تتشابك تطورات المشهد الإقليمي في هذا الأسبوع على الساحات الرئيسة (اليمن والعراق وسوريا)، لتبدو وكأنها مترابطة بما يجري في طهران من تطورات تتعلق بمستوى الضغوطات الجديدة التي يواجهها النظام الإيراني، والتي بدأت بعض من نتائجها بالظهور إلى سطح الأحداث، متراكمة فوق ما سبقها من تطورات تساهم جميعها في زعزعة شرعية النظام الإيراني.

 

إذ ما يزال النظام الإيراني يحاول مراوغة التهديدات الأميركية بفرض عقوبات جديدة من المفترض أن يبدأ تطبيقها في الشهر القادم، ويصطف إلى جانبه – حتى اللحظة-  القوى الأوروبية الرئيسة، ذات المصالح الاستثمارية في إيران، وبالطبع روسيا والصين.

هذا الاصطفاف الأوروبي، والذي يأتي خارج النسق المعتاد في التنسيق المشترك مع الولايات المتحدة في غالبية القضايا الدولية، يعود إلى مسببات عدة، لعل من أبرزها:

الحرب التجارية التي يشنها ترامب على حلفائه الأوروبيين والدوليين، في عملية يشبّبها بعض المختصين بأنها تهدم الاقتصاد الدولي الليبرالي والعولمة التي قامت عليه، في عودة فجة إلى الحمائية الدولية التي كانت في المرحلة التجارية (الميركنتلية)، حيث تتحول الدولة إلى جهاز حمائي لمصالحها التجارية فقط.

أصحاب هذه النظرية، يرون أنّ ما تقوم به الولايات المتحدة، يدفع بحلفائها بعيداً عنها، خشية الأضرار التي تتوسع أكثر، وربما يكون ذلك صحيحاً بشكل جزئي، حيث تسعى القوى الأوروبية إلى استخدام الملف الإيراني لمناهضة التوجهات الاقتصادية الأمريكية الجديدة.

وما يؤكد ذلك، هو استقبال أوروبا لروحاني، واستمرار التنسيق معه، بل والإعلان أن إيران ما تزال ملتزمة بالاتفاق النووي من جانبها، وأن الولايات المتحدة هي من يسعى إلى نقض الاتفاق.

يتعزز هذا التوجه الأوروبي كذلك، من خلال الضغط على إيران للتوقف عما تروجه من تهديدات بانسحاب مقابل من الاتفاق، والعودة إلى مستويات التخصيب النووي الذي كان قبل الاتفاق، أي إن أوروبا (القوى الأساسية) تشير إلى طمأنينتها تجاه الملف النووي الإيراني الحالي، ولا ترى أي مبرر في التصعيد الأمريكي القائم.

كما تحاول هذه القوى، توفير بعض الدعم للشركات التي تتعامل، أو ستتعامل مع إيران، وتحديداً هنا الشركات الصغرى والمتوسطة، فهذه الشركات أقل قلقاً من الشركات الكبرى، سواء نتيجة عدم وجود مصالح لها في الولايات المتحدة أو مع شركات أميركية، أو نتيجة أنها تتلقى دعماً من الحكومات الأوروبية، أو أنها قادرة على تجاوز العقوبات المصرفية المتعلقة بالدولار، واعتماد اليورو عملة استثمارية لها، بدعم أوروبي.

لكن حدود أوروبا في تغيير المشهد الإقليمي يبقى أقل من التصريحات التي تظهر إلى العلن، وخصوصاً أن حجم المصالح الأوروبية (بل والتحالفات السياسية)، يبقى أكبر بكثير مع الولايات المتحدة، ولا يمكن أن تنجرّ أوروبا – حالياً على الأقل- إلى تحدي الرئيس ترامب، وهي تدرك تماماً أنه سيدفع بها إلى أقصى حدود هذا التحدي، وأنه لن يقيم أية اعتبارات سوى للمصالح الاقتصادية الأميركية.

