الأتراك يدركون من خلال متابعة أحوال غيرهم من الشعوب أن التخلي عن العلمانية يعني النكوص عن سقف الحريات العالي، وبالتالي التراجع إلى الخلف واستدعاء حالة من الرجعية الاجتماعية والتخلف الشامل.

يبدو أن تركيا سوف تودّعُ خلال السنوات القادمة شخصيتها العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك. لأن الرئيس رجب طيب أردوغان بعد أن شرعن بالانتخابات الأخيرة بقاءه في السلطة لخمس سنوات قادمة، يريد أن يترك بصمته على المجتمع التركي وعلى نظام الحكم. ولأنه لم يحصل على أغلبية كاسحة كما كان ينتظر، من المتوقع أن يمضي فترته الرئاسية الأخيرة بتوتر قد ينعكس على قراراته، ويدفعه إلى ارتجال إجراءات وتشريعات سوف تسبب المزيد من الغضب في الشارع التركي.

كان أردوغان قد سعى بكل إصرار إلى بناء نظام رئاسي بصلاحيات واسعة، ودخل في خلافات حادة مع النخبة السياسية التركية من أجل إقرار هذا التحول، الذي تم تفصيله بالطبع على مقاسه. وعلى وقع فوزه في الانتخابات الأخيرة أعاد تذكير نفسه وجمهوره في أحد الخطابات بأنه على موعد مع استغلال النظام الرئاسي لتغيير وجه تركيا.

كان المجتمع التركي ينعم بدولة عصرية تقبل مختلف الحريات الاجتماعية. ولا ننسى ازدهار القطاع السياحي واعتياد المجتمع التركي على نمط حياة منفتح طوال عقود مضت، مما دفع تركيا بشكل جدي إلى التقدم بطلب الالتحاق بدول الاتحاد الأوروبي، لتحقيق حلم الأتراك بالاندماج مع السوق الأوروبية المشتركة، والحصول على كامل امتيازات الانضمام الذي لم يحدث.

وإلى وقت قريب، قبل أن يصل أردوغان وحزبه إلى مرحلة التمكين، كانت مسألة التفاوض بشأن انضمام تركيا إلى قافلة الدول الأوروبية قيد الدراسة من قبل الاتحاد الأوروبي. لكن بعد المستجدات الأخيرة تراجع هذا الملف. بل إن فشل أردوغان في هذا المحور دفعه إلى الانتقام من الأوروبيين من خلال تصميم برنامج سياسي جديد للدولة التركية، قد يعود بها إلى الخلف من حيث البناء السياسي للدولة والحريات والقوانين والفصل بين السلطات. وخاصة بعد أن خطط أردوغان لمنح نفسه صلاحيات مطلقة.

ذلك يعني أن تركيا في المستقبل القريب تتجه عمليا نحو بناء نظام ثيوقراطي أكثر جمودا. فأردوغان لا يؤسس لنفسه فقط، بل إنه يحاول ترسيخ نظام يحمي هيمنة الإسلاميين ويضمن لهم صلاحيات لتغيير المجتمع التركي وأسلمته بقرارات رئاسية مباشرة لا تتطلب الرجوع إلى هيئات أخرى.

يأتي ذلك في الوقت الذي كانت فيه تركيا دولة علمانية منفتحة، تقع وسط عالم شرق أوسطي تتوق شعوبه ودوله إلى الحداثة، وتكافح من أجل الانتقال من طور التخلف والتطرف إلى فضاء التعايش ونبذ الإرهاب. لكن أردوغان وبدلا من الحفاظ على تركيا العلمانية سمح لطموحاته الفردية الأنانية، وقرر أن يجعل تركيا تتماهى مع ميوله الشخصية التي تحلم بعودة الخلافة وبناء شخصية السلطان والأفندي التركي الذي انتهى بسقوط الدولة العثمانية في عشرينات القرن الماضي.

وبناء على نتائج الانتخابات الأخيرة، ورغم أن أردوغان تلقى صفعة قوية بالنتائج الضعيفة التي لم تمنحه أغلبية كبيرة كما كان يحلم. وبفقدانه لعدد هائل من أصوات الناخبين الأتراك، ليس أمامه سوى القيام بضربة أخيرة لتثبيت مشروع أسلمة تركيا للجيل الذي سوف يليه من تلاميذ الإسلام السياسي التركي، الذي يدين للنهج الأردوغاني بالكثير من الولاء.

يريد أردوغان من خلال إبقاء الإسلاميين على رأس السلطة في المستقبل، ومن خلال إقرار النظام الرئاسي واسع الصلاحيات، أن يضمن للتوجه الإسلاموي السيطرة التامة على تركيا خلال السنوات القادمة. ورغم أنه ظل يواجه عقبات وتحفظات ولم يستمتع كثيرا بممارسة دور السلطان العثماني الذي يمثل هاجسا يدغدغ وعيه، إلا أنه قام حتى الآن بدور تأسيسي واضح رغم الخسائر التي نالها والخلافات التي تعمقت داخل التيار الإخواني التركي بسبب نزعته الدكتاتورية والروح الأبوية الطاغية التي يحاول فرضها في كل تحركاته. استفاد أردوغان من حاجة الأتراك الدفينة إلى زعيم يعيد أمجاد الأناضول.

