العدوان القطري على جزيرة الديبل البحرينية ونوايا الدوحة

من خلال رصد السلوك القطري الراهن، وبعد مرور 32 عاما على واقعة الاعتداء على سيادة البحرين نجد أن العقلية التآمرية التي تتحكم بقطر وسياستها لم تتغير حتى اليوم.

أدت الأزمة القائمة بين قطر وجيرانها في الخليج العربي إلى فتح ملفات قديمة، تتضمن مقدمات وإثباتات على النزوع القطري نحو الصدام والاحتكاك وإثارة الفوضى ومحاولات انتهاك السيادة، وصولا إلى استخدام السلاح بشكل همجي. وعلى رأس تلك الملفات العدوان القطري على جزيرة الديبل البحرينية، الذي وقع في السادس والعشرين من أبريل عام 1986، وهو الحدث الذي يحمل دلالة سياسية مبكرة على توجه قطر نحو زعزعة أمن الخليج.

كما أن وقوف حمد بن خليفة، وزير دفاع قطر آنذاك، وراء قيادة العدوان على الجزيرة البحرينية يعكس توجهاته العدائية التي ترجمها بأشكال أكثر وضوحا، وخاصة بعد أن وصل إلى الحكم عقب انقلابه على والده أمير قطر السابق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني عام 1995.

مقدمات السلوك القطري العدواني وغير المنسجم مع المحيط الخليجي ظهرت بأشكال وتصرفات متعددة، لكننا سوف نتناول الواقعة القديمة المتمثلة بالعدوان القطري على جزيرة الديبل البحرينية، من خلال استعراض كتيب صدر مؤخراً حول هذا الموضوع عن مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة.

الكتاب في مجمله يوثق لأحداث ووقائع العدوان القطري على الديبل، باعتباره انتهاكا للسيادة البحرينية. كما يقدم عبر الاستقراء التاريخي والوثائق الدامغة أدلة على الغدر القطري والتخطيط المسبق لاستهداف أمن البحرين ومنطقة الخليج بشكل عام.

في البدء يستعرض الكتاب موقع الديبل بين جزيرة المحرق وجزيرة رأس ركن، والأوصاف التي وردت حول المكان وطبيعته في وثائق ومراجع معظمها صدرت عن البحرية البريطانية. أما عن تسمية “الديبل” فتورد الدراسة روايتين، الأولى تشير إلى أنه لفظ معرب عن الإنكليزية مركّب من كلمتين هما deeb وتعني العميق وكلمة well وتعني البئر، ليصبح معنى الديبل البئر العميق. أما الرواية الثانية حول التسمية فتذهب إلى أن اللفظ بالمفردات السنسكريتية يجعل معنى الديبل جزيرة معبد الآلهة.

البعد التاريخي والميثولوجي سمة غالبة تعكس أصالة وعمق تاريخ جزر وموانئ الخليج العربي، وما يهمنا هو توضيح العدوان القطري على السيادة البحرينية. وبحسب الكتاب الذي بين أيدينا فإن السيادة البحرينية كانت قائمة على الديبل طبقا لوثائق رسمية، تكشف مضامينها أن حكومة البحرين مارست السيادة الكاملة على الديبل، وأصدرت توجيهات وقامت ببناء إنشاءات. مثال على ما سبق التوجيه الموثق الذي أصدرته حكومة البحرين عام 1916 بشأن رسو السفن البحرينية دون غيرها في شواطئ الديبل.

كما قامت الحكومة البحرينية ببناء فنارات وعلامات بحرية لإرشاد السفن، وهناك مراسلات موثقة بهذا الشأن. ومجمل الشواهد تدل على ثبوت سيادة البحرين على الديبل قبل وأثناء وبعد الوجود البريطاني في الخليج العربي. كما يقدم الكتاب مجموعة كبيرة من الصور الجوية والخرائط والبيانات المرتبطة بالديبل وسيادة البحرين عليها.

يصور الكتاب أولى لحظات العدوان القطري على الديبل الذي ظهر يوم 26 أبريل 1986، عندما هبطت أربع مروحيات قطرية وعلى متنها مجموعة من الجنود القطريين، ثم أحاطوا بعمال أجانب في مشروع الديبل وأطلقوا الرصاص في الهواء لترويعهم، ثم قاموا باعتقال العمال واختطافهم، وهذا هو التعبير الأكثر دقة لما حدث مع عمال الشركة الهولندية التي كانت تنفذ مشروعا في الديبل، سيتضح لاحقا أنه متعلق بالملاحة البحرية ويخدم كل دول مجلس التعاون الخليجي وليس البحرين فقط.

لكن حسب مجرى الأحداث عقب العدوان القطري، انتشرت في البداية أخبار أفادت خطأً بأن العدوان القطري استهدف منشآت صناعية بحرينية، وأخبار أخرى أفادت بأن العدوان استهدف مركز مراقبة تابعا لخفر السواحل البحريني.