وللتأكيد على ضعف حجم التأثير الأوروبي، نلحظ أن مطالب إيران بحصولها على تعويضات عن انسحاب الشركات الكبرى منها، وإيجاد حلول لتفادي مزيد من ذلك، لم تلقَ آذان صاغية في أوروبا، بل أعلن الاتحاد الأوروبي، ومن خلال المسؤولين الفرنسين تحديداً، أنه لن يستطيع تعويض إيران عن ذلك.

ولم تستطع الدول الأوروبية الكبرى، إيجاد حلول للأزمة القائمة، وجلّ ما ذهبت إليه هو تأكيد التزام إيران بالاتفاق النووي، وتأكيد حقها بتصدير النفط، وبحقها في امتلاك علاقات اقتصادية دولية آمنة وحرة.

هذا الإخفاق الأوروبي، ألقى بظلاله على النظام الإيراني، الذي يدرك حدة الأزمة -غير المسبوقة- التي تنتظره، وأن ما يظهر منها حتى الآن هو التداعيات الأولى لانفجار شعبي وانهيار اقتصادي بات وشيكاً للغاية، وعليه يأتي توجيه المرشد للحكومة لبحث أسباب تداعيات سعر الصرف وإيجاد حلول، ورغم أن النظام يدرك مسببات ذلك، لكنه يحاول على الأقل تهدئة الشارع المحتج بعنف، والإيحاء إعلامياً أن الحكومة تعمل على حل الأزمة، فيما يشكل اعتراف النظام بوجود أزمة صرف حادة، تترافق بأزمة اقتصادية أكثر حدة، يشكل هذا الاعتراف العلني، بداية تحضير لما يمكن أن يؤسس لمفاوضات مع الولايات المتحدة لاحقاً، بوساطات أوروبية وسواها.

غير أن النظام الإيراني، ووفق تركيبته العصية على التفاوض وتبادل المنافع، لن يرضخ للتهديدات الأميركية، قبل أن يستنزف كل خياراته البديلة، وخصوصاً أن براغماتيته المعهودة سابقاً تشير إلى احتمال كبير لقبول الشروط الأميركية، والانقلاب عليها بعد تغير الوضع في الولايات المتحدة.

ومن أبرز التعبيرات عن أزمة النظام، ومحاولة إيجاد مخارج – غير تفاوضية- لها، محاولات إقناع الولايات المتحدة بتخفيف الضغط القائم، عبر التهديد، وذلك من خلال تصريحه غير الواثق والمتردد، حول إغلاق مضيق هرمز في حال مُنِعت إيران من تصدير نفطها.

أي أن النظام الإيراني (في حالة نكوص)، ساعياً إلى استخدام (فزاعات) سابقة، بغية تهديد الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لإقناعهم بالتخلي عن الضغوطات، لكن بمجرد أن أظهرت الولايات المتحدة حزمها في التعامل مع هكذا تهديد، حتى تراجعت إيران عنه.

تدرك إيران أن إغلاق المضيق ما عاد يشكل ذات الخطر على صادرات النفط الخليجية، حيث أن السعودية (المنتج الأكبر) باتت تمتلك شبكة أنابيب قادرة على نقل نفطها براً إلى البحر الأحمر، وربما نفط بعض دول الجوار كذلك، فيما يمكن خلال أشهر قليلة، توفير بدائل برية وبحرية، عدا عن الأضرار التي ستطال دول الخليج العربي هي أضرار قصيرة الأجل، فيما سيكون المتضرر الأكبر هو مصالح المستهلكين على المدى المتوسط والبعيد، نتيجة الارتفاع الحاد لأسعار النفط دولياً، أي أن إيران في حال اتخذت هذا الخيار، فإنها بذلك تقدم خدمة لأسعار النفط المتهاودة منذ عدة سنوات، وتعرّض نفسها لعملية عسكرية انتقامية دولية تقضي على غالبية قوتها.

لا يعني ذلك أن إيران لن تستخدم هذا الخيار بالمطلق، ولكن يبقى خياراً ضعيف الاحتمال للغاية، وهو خيار يأتي بمثابة الانتحار أو مواجهة شاملة في حال أدرك النظام أنه ما عاد قادراً على الاستمرار، واحتفظ بقوته دون أن تقع في يد مناهضيه. علماً أن دولة الإمارات العربية المتحدة كانت مستعدة لسيناريوهات مواجهة هذا الاحتمال، وذلك عبر مد خطوط أنابيب برية تربط حقول الإنتاج في الدولة بموانئ إمارة الفجيرة.

