أعطت قطر النظام الإيراني أكبر من حجمه، ومنحته الثقة العمياء في علاقاتها معه على أمل دعمها في أزمتها مع الأشقاء العرب، بعد أن تعاملت السلطات الإيرانية مع الأزمة القطرية على أنها أكبر فرصة لإضعاف الدول الخليجية وإثارة الفتن بينها، فركزت على خداع النظام القطري بقدرة إيران في انتشاله من أزمته وإخراجه منها منتصرا، وتمكنت بالفعل من إقناعه على الصمود على مواقفه رغم افتقار إيران لأي دعم استراتيجي لقطر غير مدها بعناصر عسكرية وأمنية لوأد أي احتجاجات شعبية قد تشتعل في الداخل ضد الحمدين، إضافة إلى بعض الوعود والاتفاقيات التي لن تستطيع إيران ترجمتها على أرض الواقع بسبب افتقارها لقدرة تنفيذها والالتزام بها.

لقد سارعت إيران إلى مساندة قطر في أزمتها ضد الدول المقاطعة، وأرسلت وفودا سياسية وعسكرية وأمنية لطمأنة الجانب القطري من وقوف طهران قلبا وقالبا مع الدوحة في أزمتها، وقد لجأت إيران إلى ذلك لعدة أسباب، أهمها:

أولا: وجود اتفاقيات سرية مسبقة بينها وبين قطر حول دعم وتمويل الجماعات الإرهابية المسلحة في العراق واليمن، ما جعل طهران تضمن عدم تراجع قطر عن مواقفها العدائية تجاه الدول الخليجية خاصة، وهو ما يفسر اختلاف المواقف الإيرانية بين أزمة قطر الأولى عام 2014 والثانية عام 2017، حيث اختارت إيران عدم الإفصاح عن تدخلاتها في الأزمة الأولى لأنها لم تكن ضامنة عدم تراجع النظام القطري عن مواقفه وتوجيه صفعة سياسية لإيران.

ثانيا: اعتبرت إيران أن هذه الأزمة فرصة كبيرة لإضعاف التحالف الدولي والإقليمي الداعم لمكافحة الإرهاب، والذي يحمل إيران مسؤولية زعزعة أمن واستقرار المنطقة، فسارعت إلى تعميق الأزمة واستغلالها لبث المزيد من الانقسامات بين دول المنطقة، ولإكمال هذا المخطط سارعت إلى إقامة علاقات مع تركيا ودعم الرئيس أردوغان وحزبه الإخواني، لاستقطاب قطر وتركيا وتنظيم الإخوان الدولي وإبعادهم عن التحالف العربي والإسلامي، والذي تعتبره إيران عدوها الرئيسي، ولا تزال إيران تعمل على استقطاب السودان وبعض الدول العربية والأفريقية إلى جانب قطر التي أصبحت أداة لتنفيذ مشروع التمدد الإيراني، غير أن تدهور إمكانيات النظام الإيراني أوقف هذا المخطط الفتنوي، واستطاعت السعودية والإمارات بفعل حكمتها السياسية إفشال هذا المخطط الإيراني.

ثالثا: رأت إيران من الأزمة القطرية فرصة اقتصادية يمكن استغلالها في عدة اتجاهات وجوانب، وبوابة للوصول إلى المليارات القطرية عبر تصدير السلع والبضائع الإيرانية التي لا سوق لها إلى قطر، ومحاصصتها في الأموال التي تجنيها من إنتاج الغاز من حقل الشمال المشترك مع إيران، والالتفاف على العقوبات عن طريق استخدام شخصيات وشركات قطرية في التجارة الإيرانية الخارجية والتعاملات المصرفية.

رابعا: تعتبر قطر بوابة لإيران وجسرا تعبر منه إلى مد نفوذها في الدول التي تشهد تواجدا إخوانيا باعتبار أن قطر الداعم والممول الرئيسي لتلك الجماعات، ودعم قطر في أزمتها يعني فتح الأبواب أمام علاقات إيرانية مع تركيا والسودان وتونس وكل دولة تشهد تواجدا إخوانيا، وهو جزء من مخطط إيراني يهدف إلى تشكيل تحالف إيراني إخواني لدعم وتوسيع الأنشطة الإرهابية ووضع العراقيل أمام جهود التحالف الداعم لمكافحة الإرهاب والواقف في وجه المشروع الإيراني التوسعي.

لذا فإن قطر تلعب حاليا دور المرمم للعلاقات بين إيران ودول عربية وإسلامية تشهد تواجدا إخوانيا، وبتوجيهات من إيران تنشط الدبلوماسية والأموال القطرية في العديد من دول العالم بهدف تلميع صورة النظام الإيراني وإعادة ترميم علاقاته مع الدول التي قطعت علاقاتها مع هذا النظام بسبب أنشطته التخريبية ومنها المغرب التي قررت مؤخرا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران على خلفية تدخلاتها السافرة في الشؤون الداخلية للمغرب ودعمها لجبهة البوليساريو.

 مركز المزماة للدراسات والبحوث

27 يونيو 2018