منذ تدخل إيران في الأزمة السورية بشكل مباشر فور إندلاعها عام 2011 بهدف الحفاظ على أهم أدواتها وحلفائها في المنطقة، نظام بشار الأسد، وهي تتكبد الخسائر والهزائم في كافة الاتجاهات وخاصة الاقتصادية والعسكرية، وسارت مئات قوافل التوابيت من سوريا إلى إيران تحمل جثث عناصر وضباط من الحرس الثوري ومرتزقة النظام الإيراني، غير أن الفترة الأخيرة كانت صادمة ومرحلة حاسمة للتواجد الإيراني في سوريا، بعد استمرار الضربات الجوية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل على المواقع العسكرية التابعة للميليشيات الإيرانية وحزب الله، والتي تكبدت خسائر في العتاد والأرواح لم تشهدها من قبل.

تلك الخسائر شكّلت حرجا شديدا للنظام الإيراني أمام الشارع الإيراني والمجتمع الدولي بأكمله، إذ طالما أنكر هذا النظام أي تواجد عسكري له في سوريا باستثناء اعترافاته بوجود عدد من المستشارين العسكريين، بينما أجبرته الضربات العسكرية التي لا تزال تتساقط فوق رؤوس ميليشياته العسكرية في سوريا على الصراخ والعويل بسبب ما أحدثته كثرة خسائره من وجع وألم جعل حتى التصريحات الإيرانية المتعلقة مليئة بالتناقضات وتعاني من تخبطات شديدة.

إن السبب الأهم لعدم قدرة إيران على الرد على الضربات العسكرية لقواتها في سوريا أو حتى الاعتراف بها، علاوة على إنكارها أي تواجد عسكري لها في سوريا، هو عجزها وعدم قدرتها على أي رد، لأن الاعتراف بتلك الضربات يضع طهران في حرج أمام حلفائها في المنطقة، ويميط اللثام عن كذبة المقاومة وخداع التصريحات والتهديدات الإيرانية التي طالما تنطع بها قادة النظام الإيراني وهددوا بمحو إسرائيل عن خارطة الوجود وأن إيران لن تصمت في حال حصل أي اعتداء عليها، فإذا كشفت عن هذه الضربات أصبحت ملزمة أمام حلفائها بالرد عليها وهو ما لا تقدر عليه.

ضربات موجعة ومتتالية تلقتها الميليشيات العسكرية التابعة لإيران في أكثر من نقطة في سوريا، آخرها سقوط عشرات القتلى من العناصر التابعة لإيران بقصف جوي مجهول المصدر على الحدود السورية العراقية المشتركة في محيط منطقة بوكمال، وحسب رأي الخبراء فإن الهدف من هذه الضربات هو قطع الطريق التي سعت إيران إلى إنشائه بكل الوسائل والأدوات، والذي يربط طهران بلبنان مرورا بالعراق وسوريا.

وحاليا يرى النظام الإيراني أن الحرس الثوري فشل في أكثر من منطقة بعد هدر الأموال الطائلة وإزهاق مئات الأرواح، وأصبح يبحث عن سبل تعويضه تلك الخسائر، بدلا عن انتصارات مستحيلة هنا وهناك بعد اليأس والإحباط الذي تسرب إلى قيادات الملالي وخاصة السياسية، إضافة إلى انفجار الأوضاع الداخلية التي قد تقود إلى ثورة شعبية عارمة في أي وقت تسقط النظام، لذا فإن نظام الملالي أصبح يبحث عن حل يقيه السقوط، وهو فتح قنوات تفاوض جدية مع الولايات المتحدة بحيث تقدم إيران مزيدا من التنازلات مقابل تخفيف الضغط عنها، وهو ما أصبحت الصحف ووكالات الأنباء الإيرانية تتحدث عنه بسلبية، وتتهم القائمين على هذا المقترح وهو الإصلاحيين بخيانة الوطن، ولكن الإفصاح عن هذا الأمر يراد منه جس نبض الشارع الإيراني.

لقد أصبح أمام النظام الإيراني، بعد هزائمه المدوية في سوريا والعراق واليمن، حل واحد فقط يقيه من السقوط، وهو تقديم تنازلات تحت غطاء المفاوضات، بحيث يوافق على سحب قواته من سوريا ويوقف دعم الحوثيين وتقديم أكباش فداء على رأسهم قاسم سليماني، مقابل تخفيف الضغط عليه، لأن ذلك يتم حاليا دون تفاوض، ولا يستطيع النظام الإيراني الصمود في سوريا ولا في اليمن وتحمل خسائر أكثر من ذلك، لذا فإنه سيلجأ إلى هذه الحيلة كمحاولة لإطالة عمره أطول وقت ممكن.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

٢٠ يونيو ٢٠١٨