وحيث أن كافة الملفات الأخرى في الإقليم، مرتبطة بهذا الحدث – بشكل مباشر أو غير مباشر-، يلحظ أن أزمة إيران تمتد إلى الداخل العراقي، من خلال عدم التوصل إلى بناء حكومة جديدة، رغم مضي قرابة شهرين على الانتخابات البرلمانية، وما تزال الخلافات قائمة ضمن البيت الشيعي، حول التحالفات، وفرز الأصوات، والاستهداف المتبادل داخل هذا البيت.

يعود هذا الخلاف إلى استحكام القوى الشيعية بالمشهد العراقي بشكل مطلق، حيث لم يعد هناك دور فعال للقوى الكردية والسنية، وحيث أن القوى الشيعية – في غالبيتها العظمى إن لم يكن جميعها- موالية لطهران، فإنها بدأت تمر بمرحلة التنازع/التنافس الداخلي، لاقتسام المصالح في العراق، في ظل غياب تهديد القوى الأخرى.

يؤكد هذا النزاع على حجم التدخل الإيراني من جهة، من خلال حجم هذه القوى وتعدادها، لكنه يشير كذلك إلى تراجع قدرة إيران على ضبط الخلافات الداخلية التي نجحت في إدارتها منذ احتلال العراق،  وهذا التراجع عائد بدرجة كبيرة إلى العوامل التالية:

  • انشغال النظام الإيراني بأزماته الداخلية من جهة.
  • الضغط الدولي على إيران، وعلى القوى الموالية لها، في العراق.
  • الإنهاك الذي طال إيران وميليشياتها بعد مواجهات محلية وإقليمية لسنوات.
  • دخول الميليشيات والقوى في مرحلة النزاع على المكاسب (غنائم الحرب وغنائم السيطرة على الدولة)، وهو ما تؤكده مستويات الفساد العليا للغاية في العراق.
  • عدم رغبة إيران في وجود قيادة مستقرة وقوية على رأس الحكومة العراقية، بما يشكل ضرراً بالمصالح الإيرانية في العراق، وعلى رأسها السطو على النفط العراقي، فإيران لن تتخلى عن العراق إلا في ظل مواجهة قاسية للغاية، لكنها ستحافظ عليه ضعيفاً ضمن مشروعها (وكذلك سوريا).

غير أن المشهد، وإن تأخرت نتائجه، يوحي – وفق المعطيات الحالية- إلى تشكيل حكومة عراقية تضم بعض الشخصيات الموالية لإيران بشدة، مع شخصيات ذات خطاب يتقرب من الولايات المتحدة والسعودية معاً، بما يضمن دعم الشرق والغرب، ويحافظ على وضع العراق على ما هو عليه.

لكن هذه النزاعات ستفضي إلى إقصاء الأضعف بين تلك القوى، لصالح تمركز القوة في يد جهات أقل، على رأسها الصدر (في حال لم يتم استهدافه)، وبعض قيادات الميليشيات وعلى رأسهم العامري والخزعلي،  وكأنّ العراق يتم تدويره بين القوى الشيعية السابقة التي استُنزِفت لصالح قوى شيعية جديدة تستعد لمتابعة منهج مشابه.

في المقابل، بدأت إيران تشهد استقراراً في مشروعها في سوريا، مع القضاء على غالبية مناطق المعارضة، وتهجيرهم أو إجبارهم على الانضمام لقوات النظام السوري، فيما تسيطر – بشكل مباشر وغير مباشر- على المؤسسات العسكرية والأمنية بدرجة أولى، وعلى المؤسسات الإدارية للدولة.

رغم ما يقال عن انسحاب عناصر إيران وحزب الله من سوريا، أو من المؤسسات العسكرية السورية، لكن هذه الأطراف موجود من خلال عناصر تحمل وثائق سورية منذ عدة سنوات، وتضبط أية توجهات داخل النظام، ومسؤولة عن كثير من التصفيات الداخلية.

