عن مؤلف الكتاب:

بن رودس:

يهودي – مولود في نيويورك 14 نوفمبر 1977 ويحمل شهادة ماجستير في الكتابة الإبداعية New York University

طريق رودس إلى البيت الأبيض بدأ في 11 سبتمبر 2001 كما يقول،كان يدرس للحصول على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك عندما رأى أول برج تجاري في مركز التجارة العالمية ينهار، حينها علم أن عليه “أن يكون جزءًا مما سيحدث في العالم بعد ذلك”، انتقل رودس بعدها إلى واشنطن ، وحصل على وظيفة في مؤسسة فكرية، حيث ساعد هناك على كتابة تقرير مجموعة دراسة العراق، وهو تقييم صادر عن الكونغرس يدعو إلى انسحاب تدريجي للقوات الأميركية، وفي عام 2007 أصبح رودس كاتباً لخطابات أوباما في حملته الانتخابية، وبعد الانتخابات، انتقل إلى البيت الأبيض ليعمل ككاتب لخطابات الرئيس ومن ثم كنائب لمستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية وكتابة الخطابات.

يحاول رودس في كتابه تقديم مشاهداته، انطباعاته والدور الذي قام به بدءاً من مشاركته في الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي “باراك أوباما” مروراً بفترة وجوده في البيت الأبيض، بطريقة شيقة وجذابة لا يخفي فيها إعجابه الشديد بشخصية أوباما وبالدور البطولي الذي يقوم بلعبه في العالم (لطالما ردد أنه كان دائماً يبحث عن بطل – I wanted a hero).

على الرغم من أن الكتاب لم يظهر الكثير من خفايا أروقة صنع القرار في البيت الأبيض، إلا أنه يمكن القول أن ما قد أضافه هو تلك القصص والمحادثات الشخصية وتفاصيل الأحداث الكبيرة والخيارات المتاحة للكثير من القرارات التي اتخذت على الصعيد الخارجي والتي أعطت طابعاً تشويقياً ودرامياً إضافة إلى ما تضمنه الكتاب من محاولات التبرير التي ساقها رودس لقرارات وسياسات الرئيس أوباما وإظهاره بمظهر الشخص المحق دائماً، إضافة إلى نظرة نادرة على أكثر اللحظات تأثيراً وتوتراً لرئاسة أوباما، فمن انتظار الغارة على مقر بن لادن في غرفة العمليات، إلى طريقة الاستجابة لأحداث الربيع العربي، إلى التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران وإجراء مفاوضات سرية مع الحكومة الكوبية لتطبيع العلاقات، وليس انتهاءً بمحاولات مواجهة التعصب الذي رافق انتخاب دونالد ترامب.

من خلال الغوص في تفاصيل الكتاب وقراءة ما بين سطوره، يمكن أن تلمس ربما وجود جهل أو سذاجة لدى الرئيس باراك أوباما، وخاصة في بداية ولايته الرئاسية الأولى، في إدارته للعبة السياسة على المستوى الخارجي وكيف شكل خطابه السياسي وتواصله مع الجمهور لب العمل السياسي لديه على المستوى الخارجي والأولوية الكبرى التي أولاها لذلك، والتي عكست مدى اهتمامه وحرصه على الطريقة التي سوف يظهر بها أمام الناس، لكن الأحداث التي  يسردها رودس لاحقاً تُظهر أن هذا كان نتيجة لحرص أوباما الشديد على عدم تكرار أخطاء الإدارة السابقة على المستوى الخارجي، خاصة في العراق، وهو ما يفسر خشيته من أي تصعيد أو سلوك أي منحدرات خطرة في أمور شائكة عدة كعدم تحمل أي مسؤولية في ليبيا ما بعد القذافي وعدم إرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا، أو النظر بجدية في الخيارات المتاحة في سوريا، ويقول أوباما: ” أهم شيء يجب أن يفعله الرئيس في السياسة الخارجية هو تجنب الخطأ المكلِّف، لننظر إلى جونسون في فيتنام، كارتر في مخلب النسر و بوش في العراق، الدرس؟ يتابع أوباما، “لا تفعل شيئاً غبياً”.

من أهم الخطابات التي قام رودس بكتابتها لأوباما تلك التي ألقاها بجانب قوس النصر في برلين قبل انتخابه، وفي هافانا خلال زيارة لتطبيع العلاقات مع كوبا وخطابه للعالم الإسلامي في جامعة القاهرة عام 2009.

