تنكب إيران على أزماتها المتنامية في ظل غياب كامل لجدية معالجتها أو الحد منها من قبل السلطات، حتى بات الداخل الإيراني يفتقر إلى سبل معالجة تلك الأزمات في ظل تدهور مستمر للمجتمعات الإيرانية وعجز متزايد من قبل الحكومة، ما جعل تراكم الأزمات الصفة الأبرز والأخطر على الداخل الإيراني ونظام الملالي.
لقد طالعتنا صحيفة “آرمان” الإيرانية بأزمة اجتماعية تعكس حقيقة الأوضاع الداخلية المتردية في إيران إلى أسوأ الحدود، حين نشرت تقريراً مفصلاً حول أطفال العمالة في إيران، شملت أعدادهم وصنوفهم وأوضاعهم ومشاكلهم، إذ قدر التقرير عدد أطفال العمالة والشوارع في إيران بنحو ثلاثة ملايين طفل، وهو رقم مروع للغاية، وينذر بصوملة المجتمعات الإيرانية في المستقبل وانحدار البلاد إلى هاوية الانفلات والفوضى، فهذه الأعداد الكبيرة من الأطفال المهملين هي وقود انتشار العصابات والفوضى، وبالتالي فقدان الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والصحي أيضاً.
يقول التقرير نقلاً عن رئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية بمجلس بلدية طهران “إلهام فخاري” إنه لا يمكن تقدير أعداد أطفال العمل في إيران بدقة، إلا أن بعض الخبراء يقدرون أعداد أطفال العمل بأكثر من 3 مليون طفل في إيران بشكل عام، ونحو 20 ألف طفل عامل في طهران، وأضاف أن غالبية أطفال العمل لا يملكون هوية أو بطاقة إثبات وهم غير مسجلين لدى السلطات الإيرانية، الأمر الذي لا يسمح بتحديد أعدادهم بدقة.
وأضاف التقرير أيضاً نقلاً عن رئيس مركز أبحاث الإيدز في إيران أن ما بين 4 إلى 5% من أطفال العمالة في إيران مصابون بمرض الإيدز، كما أضاف أن ثلث أطفال العمالة ما بين 10 إلى 14 عاماً، والثلثين الآخرين ما بين 15 إلى 18 عاماً، وأكثر من 32% من أطفال العمالة يتعرضون للاعتداءات الجسدية والنفسية والجنسية، كما ذكر التقرير أن الدراسات تشير إلى أن 5% من الأطفال الذكور قد جربوا تعاطي المخدرات، وهذه النسبة في الأطفال الإناث قد وصلت إلى 1%، و72% من أطفال العمالة في إيران أميون أو قليلو التعلم، و13% منهم لم يذهبوا إلى المدارس مطلقاً.
ولا تزال قضية فاقدي الهوية وتزايد أعدادهم بشكل مستمر تشكل أزمة خطيرة للغاية على نسيج المجتمعات الإيرانية المهددة بالتفكك والانحلال، فقد كانت صحيفة “آرمان” الإصلاحية قد نشرت مسبقاً تقريراً تحدثت فيه عن ارتفاع أعداد الأطفال مجهولي الهوية والذين لا يمتلكون أي إثباتات شخصية في إيران، ما يجعلهم يحرمون من كافة حقوق المواطنة، وأضافت أن هناك نحو 100 طفل مجهولي الهوية يولدون شهرياً في طهران، 85% من هؤلاء الأطفال من جنسيات أجنبية.
تعتبر فئة الأطفال والنساء من أكثر الفئات اضطهاداً وتهميشاً في الداخل الإيراني، وهي سياسة يتبعها النظام في توجيه كافة الاهتمامات والإمكانيات على المؤيدين والموالين له من فئة الشباب الذكور القادرين على حماية عرش المرشد من خلال الانضمام إلى قوات الحرس الثوري وأفرعه، فقد منح هؤلاء صلاحية على حساب حقوق وحياة الفئات الأخرى، وقد تحدثت التقارير الصحفية الإيرانية على لسان مساعد رئيس منظمة الرعاية الاجتماعية “حبيب الله مسعودي فريد” أنه خلال العام الماضي وقع نحو 3 آلاف حالة عنف ضد الأطفال مسجلة لدى المنظمة، غير أن حالات العنف ضد الأطفال في إيران أكبر من هذه الأرقام بكثير.
وتتصاعد أرقام حالات الانتحار لدى الأطفال في إيران بشكل متسارع، نظراً لما يتعرضون إليه من سوء المعاملة، وبشكل دوري تحدث حالات انتحار جماعي يقوم بها أطفال تحت سن الـ 18 عاماً، آخرها ما قامت به ثلاثة طالبات مدرسة في مدينة “نقده” في محافظة أذربيجان الغربية، حين أقدمن على الانتحار في وقت واحد، واحدة منهن ماتت، والأخرى دخلت في غيبوبة وتم نقلها إلى المستشفى، والثالثة انسحبت وقت تنفيذ الانتحار، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة في الداخل الإيراني، وجعل المحللين والخبراء يبحثون عن تلك الأسباب التي تدفع بأطفال بهذا العمر إلى الانتحار، ليتبين أن سياسات النظام الإيراني الداخلية وحجم القمع والإساءة والعنف والاغتصاب هي أهم أسباب قدوم الأطفال على الانتحار في إيران.
وكثيراً ما تتعرض الفتيات والأطفال لحالات اغتصاب من قبل عناصر نافذة في بيت المرشد الإيراني أو ضباط وأفراد الحرس الثوري، وقد تناقلت وسائل الإعلام العديد من هذه الحالات من بينها آخر ما كشفه خطيب صلاة العيد في محافظة سيستان بلوشستان “مولوي طیب ملازهي” من تورط عناصر تابعة لجهات أمنية في إيران باختطاف واغتصاب نحو 41 فتاة في إيرانشهر، وهو ما أثار غضب الأهالي وخرجوا في مظاهرات احتجاجية، ولا تزال ارتداداتها قائمة رغم إعلان وزير الداخلية رحماني فضلي فتح تحقيق ومتابعة الموضوع بأسرع وقت، وكذلك قضية “ريحانة جباري” التي حكمت عليها السلطات الإيرانية بالإعدام شنقاً بتهمة قتل ضابط من الحرس الثوري حاول اغتصابها فقتلته، وكذلك قضية سعيد طوسي قارئ القرآن في بيت المرشد والمقرب من خامنئي والذي اغتصب 19 طفلاً أثناء تدريسهم العلوم القرآنية، والجريمة الجنسية التي هزّت المجتمع الإيراني قبل عدة أيام وضحيتها طلبة مدرسة ثانوية غرب العاصمة طهران، وتتحدث التقارير عن عمليات اغتصاب ممنهجة للذكور والإناث في السجون الإيرانية من قبل عناصر القوات الأمنية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث
١٩ يونيو ٢٠١٨