المثال على الثمار السيئة لسياسات أوباما انتفاخ إيران عقب الاتفاق النووي واستمرارها في تحدي الغرب ومحاولة كسب الوقت للاستفادة من الاتفاق، حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق على يد ترامب.

أصبح النظر إلى عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بعد انتهاء عهده يوفر صورة أكثر دقة ووضوحا عن الدور السلبي الذي لعبه خلال فترتين رئاسيتين، تولى فيهما إدارة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم بلا منازع، لكنه قادها بارتباكه ومخاوفه إلى التراجع والتخلي عن القيام بمسؤوليات خارجية، كانت، ولا تزال، حتمية بالنسبة لوجهة النظر الأميركية الأخرى، وبالنسبة أيضا لعالم السياسة ومراكز الأبحاث والدراسات.

وكلما صدر كتاب جديد عن فترة حكم أوباما تجتمع مؤشرات حول اهتزاز قراراته وسعيه طوال فترة حكمه للتهرب من بناء تصورات صحيحة وراسخة للأحداث من حوله، بحيث يمكن أن تبنى عليها مسؤوليات وقرارات مستقبلية. رغم اشتعال قضايا عديدة في العالم أثناء رئاسته، حيث تحولت مناطق عديدة إلى نقاط ساخنة.

 لكن أوباما قابلها ببرود وارتباك، بينما يصنف أحدث كتاب صدر عن تلك المرحلة ردود أفعال أوباما تجاه الأحداث الساخنة بأنها كانت تعكس “حرصه الشديد على عدم تكرار أخطاء الإدارة السابقة على المستوى الخارجي، خاصة في العراق، وهو ما يفسر خشيته من أي تصعيد أو سلوك أي منحدرات خطرة في أمور شائكة عدة كعدم تحمل أي مسؤولية في ليبيا ما بعد القذافي وعدم إرسال مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا، أو النظر بجدية في الخيارات المتاحة في سوريا”!

التوصيف السابق لنهج أوباما وتردده تجاه القضايا الساخنة منذ اندلاع أحداث العنف والحروب التي رافقت ما سمي بالربيع العربي، وردا في سياق الكتاب الذي صدر حديثا في الولايات المتحدة تحت عنوان “العالم كما هو” للكاتب المتخصص في الكتابة الإبداعية بن رودس، الذي عمل في تأليف خطابات أوباما أثناء حملته الانتخابية وكذلك أثناء ممارسته لمنصبه.

صحيح أن عهد أوباما لم يصبح بعيدا بالقدر الكافي، ولا تزال تداعيات سياسته وخياراته تلقي بظلالها على عالمنا حتى اليوم. لكن محاكمة سياسات أوباما لن تتوقف، وإذا كانت تظهر حتى الآن في بعض الإصدارات بمسحة نقدية تبريرية وشبه باردة، فمن المتوقع أنها سوف تستمر في كتب ومطبوعات مستقبلية، إلى أن تصبح محاكمات ساخنة تكشف الكثير مما ظهر لدى أوباما من الاهتزاز وعدم الثقة بالذات، إلى جانب التوصيفات الأخرى التي تليق بتشريح أدائه لمهامه على رأس الدولة العظمى، لأنه من خلال انسحابه من الأحداث دشن لمرحلة تراجع أميركا وانسحابها التدريجي من المشهد بحجج ضعيفة.

 وكمثال على الثمار السيئة لسياسات أوباما انتفاخ إيران عقب الاتفاق النووي واستمرارها في تحدي الغرب ومحاولة كسب الوقت للاستفادة من الاتفاق، حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق على يد ترامب. فيما أصبحت الرشوة التي قدمها أوباما عمليا للمجتمع الأميركي مقابل أمور عديدة على رأسها الانكفاء الخارجي غير قابلة للاستمرار في عهد ترامب، مثال على ذلك نظام التأمين الصحي وحجم الضرائب واتفاقيات المنـاخ وغيرها، وإن كانت حسابات ترامب لا تنطلق هي الأخرى من زاوية الإصلاح الجذري لأخطاء سلفه، بل تنطلق من البحث عن كل ما يتفق مع الخطاب الشعبوي الذي يعتقد ترامب أنه كان السبب وراء تصويت الناخبين الأميركيين لصالحه.

وبعيدا عن عهد ترامب الذي يتخبط هو الآخر بأسلوب تاجر عقارات جشع، وبالعودة إلى كوارث عهد باراك أوباما، يكاد مؤلف خطاباته بن رودس يكشف في كتابه الجديد ربما دون قصد، عن وجود جهل أو سذاجة لدى أوباما، خاصة في بداية ولايته الرئاسية الأولى، من جهة أسلوب إدارته للعبة السياسة على المستوى الخارجي، وكيف شكل خطابه السياسي وتواصله مع الجمهور لب العمل السياسي لديه، والأولوية الكبرى التي عكست مدى اهتمامه وحرصه على الطريقة التي سوف يظهر بها أمام الناس. لكن الأحداث التي يسردها رودس تكشف انحياز المؤلف إلى تبرير سلوك أوباما بأنه نابع من الحرص على عدم الوقوع في أخطاء من سبقوه.