  • الكتاب يقع في أربع فصول، اثنين وثلاثين جزءاً وعدد من الصور.
  • كيف يرى رودس أوباما؟ أوباما بالنسبة لرودس هو رجل ذو قدرات هائلة، ذكي جداً، منضبط ومهذب، يمتلك مشاعر كبيرة التي لا يخجل من إظهارها.
  • يقر عنوان كتاب رودس بأن العالم سيبقى كما هو، فاسد وغير قابل للإصلاح، وسوف يطغى دائماً على ما يجب أن يكون عليه هذا العالم.
  • كل مافعله أوباما أو ما لم يفعله كان صحيحاً بالنسبة لرودس، أوباما لم يخطئ أبداً: فالاتفاق الإيراني كان صحيحاً ووعداً انتخابياً، كان عليه تحقيق فتح صفحة جديدة مع بعض الدول المارقة، وهو كان على حق أيضاً في عدم التدخل في سوريا بالرغم من كل ما فعله بشار الأسد. لا يمكن التعويل على أن هذه قناعة رودس التامة ولكن بما أنه كان جزءاً من هذه القرارات فكيف له أن ينتقدها!

يستحوذ الكتاب على عنوانين رئيسيين:

  • الأول: الصراعات السياسية على المستوى الداخلي بين الحزبين الرئيسيين والضغط الذي تعرض له أوباما خلال تعامله مع الحزب الجمهوري المعارض له بشدة، وكيف يلعب فصل السلطات في الولايات المتحدة دوراً في الحد من سلطات الرئيس.
  • الثاني: السياسة الخارجية لأميركا وطريقة التعامل مع القضايا الرئيسية وخاصة في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

يحاول رودس منذ البداية إعطاء انطباع للقارئ يقول بأنه يستطيع قول أي شيء، حتى ولو كانت المؤسسة التي يشكل هو جزء منها، فيقول مثلاً أن السياسة الخارجية الأميركية تعيش حالة من الانفصام وليس المثال على تحول المقاتلين ضد الشيوعية في أفغانستان والمدعومين من أميركا في ثمانينات القرن العشرين إلى مجاهدين يقاتلونها في القرن الواحد والعشرين إلا مثالاً بسيطاً عن ذلك.

كما يصف رودس السياسة الخارجية الأميركية قبل الربيع العربي بأنها كانت سياسة روتينية في ظل غياب أزمات دولية، فالسياسة في تلك الفترة كانت تركز على سبيل المثال على الاستراتيجية في أفغانستان، الانسحاب من العراق، التفاوض على معاهدة جديدة للحد من الأسلحة مع روسيا أو فرض عقوبات على إيران.

بالنسبة لرودس، كان الربيع العربي الفترة المفصلية في سياسة أوباما الخارجية، فقبل بدء ثورات ما يسمى بالربيع العربي، بدا أن الإشراف مثلاً على إبرام معاهدة ستارت جديدة مع روسيا حول الأسلحة النووية هو أكبر شيء ممكن أن يكون جزءًا في صنعه، أما بعد بدء هذه الثورات، يقول رودس: كل تصريح أدلينا به، في كل اجتماع كنت فيه، وفي كل قرار كان يتعين على أوباما اتخاذه، بدا وكأنه أهم شيء كنت قد شاركت فيه – أردت أن نفعل شيئًا هناك، وأن نصنع الأحداث بدلاً من مراقبتها .

عندما امتلأ ميدان التحرير في القاهرة بالحشود المطالبة برحيل حسني مبارك، يقول رودس، كان موظفو البيت الأبيض الشباب يرون أنها فرصة لا تعوض من أجل الإصلاح في العالم العربي، معتقدين أنه سيكون خيانة لما دافع عنه أوباما إذا ما اختارت الولايات المتحدة الجانب الخطأ من التاريخ، يضيف رودس، طلب مني أوباما بأن “أجهر بالكلام” في الاجتماعات التي كانت فيها هيلاري كلنتون وآخرون يحاولون التمسك بالدكتاتور المصري، وكأنه يقول بأن أوباما كان بحاجة إلى دعمه.

قال الرئيس: “لا تتراجع لمجرد أنهم مسؤولون في الإدارة، أنت تعرف من أين أتيت أنا، نحن أصغر سناً”… هيلاري كانت تصر على أن الحكومة المصرية مستقرة بينما قال بايدن في مقابلة له أن مبارك ليس ديكتاتوراً.