ورغم أن السيادة البحرينية تمنح البحرين الحق في إنشاء ما تريد على الأراضي التابعة لها، إلا أن العدوان القطري استهدف آنذاك نقاط مراقبة تابعة لدول مجلس التعاون الخليجي، وظيفتها رصد حركة عبور السفن في مياه الخليج العربي وتحذيرها من أي هجمات طيران محتملة، وخاصة أن التهديدات الإيرانية في تلك الفترة كانت تتزايد على خلفية حربها مع العراق.

وتأكيدا لما سبق قال عبدالله بشارة، أمين عام مجلس التعاون الخليجي آنذاك، إن المنشآت التي هاجمتها قطر في الديبل كانت تنفذ بناء على تصور عسكري ينسجم مع نظرة اللجنة العسكرية في الأمانة العامة لدول مجلس التعاون، وأن قرار إقامة تلك المنشآت في ضحال الديبل من عدمه لم يتخذ من قبل البحرين وحدها، وإنما من قبل اللجنة العسكرية بمجلس التعاون وبموافقة قطر التي ساهمت أيضا في تمويل المشروع ثم قامت باستهدافه والاعتداء عليه.

تسلسلت الأحداث في ذلك اليوم الذي يكشف أن للحماقة والنظرة العدائية لدى قطر تجاه أشقائها جذورا قديمة. وعقب العدوان وفي اليوم ذاته أعلنت قطر أن منطقة الديبل محظورة. واستهدفت بذلك الصيادين والقوارب والسفن. وبدورها لم تتردد البحرين في الدفاع عن سيادتها أمام الغدر القطري، وقامت في اليوم الثاني بحشد قواتها في جزر حوار القريبة من قطر. وبدأت الصحافة في دول الخليج تنشر تفاصيل حول العدوان القطري على الديبل البحرينية.

وأشاد قادة الخليج بالتزام البحرين بضبط النفس اللا محدود وبدرجة عالية، بقصد منح الفرصة للدبلوماسية الخليجية حفاظا على الإخاء وتعزيز اللحمة بين شعوب الخليج العربي. وهذا ما تعمل قطر عكسه في كل تصرفاتها قديما وحديثا، وتورط شعبها وتدخله في معاناة لإرضاء غرور تنظيم الحمدين.

ويشهد على ذلك التعاطي القطري مع الأزمة الحالية التي تمادت خلالها قطر في العناد، وانتقلت منذ بداية الأزمة إلى مرحلة القطيعة التامة والاستعداد لها بتحالفات خارجية مشبوهة، وعلى رأسها التحالف مع إيران وتركيا، إلى أن وصل الحال بالدوحة إلى استجلاب قوات تركية في سابقة غير معهودة في الخليج.

تضمّن الكتاب إلى جانب سرد الوقائع مساحة كبيرة للصور التي تكون أحيانا أكثر بلاغة من الكلمات. إذ نطالع صورا تظهر فيها معدات الشركة الهولندية التي كانت تستخدم لبناء منشآت المراقبة البحرية التابعة لمجلس التعاون. وتحولت الديبل إلى جزيرة أشباح خلال فترة العدوان القطري. كما تظهر إحدى الصور آثار طلقات نارية أطلقها جنود قطريون وأصابت جسم سفينة.

ووفقا لتسلسل الأحداث وبعد أن نجحت البحرين في الالتزام بسياسة ضبط النفس ورفع أمر العدوان القطري إلى قادة دول الخليج، بدأت التحركات السياسية والبيانات والتصريحات المتبادلة، وحاول خلالها القطريون تبرير العدوان وإيجاد ذرائع لم تقنع أحدا. وفي الوقت ذاته قدمت مملكة هولندا احتجاجا رسميا ضد قطر، وجرى التطرق إلى واقعة اختطاف قطر للعمال الأجانب من الديبل، وشهدت العواصم الخليجية نشاطا دبلوماسيا مكثفا وزيارات إلى قطر والبحرين، ونتيجة لضغوط شديدة ضد قطر من قبل قادة الخليج، إلى جانب ضغوط دولية أعقبت الاحتجاج الهولندي، تم إطلاق سراح العمال المختطفين إثر العدوان القطري على الديبل، وأفرجت قطر بعد مرور أكثر من أسبوعين على جريمتها عن العمال يوم 12 مايو 1986.

بعد ذلك أخذت قضية العدوان القطري على الديبل مسارا أجبر قطر على القبول بخطة للتسوية السلمية. ونجحت السعودية إلى جانب الإمارات والكويت وعُمان في الانتقال بالخلاف إلى طاولة التفاوض. ومن خلال رصد السلوك القطري الراهن، وبعد مرور 32 عاما على واقعة الاعتداء على سيادة البحرين نجد أن العقلية التآمرية التي تتحكم بقطر وسياستها لم تتغير حتى اليوم.

رابط المقال بجريدة العرب: العدوان القطري على جزيرة الديبل البحرينية ونوايا الدوحة

 بقلم: د سالم حميد