بناء على ما يرشح من بين سطور كتاب رودس، فإن المتتبع لتحولات السياسة الخارجية الأميركية، يجد تأثيرا ساحقا للدورات الانتخابية في الولايات المتحدة وما يسفر عنها من صعود شخصيات متضاربة الرؤى والبرامج إلى حد بعيد، يتجاوز من حيث الرؤية الخلافات التقليدية بين الجمهوريين والديمقراطيين إلى ما هو أبعد من الشأن البرامجي.

وكأن العالم مضطر إما إلى التعامل مع سياسة أميركية متوترة ومتحفزة عسكريا إلى أبعد الحدود كما حدث في عهد جورج بوش الإبن، وإما التعاطي مع سياسة أميركية باردة ومنسحبة وتوفيقية إلى حد منح إيران فرصة ذهبية مجانية للعمل على نار هادئة على مسارين، الأول التوغل في العراق واليمن ولبنان، والثاني استمرار العمل في السر على تطوير برنامج نووي وصواريخ باليستية متطورة، بما يحمله ذلك من تهديد جدي مباشر لأمن كل من يختلف مع إيران ويعارض سياستها الطائفية.

وفي عهد ترامب برزت سياسة أميركية أكثر ارتباكا، تشير ملامحها الأولية إلى أن البيت الأبيض متفرغ منذ أكثر من عام للبحث عن رؤية أميركية لم تستقر بعد على أسلوب واضح، بدليل تغيير الطاقم المحيط بالرئيس ترامب بما في ذلك وزير الخارجية وغيره من المناصب الحساسة، في إشارة إلى أن عدم استقرار الأشخاص في مواقعهم يكشف عن عدم التوصل إلى استراتيجية أميركية ثابتة وواضحة المعالم خلال الفترة الماضية على الأقل، بحيث لم تظهر منها حتى الآن سوى تصريحات ترامب واستعراضاته اللفظية التي تجد معارضة لها من الداخل الأميركي نفسه، حتى بعد أن يحولها ترامب إلى تغريدات.

وبذلك تبقى كارثة أوباما، وتأسيسه للانكماش الأميركي، مؤثرة بشكل سلبي بارز على المشهد الدولي. ولا ننسى أنه تعامل مع العرب والقضايا العربية بشكل سلبي للغاية، رغم أنه استهل رئاسته بخطاب عاطفي مخادع ألقاه في الرابع من يونيو 2009 في جامعة القاهرة أثناء ولايته الرئاسية الأولى، وبالمناسبة فـإن بن رودس يشير في كتابه إلى أن خطاب أوباما في جامعة القاهرة من بين الخطب التي كتبها وذكره ضمن أبرز الخطب التي أنجزها لأوباما.

 وكانت وسائل الإعلام الأميركية قد قالت حينها إن الهدف من ذلك الخطاب هو تحسين العلاقة بين أميركا والعالم الإسلامي التي تشوّهت كثيرا أثناء فترة رئاسة جورج بوش الابن، لكن سرعان ما تحول أوباما، نفسه، إلى الراعي الصامت للفوضى الخلاقة في المنطقة العربية.

واستكمالا لعرض أبرز ما ورد في كتاب “العالم كما هو”، يعترف المؤلف بأن توقيع أوباما للاتفاق النووي مع إيران كان وعدا انتخابيا، كما يدافع المؤلف عن عدم التدخل في سوريا، ويفسر نقاد الكتاب انحياز رودس إلى جانب أوباما لأنه كان جزءا من تلك القرارات ومن الصعب أن ينتقدها، باعتباره لم يكن مجرد كاتب خطابات، بل شغل أيضا منصب نائب مستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية.

وما لم يقدر رودس على إخفائه أيضا هو الاعتراف بأن السياسة الخارجية الأميركية تعيش حالة من الانفصام. مدللا على ذلك باستفادة أميركا ودعمها للجماعات التي قاتلت ضد الشيوعية في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، ثم تحول أفرادها فجأة إلى مجاهدين يقاتلونها في القرن الواحد والعشرين.

 كما كشف الكتاب عن تبني أوباما بشكل عاطفي ساذج لأحداث الفوضى التي اندلعت تحت مسمى الربيع العربي، رغم معارضة السياسيين الكبار لموقفه. وحتى آخر نفس يدافع كاتب خطابات أوباما عن الاتفاق مع إيران، وبذات القدر لا يخفي انحيازه إلى جانب الفوضى التي عمت المنطقة العربية ولم تسفر عن شيء سوى الخراب والدمار.

رابط المقال بجريدة العرب:تراجع الدور الأميركي كان ثمرة تردد أوباما ورئاسته المرتبكة

بقلم: د.سالم حميد

16 يوليو 2018