في الأحاديث الخاصة، كان يقول أوباما بأنه يتعاطف جداً مع أولئك المتظاهرين في الشوارع ولو كان الأمر بيده لجعل ” الشاب جوجل”، في إشارة إلى الناشط “وائل غنيم”، رئيساً لمصر.

أروقة البيت الأبيض، بعناصرها الشابة، كانت تدفع باتجاه فعل شيء ما، عندما كتب رودس بيان البيت الأبيض والذي كان في مجمله يدعم المتظاهرين، قام كبار مستشاري أوباما بتعديل كل كلمة عن حقوق الإنسان وشكاوى المتظاهرين، يقول رودس، “في حين أن كل ما تبقى من البيان كان دعوات للمتظاهرين بأن تكون تحركاتهم سلمية، وطبعاً مع إظهار التأييد للحكومة المصرية، يتابع رودس: “استخدم أوباما البيان الذي كتبته بشكل حرفي تقريباً في نهاية الأمر.”

في هذه الأثناء سمعت أن سفراء المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما من أقوى المبعوثين في واشنطن، كانوا يخبرون الناس في الصحافة ومؤسسة السياسة الخارجية أن أوباما تم نصحه بشكل سيء من قبل الشباب من أمثالي والذين كانوا أكثر اهتماما بالحفاظ على العلامة التجارية لأوباما – في أتباع المثالية السياسية – بدلاً من الإصغاء إلى الحكماء الذين يعلمون أن الديمقراطية لا يمكن تطبيقها في الشرق الأوسط، لقد كان هذا بداية لحملة طويلة استمرت لعدة سنوات من قبل هذين البلدين لاستعادة الديكتاتورية في مصر، واللتين نجحتا في نهاية المطاف، يقول رودس.

في 11 شباط تنحى مبارك، صعدت إلى المكتب البيضاوي في ذلك الصباح لمراجعة الخطاب الذي سيلقيه أوباما، وقال لي: “أحد الأشياء التي جعلت الأمر أسهل بالنسبة لي هو أنني لم أكن أعرف مبارك بشكل جيد”. “لو حصل الأمر ذاته مع الملك عبد الله،” قال أوباما، في إشارة إلى الملك الأردني الذي أقام معه علاقة صداقة، “لا أدري إن كنت أستطيع فعل الشيء نفسه”. لربما هذا يقودنا ثانية إلى مدى فهم أوباما لطبيعة العلاقات بين الدول وكيف أنه أدخل العلاقة الشخصية في علاقات الدول وكيف قاد قراره بالتخلي عن مبارك إلى انقسامات حادة داخل إدارته.

يقدم رودس نظرة جديدة لطريقة تعاطي أوباما مع الوضع في سوريا بعد تجاوز دمشق للخط الأحمر الذي قام هو نفسه بوضعه، ففي الوقت الذي كان فيه الكونغرس ينظر فيما إذا كان سيأذن بضربة عسكرية ضد دمشق، يقول رودس، أدركتُ أن الرئيس “كان مرتاحًا لأي نتيجة قد يتوصل إليها الكونغرس،  فإذا فزنا بالتخويل، سيكون أوباما في موقف قوي للتحرك في سوريا، وإذا لم نفز، يضيف رودس، فبذلك نكون قد أنهينا دورة الحروب الأميركية لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط.

ولكن رودس نفسه يقولها صراحةً بأن هذا أصابه بالإحباط لأنه لم يستطع فعل شيء من أجل الوصول إلى قرار بضرب سورية : ” على الرغم من أن كل شيء كنت أفعله خلال الأيام القليلة الماضية – وحتى كل ما كنت أتناقش بشأنه خلال العامين الماضيين – قد كان في سبيل البناء لضرب صواريخ الكروز على سوريا في اليوم التالي، كان الأمر كما لو أن أوباما أجبرني أخيراً على التخلي عن جزء من هويتي – الشخص الذي كان ينظر إلى سوريا ويشعر بأن شيئاً ما يجب فعله.”