لكنهم لم يتوقعوا أن يطمح إلى إعادة إحياء الخلافة بشكل جديد. وتظل الصورة التلفزيونية تحكي الكثير عن حالة التقمص التي يعيش فيها أردوغان وهو يمشي متثاقلا يخاطب الجمهور بانفعال ممزوج بمسحة من استغراب وجود معارضين لبرنامجه. وحتى الآن لا أحد يعرف بالضبط كيف كان أردوغان سيتصرف فيما لو خسر الانتخابات الأخيرة، لأنه أصبح متوحداً بالسلطة ولا يتخيل نفسه خارجها على الإطلاق، وهذا ما يجعل من الانتخابات في ظل الوضع النفسي لأردوغان مسألة شكلية، لأنه لم يكن ينتظر منها سوى خيار وحيد وأكيد وهو الفوز!

والآن خمس سنوات أخرى من حكم تيار أردوغان الإخواني تنتظر المجتمع التركي، لكنها لن تكون كالفترات الماضية، لأن أردوغان استعد لها جيدا هذه المرة، ليس بأصوات الناخبين الذين خذلوه ومنحوه رقماً هزيلاً فوق الـ50 بالمئة بقليل، بل لأنه استعد للمرحلة المقبلة في إطار توقعه أنها قد تكون فرصته النهائية لضرب مسمار أخير في جدار العلمانية التركية. لذلك من المتوقع أن تكون الخسائر متنوعة وكارثية إذا ما نجح أردوغان بالفعل في تنفيذ حزمة تغييرات قانونية تطال أسس المجتمع التركي الراهن.

وفي تركيا كما في غيرها من المجتمعات والدول العلمانية كل الحلقات مترابطة. لأن الترابط قائم من حيث التشريعات والممارسات بين العلمانية والحرية الاجتماعية والانفتاح. وهناك علاقة وثيقة بين قيم العلمانية وتشريعاتها، وبين ازدهار الحركة السياحية وتوافد الأفواج القادمة من أوروبا ومن كل مكان إلى إسطنبول. لكن إذا ما تغير وجه تركيا المعهود وبرزت تركيا أخرى على مقاس أحلام أردوغان؛ فسوف نشهد على الأرجح تذبذبا في النمو ومزيدا من التراجع في الاقتصاد التركي الذي يكاد يكون بالفعل هذه الأيام في غرفة الإنعاش، ولا ينقصه حدوث المزيد من المفاجآت غير السارة.

صحيح أن الاقتصاد يتطلب الاستقرار السياسي ورسوخ السلطة. لكن اللجوء إلى الانتخابات المبكرة الأخيرة كان نذير شؤم وبداية لتراجع سياسي وتدشين معارضة ضمنية لأجندة أردوغان المنفردة. فلأول مرة نشهد انتخابات تركية ساخنة إلى درجة أن احتمالات الإعادة كانت قائمة لولا الفارق الضئيل الذي حققه أردوغان بنسبة لا تستحق الابتهاج والفخر.

ولأن العالم أصبح مترابطا والشعوب تأخذ العبرة من غيرها، فإن الأتراك يدركون من خلال متابعة أحوال غيرهم من الشعوب أن التخلي عن العلمانية يعني النكوص عن سقف الحريات العالي، وبالتالي التراجع إلى الخلف واستدعاء حالة من الرجعية الاجتماعية والتخلف الشامل. وقد يسبب مثل هذا التراجع صداما محتملا داخل تركيا ربما يعيد الجيش إلى الواجهة من جديد ليمارس دوره التقليدي في حماية علمانية الدولة.

لا ننكر أن لدينا في الشرق الأوسط دروساً كثيرة تشير إلى حجم التداعيات الكارثية الناتجة عن اتجاه بعض الأنظمة نحو اعتماد الشكل الإسلاموي، وأكبر أمثلة على ذلك إيران وأفغانستان والسودان، لأن الأنظمة الثيوقراطية التي يريد أن يستنسخها أردوغان تؤدي تلقائيا إلى عودة التخلف وشيوع التطرف وانهيار عوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي وانفتاح عدة أبواب إلى الجحيم. وهناك أمثلة من الواقع العربي أيضاً على هذا الأداء، تندرج ضمنها الدول التي تحقق أحيانا قدرا من الانتعاش، كلما اتخذت حكوماتها قرارات جريئة بفك الارتباط مع رجال الدين والتيارات الظلامية، التي لا تجد مصلحتها إلا في تكبيل المجتمعات بقيود الخرافات وفتاوى التجهيل. كما أن استسلام الحكومات للتيارات المتطرفة يحرم الشعوب من التطلع إلى الاستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية والمشاركة في البناء والنهضة. ويبقى السؤال إلى أين تمضي تركيا؟

رابط المقال بجريدة العرب:فرصة جديدة لأردوغان تمهد لنسف علمانية تركيا

بقلم: د.سالم حميد

2 يوليو 2018