلة لصناعة نجوم التطرف الذين أثروا ماديا، وحققوا شهرة واسعة، إلى أن أدمنوا مظاهر النجومية وقطفوا ثمار الشعبوية بالظهور مدفوع الثمن في برامج القنوات، وواصلوا التلاعب بعقول البسطاء عبر الخطاب الديني العاطفي. كما اشتهر الكثير منهم بالتباكي واستخدام تقنيات مسرحية وشيء من التهريج والتصنع لتكوين خلطة سحرية لكسب الجمهور والاستمرار في السيطرة على وعيه باسم الدين. وبالتالي فإن مجرد التفكير في احتمال خسارتهم لاحتكار الخطاب الديني يصيبهم بالقلق والذعر والتخبط.

بالإضافة إلى مشاهدة الجمهور لنماذج من حالات سقوط وانهيار شعبية بعض نجوم المتاجرة بالدين، كما حدث مع عمرو خالد في مواقف متكررة جعلته أضحوكة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكسرت الهالة الزائفة التي كان يصنعها لنفسه. ومع ظهور خطاب التنوير واحتمالات أن يسحب البساط من تحت أقدام المشعوذين والمتاجرين بالدين، بدأ صراخهم وعويلهم، بأسلوب سطحي معتاد، وهو اللجوء إلى الجمهور واستثارة حميته وتكفير خطاب التنوير وتشويه من يقومون برسالته. بينما عجزوا عن الرد على الفكر بالفكر.

لطالما حذر الباحثون والمحللون باستمرار من خطورة غياب البعد الثقافي والتنويري عن ساحة المواجهة مع التطرف

من هنا يمكن تفسير دوافع الهجمة الشرسة التي قام بها بعض المتاجرين بالدين ضد البرامج التي تتبنى نشر خطاب التنوير، وتجاهلوا أن هذا الخطاب المنفتح يقدم صورة حضارية للإسلام تحد من الغلو والتشدد والكراهية.

ومن إيجابيات استضافة رجال الفكر المستنيرين أن برامجهم أدت إلى خسارة المتطرفين مساحات كانت محتكرة لهم وأدمنوا من خلالها طوال عقود تقديم خطاب ديني ينزع ملامح التراحم والتسامح من الدين، ويقدم للعامة خطابا يحرض على تبني العنف والتكفير والقسوة. وهي الصفات التي تظهر بعد ذلك بوضوح في سلوك وحياة من تنتقل إليهم عدوى التطرف والإرهاب، حيث نجدهم يفتقدون للرغبة في الاندماج مع أسرهم ومجتمعاتهم بعد أن تصيبهم لوثة التطرف والإرهاب على أيدي دعاة الفتنة.

لكل ما سبق بدأنا نلمس ردود أفعال المتاجرين بالدين، الذين عبروا عن غضبهم تجاه خطاب التنوير والعقلانية، وفشلوا في الرد عليه، وشعروا بخيبة أمل وبدأت تظهر عليهم ملامح الهلع والخوف من احتمال فقدان وظيفتهم المعتادة في تحويل شخصية رجل الدين إلى مستثمر، يسترزق من احتكار الحديث باسم الدين. لذلك عاد الإخواني الكويتي محمد العوضي، من جديد للتطاول على السياسة الإعلامية الرسمية لدولة الإمارات، وله سوابق قديمة عندما كان يحشر أنفه بالتغريد للتعليق على الإجراءات القضائية التي اتخذتها الإمارات بحق خلايا التنظيم الإخواني وبعض العناصر الإرهابية.

وحتى لا ننسى فإن المهرج محمد العوضي، اعترف في وقت سابق عبر تسجيل مرئي بأن ثـقافته وفكره وقناعاته تنسجم مع فكر الإخوان المسلمين، واكتفى فقط بإنكار أنه ينتمي لهم تنظيميا. وهذه الجماعة السرطانية يهمها أن تجد من يخدمها وينشر فكرها الظلامي، بينما يخشى العوضي من أن يفقد شهرته بفعل خطاب التنوير الذي يكشف للجمهور حقيقة المتطرفين ومدى متاجرتهم بالدين لأغراض سياسية وأطماع دنيوية، لكنهم يغلفونها بمظاهر التدين.

وفي أحدث مقطع مصور يظهر العوضي في حالة انفعال وغضب وهو يتهجم على المفكر محمد شحرور، وفقد اتزانه واتجه مثل أي متطرف إلى استحضار منطق التكفير، موجها خطابه إلى العامة بأسلوب تحريضي اعتاد عليه المتاجرون بالدين، فهم يستخدمون هذا الأسلوب كلما أدركوا أنهم عاجزون عن الرد المنهجي على من يخالفهم.

في الواقع كلما رأينا انفعال رموز التطرف ودعاة الإرهاب وفشلهم في التحلي بالهدوء والثقة بالذات، يتعزز لدينا اليقين بأنهم لا يمثلون الدين وأن من غير المعقول الاستمرار في السماح لهم بمخاطبة الجمهور وهم يحملون مثل عقلية الإخواني محمد العوضي. ومن يشاهد العوضي وهو يهاجم بالألفاظ والتوصيفات الإرهابية البرنامج الذي يناقض أفكاره، يراه كما لو أنه مجرد مشعوذ يدافع عن أسلوبه القديم ووظيفته التقليدية ويخشى عليها من الانقراض، أما الدين فإنه باق ولا يحتاج إلى كهنة لحمايته.

رابط المقال في جريدة العرب اللندنية: انتشار خطاب التنوير في الإعلام يصيب دعاة التطرف بالذعر والرهاب

بقلم: د. سالم حميد
الاثنين 2018/06/18