لم يقدم رودس أي إجابة عن سبب هذا الحماس لضرب سورية وحتى أنه لم يقدم أية رؤية فيما يجب فعله في حال تم ضربها، حتى أنه نفسه كان يقول بأنه لم يكن يملك أي إجابة عندما يسأل أوباما ” ما الذي سيحدث بعد أن نضرب مدارج المطارات وتقوم روسيا وإيران والأسد بإصلاحها؟”،  كان أقصى اهتمام رودس منصباً على الوقت الذي يجب أن يلقي فيها أوباما خطابه للإعلان عن الضربة.

يقر رودس لاحقاً في الكتاب بأن خيار أوباما كان صائباً ” كان عدم تحركنا في سورية مأساة، ولكن تدخلنا ما كان إلا أن يزيد تلك المأساة تعقيداً، لقد حاول أوباما البحث عن الخيارات التي يمكن أن تحدث فرقا إيجابيا، لكنه لم يعثر على أي منها.”

لقد كانت موافقة الروس على نزع السلاح الكيماوي السوري هي المخرج الوحيد لأوباما لتجنب حرب ضد سوريا لم يكن مقتنعاً بها ولا بدوافع أولئك الذي حاولوا الدفع تجاهها، رودس لم يذكر الكثير عن ذلك ولكن نقله عن أوباما قوله بأن” أولئك الذين كانوا يدفعون نحو التدخل في سوريا كانوا صامتين تماماً عندما قُتل ملايين الناس في جمهورية الكونغو الديمقراطية،” قد يشي ضمناً بما كان يدور في خلد أوباما وفي شكوكه تجاه أي حرب في سورية.

في ليبيا، بدت سياسة أوباما تجاه ما يحدث هناك منذ البدء غير واضحة وبدا متردداً في اتخاذ أي قرار للتدخل، رافق هذا عدم رغبة من معظم أعضاء الإدارة الأميركية إضافة إلى الجيش الذي أوضح أن ليبيا ليست أولوية، فلقد كانت هناك حربان يتم التعامل معهما وليس هناك أي رغبة في التعامل مع واحدة أخرى، هذا الشيء تبدل وبدا أن الضغوط التي مورست على أوباما من الإعلام من جهة ومن الشركاء الأوربيين قد أتت أكلها، حتى بعض الزعماء العرب أخبروا هيلاري كلينتون أنهم مستعدون ليكونوا جزءًا من أي جهد لمعاقبة القذافي، وجد أوباما نفسه مضطراً، دون وجود أي استراتيجية، للتجاوب مع هذه الضغوط، لقد بدت الولايات المتحدة، من منظور ما يسرده رودس، أنها لا تمتلك أي استراتيجة أو أهداف بعيدة وإنما تعمل بناءً على ردات الفعل وما يضغط به الآخرون.

قررت الولايات المتحدة التدخل وفرض حظر جوي، وبعث القذافي برسالة تحدي إلى أوباما قال فيها: “نحن في ليبيا نواجه إرهابيي القاعدة، في ليبيا لا توجد مطالب سياسية أو إدارية، ولا توجد أية نزاعات … إذا قررت أنه لا يجب محاربة الإرهاب، فعندئذ لم لا نتفاوض مع بن لادن”.

عندما قُتل القذافي، قال “جون برينان”، والذي كان مستشار أوباما لمكافحة الإرهاب، لرودس: ” إنها نهاية مناسبة لأحد أكبر الفئران في القرن العشرين”، لكن رودس يعترف بأن الإطاحة بالقذافي – رغم أن الهدف كان نبيلاً من أجل وقف المجازر –  كان قد أدى إلى الفوضى، فوضى قادت المنطقة إلى اضطراب عام وثورات ووحشية في كل من سوريا واليمن والبحرين. هنا ، أدرك رودس متأخراً، أن ليس كل ما يجري في العالم هو ضمن نفوذ أميركا.

يشرح رودس في الكتاب الدور الذي لعبه في المحادثات السرية مع كوبا ومفاوضاته مع “اليخاندرو كاسترو” ، ابن “راؤول كاسترو”، ويقول رودس: “لقد كان اليخاندرو لغزًا في الولايات المتحدة، لكنه كان أيضًا الوريث المحتمل للقيادة الكوبية، “يعتقد معظم المحللين أنه كان أقوى رجل في كوبا بعد راؤول وفيدل”.

في مرحلة ما من المناقشات، اقترح أليخاندرو أن تسترد كوبا القاعدة البحرية الأميركية والسجن في خليج غوانتانامو، إلى جانب السجناء المتبقين، يقول رودس متهكماً، “كوبا تعرف جيداً كيف تحتجز الناس”. لكن أوباما رفض العرض.

