أدرك المجتمع الدولي مؤخرا أن لا سبيل للخلاص من الإرهاب إلا بتجفيف منابعه من إيران، عن طريق إضعاف النظام الإيراني والحد من قدراته على دعم الإرهاب وإرسال الأسلحة والأموال إلى الجماعات الإرهابية التي تعتبر أدوات المشروع الإيراني في المنطقة وعلى رأسها حزب الله والحوثيين وتنظيمي داعش والقاعدة وغيرها.

فبعد أن ضنت الولايات المتحدة بإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أنه من الممكن أن يعود النظام الإيراني إلى رشده إذا ما تم احتضانه من قبل المجتمع الدولي عن طريق اتفاقيات وتفاهمات حول القضايا الخلافية، تساعد على تحويل السياسية الإيرانية من منبع الثورة إلى انتهاج سلوك الدولة، فتم عقد الاتفاق النووي مع إيران ورفع جزء من العقوبات، واستطاعت إيران بموجبه تحرير مئات المليارات وأن تجني أموالا طائلة من تصدير النفط وتوسيع التبادلات التجارية، غير أن النتائج كانت عكس تلك التوقعات حين استثمر نظام الملالي هذه الاتفاقيات والمليارات في دعم وتوسيع دائرة وأنشطة الإرهاب في المنطقة.

لقد أثبتت السنوات القليلة الماضية، أن النظام الإيراني غير قادر على التعامل كدولة مع المجتمع الدولي ضمن إطار القوانين والمعاهدات الدولية، وأنه مصر على اتباع نهج الثورة في سياساته الداخلية والخارجية، ولا سبيل إلى إصلاح سياسات هذا النظام أو تغييرها مطلقا، بسبب أن بقاء النظام الإيراني أصبح مرهونا بتصدير ثورة الخميني ونشر الإرهاب، وإذا توقف عن سياساتها التدخلية في المنطقة، وأطفأ تأجيج نار الخارج، فإن النيران سوف تشتعل في الداخل، فالخلافات والانقسامات الحادة في إيران، وعلى رأسها الانقسام حول صلاحيات المرشد الإيراني وسيطرة الحرس الثوري على القطاعات الدولية بأكملها، سوف تحتدم إذا ما أشغل النظام الإيراني الأحزاب السياسية والمؤسسات الدولية بالتدخلات الخارجية وخدع الرأي العام بوجود عدو للشعب الإيراني، وهي نغمة لا تكاد أي وسيلة إعلام إيرانية أو مناسبة تخلو منها.

لذا فإن أفضل طريقة للتعامل مع النظام الإيراني هو إضعافه من الداخل بدعم حقوق الشعوب الإيرانية المضطهدة، لأن أغلب هذه الشعوب حاليا ترفض نظام ولاية الفقيه، وتعبر عن ذلك بالخروج في مظاهرات واحتجاجات بين الفينة والأخرى، بل أنها تزايدت بشكل ملحوظ خلال الستة أشهر الماضية، ووصلت شعاراتها إلى المطالبة بإسقاط النظام الإيراني، ومن المؤكد أنها ستتسع خلال الأشهر القادمة بسبب ما ستشهده البلاد من تفاقم للأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، مع غياب أي قدرة للسلطات الإيرانية للحد من تفاقم الأزمات وتردي الأوضاع المعيشية، حيث أصبحت الشعوب الإيرانية على يقين أن أوضاعهم لن تتحسن مطلقا إلا بتغيير النظام الحاكم.

لقد خرج الإيرانييون خلال الأيام الماضية في مظاهرات في عدد من المدن الإيرانية ابتداء من طهران العاصمة وأسواقها حتى مدينة المحمرة التي لا تزال المظاهرات تتسع فيها بعد عمليات القمع التي تمارسها القوات الأمنية في حق المتظاهرين، والتي وصل حدها إلى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين الذين خرجوا من شدة نقص مياه الشرب والمطالبة بأبسط حقوقهم المنهوبة من قبل سلطات النظام.

في هذه الأوقات التي تتسع فيها رقعة المظاهرات والاحتجاجات الإيرانية ضد النظام والحرس الثوري، ويرفع فيها المتظاهرون “شعار الموت لخامنئي”، يخرج المرشد الإيراني علي خامنئي ليؤكد تلاحم الشعوب الإيرانية مع النظام، وقدرة إيران على التصدي لما يسميها بالمؤامرات الكونية على الشعب الإيراني، ويخدع الرأي العام بوجود عدو يتربص شرا بإيران، ويعزف على لحن العاطفة الدينية والصراع بين الشر والخير وتقديم نفسه الضحية لا المجرم، وهي أساليب شعبوية باتت منتهية الصلاحية، ولن تعد تجد لها أي آذان صاغية، وهي مؤشر على فقدان النظام الإيراني لأي قدرة على مواجهة غليان الداخل، ودليل على أنه في مرحلة الاحتضار.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

1 يوليو 2018