منذ أن اعتلى نظام ولاية الفقيه بزعامة المرشد الإيراني الأول الخميني، السلطة في طهران عام 1979، والتهديدات والتصريحات النارية تشكل الجزء الأهم من سياسات قادة هذا النظام الداخلية والخارجية، والجميع يعلم أن هذه التهديدات هي فقط للتسويق المحلي وخداع الشعوب العربية والإسلامية، والمتاجرة بقضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وشتان ما بين ما ينطق به قادة النظام الإيراني وما يمارسونه على أرض الواقع.

إن ما تتنطع به ألسنة قادة النظام الإيراني ينكره الواقع تماما، وما تمارسه طهران على أرض الواقع تنكره تلك التنطعات، فإذا قالت طهران فإنها لا تفعل، وإذا فعلت فإنها تنكر وتنفي، لذا فإن تهديداتها بوضع كل الخيارات على الطاولة لمواجهة العقوبات الأميركية لن تترجم منها أي حرف، وتأكيدها على قدرتها على إغلاق مضيق هرمز ينكره واقع ضعف الحرس الثوري على الدخول في مواجهة مع قوى دولية أو إقليمية، وما تعد له إيران وتخطط له حاليا على أرض الواقع وبسرية، يهدف إلى الوصول إلى صفقة مع ترامب تقدم طهران خلالها ما تريده الولايات المتحدة من تنازلات مقابل حماية نظام الملالي من السقوط.

قبل تشديد العقوبات عام 2011 هددت إيران مئات المرات بإغلاق مضيق هرمز، وأنها سترد على تلك العقوبات بالمثل، وأكدت على قدرة إيران على مواجهة هذه العقوبات وإفشالها، في الوقت الذي كانت تدفع فيه دولا إقليمية للوساطة مع الولايات المتحدة، وتفتح قنوات اتصال مع إسرائيل واللوبي الصهيوني بهدف إقناع الأميركان بالتفاوض للوصول إلى اتفاق ينقذ النظام من السقوط، حتى رفعت الراية البيضاء وقدمت التنازلات لإدارة باراك أوباما والدول الغربية لإقناعها للتوصل إلى صفقة نووية ترفع العقوبات عن كاهل طهران بعد أن أوشك النظام الإيراني على السقوط، وسبق ذلك آلاف التهديدات التي أطلقها قادة إيران وخاصة المرشد خامنئي ومحمود أحمدي نجاد وقادة الحرس الثوري والكثير من رموز النظام الإيراني السياسيين والعسكريين والدينيين، وفي نهاية كل موجة تهديدات كانت إيران تعقد صفقة مع الغرب.

والآن ستلجأ إيران إلى مثل هذا السيناريو، وستناور وعبر قنوات اتصال سرية تلعب قطر وإسرائيل فيها الدور الأبرز للتوصل إلى اتفاق مع إدارة ترامب بأي ثمن كان، لأن المهم ليس إنقاذ إيران، بل المهم إنقاذ نظام الملالي، لذا فإن طهران ستبقى حذرة من إثارة غضب الأميركان، وبالفعل فقد بدأت تتعامل مع ترامب باحترام أكبر من ذي قبل، وهو ما أكده ترامب في تصريحاته الأخيرة بأن قادة إيران أصبحوا يتعاملون مع الولايات المتحدة باحترام أكبر، وأنهم سيقومون بالاتصال به لكي يدعوه إلى عقد صفقة.

ورغم أنه لم يعد لإيران ما تقدمه من تنازلات، وأن أي تقارب مع الأميركان سيكون على حساب حليفها الدب الروسي، إلا أنه من المتوقع أن تقدم إيران تنازلات على حساب أذرعها المنتشرة في المنطقة وتدخلاتها في سوريا والعراق واليمن ولبنان.

هذا الأمر باتت الشعوب والمعارضة الإيرانية تدركه تماما، وقد يأست من المجتمع الدولي بدعمها لإسقاط هذا النظام الذي اضطهدها عبر نحو أربعة عقود، بل أنها على يقين أن الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة لا ترغب في تغيير ولا إصلاح النظام الإيراني، وأنها تستغله فقط كفزاعة للمنطقة وأداة لها في تنفيذ أجنداتها ومشاريعها وحروبها، كاحتلال العراق وأفغانستان وإضعاف جيوش وشعوب المنطقة بتنفيذها لمشروع الفوضى الخلاقة، لذا فإن إسقاط النظام الإيراني لا بد أن يكون من الداخل، وعبر ثورة شعبية عارمة تستلم لها القوى الغربية وتجبرها على دعم الثورة كي تكسب صداقة الشعب الذي سيتمخض منه الحكومة التي ستدير البلاد وعلاقاتها في المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

16 يوليو 2018