في مجلة New York Times Magazine لعام 2016، تباهى رودس في مقال صيغ بناءً على عدة مقابلات معه بإنشاء ما يسمى ب”غرفة الصدى” لخبراء وصحفيين داعمين للاتفاق النووي مع إيران من أجل دعم مصداقية هذا الاتفاق، في كتابه، يحاول رودس الرد على هذا الإدعاء بقوله: “لقد بدا هذا الأمر شيطانيًا ، كل ما قمت بقوله هو وصف أكثر الجوانب روتينًيةً في عمل الاتصالات، إحاطة الناس بالأخبار، نشر الوقائع ومن ثم الأمل في أن يشاركك أولئك الذين يتفقون معك وجهة نظرك في الأماكن العامة، لم يكن هذا مختلفًا أبداً عما يفعله مسؤول الاتصالات في البيت الأبيض لدعم إطلاق أي مبادرة سياسة جديدة”، لا يمكن البناء على دفاع رودس عما قام به ولكن لا يمكن أبداً أن نستثني أنه ربما كان يحاول إنجاح ما يقوم  به دون أية أهداف أخرى!

في كتابه، يبذل رودس قصارى جهده من أجل تسويق الصفقة النووية التي أبرمت مع إيران مدافعاً عما قامت به الإدارة الأميركية، وبهدف نفي الإدعاءات التي تقول بأن الصفقة كانت تغيراً مفاجئاً في السياسة الأميركية تجاه إيران، يقدم رودس تسلسلًا زمنيًا لتطور هذه العلاقة بدءاً من الوعود الانتخابية للمرشح الرئاسي باراك أوباما بفتح صفحة جديدة مع إيران، وغيرها من الدول، دون أية شروط مسبقة – إعلان عرّض أوباما للكثير من الانتقادات والتي لطالما دافع عن نفسه بالقول “الحديث إلى الآخرين ليس مكافئة لهم” – مروراً بإرسال رسائل سرية إلى المرشد الإيراني عام 2009، ومن ثم لقاء مساعد هيلاري كلينتون بالإيرانيين عام 2012 وصولاً إلى بدء المفاوضات مع وصول روحاني إلى السلطة، أي بحسب رودس، كانت الصفقة مع إيران تتويجاً طبيعياً لوعود أوباما وبعد فترة طويلة من التواصل وبعد وصول حكومة معتدلة إلى السلطة.

بالرغم من وعود أوباما الانتخابية المعلنة بخصوص إمكانية فتح علاقات جديدة معهم، لم يتلقف الإيرانيون هذه الدعوات بأي مبادرة تجاه الرئيس الأميركي الجديد، على العكس  كان باراك أوباما هو المبادر لبدء هذه العلاقات من خلال الرسالة السرية التي أرسلها إلى المرشد الإيراني علي خامنئي في عام 2009 داعياً إلى انفتاح للحوار حول البرنامج النووي، وكان الرد على الرسالة هو رسالة سرية مقابلة – يقول رودس- مليئة بالأمثلة والتذكير بجرائم ارتكبتها الولايات المتحدة في إيران، ولا سيما الدور الأمريكي في الانقلاب الذي أطاح بالحكومة الإيرانية في الخمسينات من القرن الماضي وأتى بالشاه، وفي هذا يضيف رودس: رسالة الإيرانيين انتهت بالقول أن التعامل بين الدول يجب أن تتحلى بـ “الشجاعة والاستقامة والتصميم”،  وهي عبارات استخدمها أوباما خصيصاً من أجل الإيرانيين بعد عدة أسابيع في خطابه للعالم الإسلامي في القاهرة في دعوة منه لتجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة.

الانتقادات اللاذعة التي تعرض لها رودس بخصوص الاتفاق النووي مع إيران – أكبرها كان في مقال مطول للصحفي ديفيد صامويل في جريدة النيويورك تايمز – وجد لها مكاناً للرد في كتابه، فصامويل يقول في معرض نقده لهذا الاتفاق أن الطريقة التي سمع بها معظم الأمريكيين قصة الصفقة مع إيران قُدمت على أساس أن إدارة أوباما بدأت بالتعامل بشكل جاد مع المسؤولين الإيرانيين بدءاً من عام 2013 – أي بعد وصول المعتدلين إلى السلطة في هذا البلد – لكن هذا كان مجرد ادعاء يهدف إلى التسويق للصفقة حيث كان مستشارو أوباما المقربون يعلمون دائمًا أنه كان تواقاً لعقد صفقة مع إيران منذ عام 2012.

