كانت الإمارات سباقة في استشراف الأهمية المستقبلية للانفتاح الاقتصادي على الصين. ومنذ سنوات تعمقت مجالات التعاون التجاري والاستثماري مع الشريك الصيني، وفتحت مجالات التعاون بين البلدين آفاقاً رحبة لتدفق رؤوس الأموال الصينية التي استفادت من التسهيلات التي توفرها بيئة الاستثمار في الإمارات. وفي الوقت ذاته تفاعلت الرؤية الإماراتية المبكرة في هذا الاتجاه بشكل إيجابي وأسهمت عملياً في تشجيع القطاع الاقتصادي العربي ودفعه للانفتاح على عملاق الاقتصاد الآسيوي والعالمي. وعكَسَ ارتفاعُ مؤشرات التبادل التجاري بين الإمارات والصين مستوى الثقة المتبادلة بين الجانبين، وبخاصة أن البنية التحتية والتسهيلات التشريعية في الإمارات وفرت فرصة للشريك الصيني، ما يجعل من الإمارات وجهة مفضلة لمشروعات استثمارية مستقبلية أكثر طموحاً.

وقبل أيام شاركت الإمارات بفعالية ضمن المجموعة العربية في أعمال الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني. وجاء الحضور الإماراتي في هذا الحدث استثنائياً ومسنوداً بخبرة وتجربة في التعامل مع الجانب الصيني. وقبل افتتاح أعمال المنتدى، كانت الدبلوماسية الإماراتية حاضرة على أعلى مستوى، من خلال اللقاء الذي جمع سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي مع وانغ يي وزير الخارجية الصيني في العاصمة بكين. وتطرق لقاء الوزيرين إلى تعزيز علاقات البلدين بالتركيز على مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتعليم والسياحة والطاقة المتجددة.

وهناك مؤشرات عديدة تستدعي استنهاض علاقات تعاون اقتصادي أكثر تميزاً بين العرب والصين. ودعماً للجهود الإماراتية المستمرة في هذا الجانب، شاركت الإمارات في منتدى التعاون العربي الصيني الذي اختتم الأربعاء الماضي، ممثلة بوفد ترأسه وزير الدولة معالي الدكتور سلطان الجابر، الذي أكد أن الصين شريك استراتيجي مهم للدول العربية، منوِّهاً بتطور العلاقات العربية الصينية وبلوغها آفاقاً واسعة من التعاون في كافة المجالات.

المستجدات العالمية في المجال الاقتصادي، وعلى رأسها الحروب التجارية والعراقيل الجمركية الهادفة للتحكم بحركة التصدير وانتقال السلع في السوق العالمية، منحت الاجتماع الاقتصادي العربي الصيني في دورته الثامنة أبعاداً إضافية تختلف عن الدورات السابقة للمنتدى الذي انطلق عام 2004، إذ انعقدت دورته الجديدة فيما تشهد الساحة الدولية عبثاً متزايداً بقواعد التجارة العالمية، مما يدفع بالقوى الصاعدة اقتصادياً إلى التنسيق والتكتل، والسعي لاستثمار إمكانيات التعاون لابتكار آليات ومشروعات عملاقة لتجنب أطماع التكتلات الأخرى.

وتعبيراً عن الرغبة في استقرار الاقتصاد العربي وتطويره بالتوازي مع الانتقال إلى مرحلة تعاون أكثر شمولاً مع الصين، جرى التركيز في المنتدى العربي الصيني على استثمار العلاقات التاريخية بين البلاد العربية والصين، بالتركيز كذلك على المعطيات الجغرافية والسياسية والموارد المتاحة، وعلى مكانة الصين الاقتصادية في الساحة الدولية.

وفي هذا السياق خرج المنتدى بـ«إعلان بكين» الذي تم اعتماده كبرنامج تنفيذي لمنتدى التعاون العربي الصيني حتى عام 2020 بالتزامن مع إقرار الإعلان التنفيذي العربي الصيني الخاص بمبادرة «الحزام والطريق».

وكان تفاعل الجانب الصيني مع المجموعة العربية إيجابياً، وقد عكسه إعلان وزير الخارجية الصيني عقب اختتام الاجتماع الوزاري بين الطرفين، عن توقيع ثلاث وثائق وصفها بالمهمة، في إطار تعزز الصداقة التقليدية والارتقاء بالتعاون في إطار مبادرة «الحزام والطريق» «BRI». والوثائق المشار إليها هي: إعلان بكين، وخطة العمل (2018-2020)، والإعلان بشأن مبادرة «الحزام والطريق». وشملت مجالات التعاون المرتقب نحو 20 مجالاً تتضمن التجارة والاستثمار والصناعة والطاقة والثقافة.

وكل ذلك يبشر بانعطافة عربية نحو الصين، أو على الأقل إعطاء مساحة اهتمام للمارد الصيني لتنويع الاستثمار وتعدد الأقطاب الاقتصادية. كما يمثل في أبعاده الثقافية انبعاث حكمة الشرق من جديد، والإسهام العربي (وبالذات الخليجي) في خلق توازن اقتصادي عالمي، لكسر الاحتكار والهيمنة والمركزية، التي اعتادت على جمع كل خيوط الاقتصاد الدولي في قبضة أحادية. وطبقاً لهذه الرؤية الاستشرافية، نجح المنتدى العربي الصيني في صياغة أفكار جديدة للتعاون في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

رابط المقال بجريدة الاتحاد:التعاون العربي الصيني

بقلم:د.سالم حميد

تاريخ النشر: الأحد 15 يوليو 2018