منذ أن قرر المرشد الإيراني علي خامنئي إيصال فريق روحاني إلى رئاسة الحكومة، استمرارا لنهجه في استخدام لعبة الشطرنج في عملية تغيير الوجوه والمناصب، أعطى في نفس الوقت الضوء الأخضر للحرس الثوري لمحاصرة “أنشطة روحاني” ومراقبتها حتى لا يستقطب قاعدة شعبية تهدد مكانة المرشد وصلاحيات الحرس الثوري، فأراد رأس النظام الإيراني أن يقدم فريقا دبلوماسيا لخداع المجتمع الدولي وخاصة الدول الغربية بوجود وجوه معتدلة تعمل داخل مؤسسات النظام من الممكن أن يتم التعامل معها دبلوماسيا وسياسيا بما يخدم مصلحة كافة الأطراف، وهو بالفعل ما أظهره فريق روحاني وخاصة في وزارة الخارجية التي يقودها صوريا محمد جواد ظريف.

لقد قدم خامنئي حكومة شكلية دبلوماسية أمام العالم، لإبعاد شبح الحرب أو الانهيار الذي كان يلوح في أفق سماء النظام، في وقت تعمل الحكومة الحقيقية تحت ظل الحرس الثوري وفيلق القدس المسؤول الحقيقي عن السياسة الخارجية والداخلية الإيرانية، بينما الحكومة الإيرانية لا تعدو أن تكون فريقا دبلوماسيا مجردا من الصلاحيات والقرارات الحقيقية، والتي هي جميعها بيد المرشد ورجالات الحرس الثوري.

إن كل ما يجري في إيران يتم إعداده في مطابخ الحرس الثوري وبيت المرشد، وإيصال روحاني إلى الرئاسة كان يهدف إلى إبعاد شبح الحرب العسكرية عن النظام الإيراني، وليس كما يعتقد البعض أن الهدف الرئيسي هو تحسين الأوضاع الاقتصادية، فالجميع يعلم أن تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في إيران سببها الرئيسي هو سيطرة الحرس الثوري على نحو 80% من اقتصاد وموارد البلاد، وتفشي الفساد بكافة أنواعه في مؤسسات وأركان النظام الإيراني، بينما العقوبات الدولية كانت مسؤولة عن نحو 20% من المشاكل والأزمات، وكان ضررها السياسي أخطر من ضررها الاقتصادي على البلاد، لذا جاء المرشد بحكومة أعطاها طباع الاعتدال والإصلاح ليبعد شبح القيام بعملية عسكرية ضد النظام الإيراني.

وبعد وصول الرئيس روحاني إلى الرئاسة، أنشأ الحرس الثوري غرف سرية تهدف إلى إفشال جهود الحكومة في تنمية الداخل، وتعطيل أي نجاح قد يزيد من قاعدة روحاني الشعبية، غير أن إصرار روحاني على توقيع الاتفاق النووي والإصرار على الالتزام ببنوده أدى إلى خلافات كبيرة بين فريق روحاني والحرس الثوري الذي أراد استخدام هذا الاتفاق فقط لأجل إبعاد شبح الحرب على إيران وليس لأجل فتح أبواب إيران أمام الغرب والشركات الأجنبية، فعمل بكافة الوسائل على إفساد الاتفاق النووي لعدة أسباب أهمها:

أولا: كانت ولا تزال العقوبات الدولية الشماعة التي يعلق عليها النظام والحرس الثوري مشكلات وأزمات البلاد وخاصة الاقتصادية والمعيشية، ورفعها يعني أنه لم يعد للنظام ما يعلق عليه فشله في إدارة البلاد وانتشار الأزمات والآفات، فقد كانت العقوبات الغطاء الذي يتستر به النظام والحرس الثوري في نهب موارد وثروات البلاد وإنفاق المليارات من أموال الشعوب الإيرانية على مشاريع تخدم النظام الإيراني ومشروعه التوسعي في المنطقة.

ثانيا: الاتفاق النووي وما أنتجه من رفع للعقوبات أقلقت مؤسسات الحرس الثوري ورجال الدين، الذين استغلوا العقوبات الدولية المفروضة على البلاد في السيطرة على اقتصادها وثرواتها، ورفع العقوبات يعني دخول شركات أجنبية ستنافس شركات الحرس الثوري في إيران، وستنزع جزء كبير من سيطرتها على الأسواق والقطاعات الاستثمارية في الداخل الإيراني.

ثالثا: يرى الحرس الثوري أن الاتفاق النووي سيفتح الأبواب أمام مطالبات بتعديل القوانين لجذب الاستثمارات الأجنبية، وإنهاء احتكار الحرس الثوري على أسواق الدولة ومنتوجاتها، وهو ما سيقلص من صلاحيات وسيطرة الحرس الثوري في الداخل، ويضعف مردوداته المالية.

رابعا: يتخوف الحرس الثوري من أي انفتاح داخلي على الخارج، لما سيكون له تأثير تدريجي على الرأي العام الإيراني، ويعمل على فتح الأبواب أمام منظمات ومؤسسات دولية وحقوقية للعمل داخل إيران، وهو تهديد مباشر لكيان الحرس الثوري والنظام الإيراني.

ما سبق دفع الحرس الثوري إلى عدم الالتزام ببنود الاتفاق النووي الذي وقعه روحاني مع المجموعة 5+1 بهدف إفساد هذا الاتفاق وإبقاء الداخل الإيراني تحت سيطرة ورحمة بيت المرشد والحرس الثوري.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

28 يونيو 2018