رودس بالمقابل يحاول تفنيد هذه الادعاءات بالقول أن هذه كان وجهة نظر صامويل الخاصة تجاه الاتفاق النووي والتي حاول فيها إظهار الولايات المتحدة كشريك لإيران، يتابع رودس، أولاً، نحن لم نخف أبدًا اهتمامنا بعقد صفقة مع إيران منذ البداية؛ لقد كان هذا مفصلاً أساسياً من معركتنا الانتخابية عام 2008.

ثانياً ، نحن لم نجر أية مفاوضات جادة مع إيران قبل انتخاب روحاني. وثالثًا، نحن لم نسوق للصفقة باعتبارها استغلالاً للواقع السياسي الجديد في إيران، وإنما باعتبارها وسيلة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي.

كان من بين أولئك الذين عارضوا بشدة الاتفاق النووي مع إيران هي دول الخليج العربي، خاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، يقول رودس، بالرغم من عدم اعتراف هاتين الدولتين الخليجيتين بإسرائيل، فلقد جمهعهما الهدف ليقفا معاً في الضغط علينا، فبالإضافة إلى كونهما المنتج الرئيسي للنفط، فقد قام السعوديون والإماراتيون بضخ الأموال في مؤسسة الأمن القومي الأميركية        والاستثمار في المراكز البحثية والجامعات والشركات ودفعوا للصحفيين وغيرهم من النافذين في القطاع الخاص والمناصب الحكومية الرفيعة المستوى، لقد ضمنت الدعوات الإسرائيلية والخليجية المناهضة للاتفاق النووي مجتمعةً، فيضًا من التعليقات الداعية إلى موقف قاسٍ تجاه إيران، وحتماً تجاه سياسة أوباما الخارجية.

موقف رودس، وربما أوباما، من دول الخليج العربي، وبالأخص السعودية والإمارات العربية المتحدة، لم يكن فقط من خلال الحديث عن موقفهما من الاتفاق النووي مع إيران وإنما يمكن  أن تلمس معالمه بصيغة تهجمية وتهكمية ربما عند الحديث عنهما، أو ربما عن التوجه الديني هناك.

فالسعودية مثلاً بالنسبة لأوباما – بحسب رودس – تعيده بالذاكرة إلى الفترة التي كان موجوداً فيها في أندونسيا وكيف كان يرى فتيات يسبحن خارج المنزل طوال الوقت وبحرية كاملة، “ما من فتاة تغطي شعرها، كان ذلك قبل أن يبدأ السعوديون ببناء المدارس الدينية”، كما يضيف أوباما قصة أخرى عن والدته هذه المرة عندما كانت تعمل في باكستان: “كانت تركب مصعداً هناك، شعرها كان مكشوفاً وكاحليها ظاهرين، على الرغم من أنها كانت أكبر سنًا، لم يستطع رجل معها في المصعد تحمل الوقوف مع امرأة تكشف عن شعرها في هذه المساحة الضيقة وخرج يتصبب عرقاً عندما فتح الباب “، يتابع أوباما: “عندما يكون الرجال مكبوتين، فإنهم يقومون بأشياء مجنونة”.

أما رودس، فهو لم يخف شعوره تجاه بلدان الشرق الأوسط عموماً، فهو يقر بأنه كان جزءاً من مجموعة من الموظفين الشباب في الحكومة الذين تشاطروا نفرهم من الطريقة الفاسدة التي يُحكم بها الشرق الأوسط، فالقادة هناك هم مزيج من الأنظمة الملكية والأوتوقراطيات التي تستند في شرعيتها على حقوق عائلة ما بقطعة أرض، أو عسكريين أصروا على قمعهم من أجل إبقاء الأعداء بعيداً – الإسلاميون والإرهابيون وإيران – .

رودس ربط دائماً الموقف السعودي بالإماراتي في أي تحرك، فبالنسبة له، هاتين الدولتين هما اللتان دعمتا تحرك العسكر في مصر ضد الحكومة الشرعية المنتخبة  وهما اللتان قادتا حملة إعلامية شرسة ضد السفيرة الأميركية في القاهرة “آن باتيرسون” وتصويرها كشريكة للإخوان المسلمين.