وسيعزز الوضع الجديد في سوريا، من دور حزب الله في لبنان، والذي سيصوّر المشهد وكأنه انتصار (حلف المقاومة)، وهو ما سيشكل تحدياً جديداً في مواجهة تشكيل حكومة الحريري (المتعثرة حتى الآن)، وستكون مقيدة بإملاءات وضغوط حزب الله وحلفائه.

ورغم ما يتم تسريبه بين الفينة والأخرى عن احتمال مواجهة بين الحزب وإسرائيل، لكن لا يبدو أن إسرائيل ترغب في هذه المواجهة بشكل مباشر حالياً، فيما كانت متاحة لها طيلة السنوات الماضية، وفي ظروف كان الحزب في غاية الانشغال عن الجبهة اللبنانية الجنوبية.

وخصوصاً أن إسرائيل قد عززت من وجودها في الجولان، ضمن ما يقال إن صفقة بين النظام وإسرائيل، يتم بموجبها السماح للنظام باجتياح درعا، في مقابل تنازل غير معلن عن المطالبة بالجولان لاحقاً من قبل ذات النظام، وهذا ما جعل إسرائيل تتغاضى عن وجود عناصر حزب الله وإيران ضمن القوات “السورية” التي تجتاح درعا.

ينعكس انخفاض التهديد الذي يواجهه المشروع الإيراني في سوريا، على ساحة اليمن، وخصوصاً مع إعلان قوات التحالف مقتل عدد من عناصر حزب الله في لبنان، وخطاب نصر الله التحريضي إلى جانب الحوثيين (وهو خطاب يذكّر بخطاباتها تجاه النظام السوري عام 2011-2012)، عدا عن إعلان أبو الولاء الولائي، زعيم ميليشيا سيد الخلق، التابعة للحشد الشعبي، استعداده للمشاركة إلى جانب ميليشيات الحوثيين، وما أُعلِن عنه من زيارات مكثفة من قبل قيادات حوثية إلى العراق.

ويبدو أن إيران تتحضر إلى نقل بعض عناصر ميليشياتها التي قاتلت في سوريا – إن لم تكن فعلت ذلك مسبقاً- إلى اليمن، لمساندة الحوثيين، فإيران ستسعى إلى تكرار النموذج السوري (والعراقي واللبناني) في اليمن، من خلال السلاح الإيراني الأبرز (الإمداد البشري الشيعي).

ما يتطلب تحضيراً مكثفاً لمراقبة الشواطئ التي يمكن أن يتسلل منها عناصر تلك الميليشيات من جهة، وعدم الثقة بأية نتائج تفاوضية يوافق عليها الحوثيون، وخصوصاً أن تاريخهم يؤكد استعدادهم للانقلاب على أي اتفاق بمجرد تمكنهم من ذلك.

ما يعني ضرورة اشتراط سحب كافة أسلحتهم الثقيلة وفي وجود مراقبة من التحالف، إذ إن المراقبة الدولية تبقى مشكوكاً فيها، وخصوصاً مع تداعي بعض الحكومات الغربية، أو قوى مدنية غربية، للضغط على التحالف بحجج إنسانية، لإيقاف عملياته العسكرية، فيما يتجاهل ذات الحجج في مناطق أخرى في اليمن، أو مناطق تسيطر عليها ميليشيات شيعية في الشرق الأوسط.

وخصوصاً أن التحالف قد أظهر حرصه على المسائل الإنسانية في عدة ملفات، لذلك تظل هذه الدعوات، هي دعوات تصب في صالح إبقاء الحوثيين قوة عسكرية في اليمن، تستنزف دول الخليج العربي، وعليه ليس من المستبعد أن تلجأ بعض القوى الأوروبية إلى محاولة التضييق لاحقاً على دول التحالف في المنظمات الدولية، أو من خلال الدعوة إلى مؤتمرات تفاوضية دولية، تقر بالحوثيين قوة فاعلة وأساسية في اليمن.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

9 يوليو 2018