بعد افتعاله للأزمة الراهنة، صب اهتمام تنظيم الحمدين على البحث عن طرق وأساليب للحفاظ على عرشه، بدلا من البحث عن حلول لهذه الأزمة التي تنهش بجسد الدول القطرية وتفتح الأبواب أمام الأعداء الأمة لتحقيق أجنداتها ومخططاتها الخطيرة على حساب الشعوب والدول العربية، بل أنه غض الطرف عن كل الحلول وسد الطريق أمام كل الخيارات والفرص لحل الأزمة، وكان ولا يزال يبحث فقط عن طرق وأساليب تساعده على البقاء والحفاظ على عرشه، منها الارتماء بأحضان إيران وشراء الذمم والمواقف السياسة بدفع الأموال والرشاوي، وأيضا لجوئه إلى “البريتوريانية” كوسيلة لضمان سيطرته على البلاد.

والبريتوريانية تعني إطلاق العنان للجيش داخل البلاد، وتوسيع نفوذه السياسي والاقتصادي والأمني والاستخباراتي بهدف السيطرة الكاملة على شؤون البلاد، وهذا المصطلح يعود إلى زمن روما القديمة، والتي اشتهرت بسيطرة قوات العسكر فيها على شؤون البلاد من تنصيب وعزل وقتل وإشراف كامل على سياسات الداخل والخارج.

ولا شك فإن لجوء النظام إلى البريتوريانية لإدارة شؤون البلاد، يعني أن النظام في حالة وهن شديد، وأنه لا يتمتع بقاعدة شعبية أو تحالفات دولية، ولا يضطر إلى مثل هذه السياسات إلا الأنظمة التي تشعر بأنها فاقدة للشرعية، ولا تحظى بقول سياسي من الداخل ولا من الخارج، وتخشى على نفسها من السقوط، فتلجأ إلى هذه السياسة بهدف الضغط على الداخل وتقييده من أجل الحفاظ على نفوذها في النظام السياسي.

وحاليا يلجأ النظام القطري إلى هذه السياسية كنوع من استخدام القوة للبقاء في الحكم، بعد أن شعر بأنه فاقد للشريعة من الداخل ومعزول من الخارج، وأصبح يخشى على نفسه من السقوط في أي لحظة، ولا سيما بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف خزينة الدولة التي اعتمد عليها في صموده حتى الآن.

هذه السياسة تعتبر سلوك تعسفي ظالم تجاه المجتمعات ومؤسسات الدولة بشكل عام، وباتجاه الإدارة السياسية الداخلية بشكل خاص، وهي في الواقع ممارسة لإرهاب الدولة ضد الشعب، ومنظومة تعسفية تقيد كافة أنشطة الدول وحرية المجتمعات وتعزلها بشكل كامل عن الديمقراطية، وترتبط ارتباطا وثيقا “بمعادلة الفساد مقابل الولاء”، وهو ما يفسر تفشي الفساد في كافة أركان ومؤسسات الدولة القطرية، حيث أصبح الجيش القطري يقود شؤون البلاد وينوب عن كافة الوزارات في إدارة السياسة الداخلية والخارجية والإشراف الأمني والاستخباراتي، ويعقد الاتفاقيات ويشرف على القطاعات الاقتصادية والأجهزة الأمنية.

هذه السياسة بدأت واضحة في قطر بعد اندلاع الأزمة الراهنة، وارتماء الحمدين بأحضان الحرس الثوري الإيراني، ما يشير إلى أن البريتوريانية هي دخيلة على النظام القطري من قبل الحرس الثوري، فطريقة انتشار نفوذ الجيش القطري في مؤسسات البلاد هي نسخة أصلية عن النهج الذي اتبعه الحرس الثوري في السيطرة على كافة شؤون البلاد.

فهذه السياسة هي نفسها التي يتبعها النظام الإيراني الحليف للحمدين منذ استلامه زمام الأمور عام 1979، حين شكل قوات الحرس الثوري وقام بتهميش الجيش الإيراني، ومنح الحرس الثوري كافة الصلاحيات وفتح الأبواب له للنفوذ في القطاعات الاقتصادية والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، حتى أصبح الحرس الثوري يسيطر على نحو 80% من اقتصاد إيران، ويشرف على سلوك وأنشطة الأجهزة الدبلوماسية والسفارات والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية.

ومع أن هذا النهج قد يقي النظام من السقوط لوقت ما، إلا أنه سيتحول إلى سبب رئيسي في سقوطه من الداخل، بسبب ما ينتجه من غليان شعبي ورفض مجتمعي قد ينفجر في أي لحظة ويسقط هذا النظام بثورة شعبية عارمة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 يوليو 2018