في هذا يذكر رودس أنه تعرض لواحد من أكثر الأفعال وقاحة في حياته الوظيفية، حيث أرسل له السفير الإماراتي في الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، وهو رجل يعامل كصوت قيادي في شؤون المنطقة في أروقة السلطة في واشنطن  صورة ملصق تظهر السفيرة باترسون كشريكة للإخوان المسلمين دون أي رسالة أخرى مرفقة، وبعد بضعة أيام، تم الانقلاب على مرسي ووضعه في السجن، حيث لا يزال حتى يومنا هذا.

تولى الجنرال عبد الفتاح السيسي السلطة، والذي أظهر نفسه كمنقذ لمصر من الإسلاميين بدعم كامل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – الحليفتان لأميركا – واللتان عملتا على تخريب الديمقراطية وعملتا ضد سياسة الولايات المتحدة، والكلام كله لرودس.

حتى أن رودس لم ينس أن يذكر أن السعوديين والإماراتيين كانوا يتفاخرون في كل مكان بعلاقاتهم بعائلة ترامب، “هذه العائلة التي لديها الكثير لتكسبه من ثروات الخليج”.

وأخيراً، هل يمكن الربط بين الموقف من دول الخليج والموقف من إيران؟ ربما! رودس لم يذكر ذلك ولكن كان كتابه يضج بصمت مطبق عن أدنى انتقاد لإيران أو حتى لنظامها الديني! هل هي صدفة؟ ربما!.

بعد فوز ترامب، حاول أوباما وضع تصور لما حدث، “لقد فعلنا كل ما يلزم” يقول أوباما لرودس، “خفضنا معدلات البطالة، أسعار المشتقات النفطية انخفضت، الملايين من الأشخاص غير المؤمّنين سابقاً أصبح لديهم تأمين صحي الآن، ويتابع أوباما حديثه لرودس، “لقد قلل الليبراليون من أهمية الهوية للناخبين… ربما يريد الناس فقط العودة إلى قبيلتهم”.

رودس جتدل حينها بأن الشباب في جميع أنحاء العالم أكثر تسامحًا، وقال: “لم يصوت الشباب لصالح ترامب ، تمامًا مثلما لم يصوت الشباب في المملكة المتحدة لصالح Brexit”!

العالم كما هو، وبالرغم من الطبيعة الجادة التي يمكن أن يتخيلها القارئ، كان مليئاً بالمشاهدات الجانبية الطريفة في حين أو الغريبة في حين آخر والأمثلة كثيرة على ذلك: فهو يلاحظ أن مستشار الأمن القومي جيم جونز “كان لديه عادة غريبة”بالنظر إلى شخص آخر في الغرفة عند حديثه إلى أوباما”، وأما كوبا فيصف الأثاث هناك “بأنه خرج عن الأناقة منذ فترة طويلة وبالتالي فسيكون عصريًا جداً في بروكلين”، ويقتبس رودس أوباما في شكواه من أن التفاوض مع بنيامين نتنياهو يشبه التعامل مع الجمهوريين، أما نيكولاس ساركوزي ، الرئيس الفرنسي السابق، فهو بالنسبة لرودس شخص يعشق الظهور ويحب الأضواء.

يقوم رودس  أيضاً بذكر مواقف لا تخلوا من إيحاءات مخفية، فعندما كان  رفقة أوباما في روسيا، وعندما فتح باب غرفته،  قال :وجدت عاملة النظافة  تقف إلى جانب سريري وبجانبها ثلاثة رجال بأطقم سوداء يتفحصون في أشياءي، وعند دخولي، وضعوا كل شيء وخرجوا دون أي كلمة.

أما عن زيارته للسعودية، يسرد رودس موقفاً حدث معه في غرفة فندقه هناك قائلا: “عندما فتحت الباب، وجدت حقيبة كبيرة في داخلها الكثير من الجواهر. اعتقدت لوهلة أن هذه تمثل نوعًا من الرشوة للشخص الذي سوف يكتب خطاب الرئيس في القاهرة، إلى أن علمت من آخرين تلقوا نفس الحقيبة أنه لا يُسمح لك بالاحتفاظ بهذه الهدايا ما لم تكن على استعداد لتسديد تكلفتها ، والتي تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات!

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 يوليو 2018