على الرغم من عدم التحقق من مصداقية وثيقة يُزعم تسريبها من ملفات المخابرات الجوية السورية عن دور إماراتي مزعوم في تمويل “المجهود الحربي الروسي” بهدف بسط سيطرة النظام على كامل الجغرافيا السورية، إلا أن طرح هذه الفكرة بحد ذاتها، لا بد أن يداعب مخيلتنا العربية العاشقة لنظرية المؤامرة، ويثير اهتمامنا صدقت أم لم تصدق التسريبات! ففي تفحص هذه التسريبات يحق للبعض أن يسأل: هل حقاً ارتأت دولة الإمارات العربية المتحدة أن المد الإيراني المتعاظم في سورية والدور الكبير الذي تلعبه في الأزمة هناك كان لا بد من إيقافه خشية أن يستمر إلى وقت لا ينفع فيه لا شجب ولا إدانة!؟ وهل كان الدب الروسي هو الخيار الإماراتي الناجع من أجل تحقيق هذا الهدف وإيقاف المد الإيراني؟ إن كان هذا حقاً فلا بد أن ترفع القبعة احتراماً لحكام الإمارات.

ما من شك أن تواجد القوات الإيرانية في سورية ودعمها للنظام هناك قد ساهم بشكل رئيسي في بقائه ونجاته حتى وقت دخول القوات الروسية ولكن هنالك سؤال جوهري يجب أن يوجه إلى القلة القليلة المتبقية من صناع القرار في سورية: هل هنالك حقاً مصلحة وطنية سورية، أو حتى مصلحة ضيقة للنظام، في بقاء القوات الإيرانية على الأرض السورية؟ نعم لقد حقق النظام  في إيران مبتغاه في إنقاذ حليفه السوري من السقوط وما يعنيه ذلك من أبعاد جيوسياسية مرتبطة بمعادلة محور المقاومة والدور السياسي لإيران في المنطقة (على الأقل هذه هي الأهداف المعلنة وما خفي من عقود وترتيبات اقتصادية كان أعظم!).

 في المقابل، لقد حقق النظام في سورية مبتغاه في النجاة والاستمرار واستعادة السيطرة على جزء واسع من أراضٍ خسرها بفضل حليفه الإيراني، ولاحقاً الروسي. ولكن، ماذا بعد ذلك؟ ماذا عن سورية بعد حرب أهلية وسوريا خالية من الإرهاب؟ هل هنالك مصلحة سورية في بقاء القوات الإيرانية؟ الجواب في العموم هو لا بالتأكيد وأي ضغوط لإخراج إيران من سورية هو مصلحة سورية في المقام الأول قبل أن تكون مصلحة إسرائيلية، أميركية أو حتى روسية. فالنظام السوري قد حقق مبتغاه كما أسلفنا وأي بقاء لقوات إيرانية سوف يعني حتماً استغلال الدور الذي لعبته إيران في سورية في أي مرحلة مستقبلية من خلال التحكم شبه المطلق في القرار السيادي السوري واستغلال الموارد الاقتصادية السورية لسد الدين المتراكم خلال سنيّ الحرب و”الدعم”! فإيران ليست جمعية خيرية لتعطي بلا مقابل، وليس تقاسم حقول الفوسفات في سورية بين الروس والإيرانيين إلا خير دليل على الثمن الذي يدفعه النظام مقابل دعم بقائه.

إضافة إلى ذلك، يمكن أن تستغل سوريا ورقة الوجود الإيراني إلى أبعد حد بالتفاوض على إبعاد القوات الإيرانية ليس ثمانين كيلو متراً عن حدود الجولان المحتل وحسب، كما اقترح الروس، وإنما خارج الحدود السورية نهائياً وذلك مقابل التوصل إلى تفاهم بخصوص الجولان واستعادته. التواجد الإيراني في سورية ليس مصلحة إسرائيلية، هذا صحيح، ولكن خروج هذه القوات من سوريا هو حتماً مصلحة وطنية سورية، كما أسلفنا، قد تصل إلى حدها الأعظم إذا ما استُغلّت في تحقيق مصلحة سورية أخرى باستعادة الجولان.

قد يخطر للبعض أن ثمن خروج إيران سوف يكون باهظا إذا ما تنازلت إسرائيل عن الجولان في المقابل. هذا ما قد يبدو عليه الأمر، ولكن إسرائيل تعلم جيداً ما قد يعنيه الوجود الإيراني الدائم على حدودها مع سورية – حزب الله في جنوب لبنان خير دليل على ذلك – وهناك شواهد يمكن أن نستعيدها من الماضي القريب عن الثمن الذي دُفع مقابل فك الارتباط ما بين سورية وإيران.

قد لا يكون خروج القوات الإيرانية من سورية فكاً للارتباط ما بينهما ولكنه قد يكون كذلك إذا ما جاء ضمن صفقة كبرى ما بين النظام في سوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى برعاية روسية أميركية.

لكن لا بد من عدم إغفال سؤال جوهري: هل يستطيع أحد إجبار إيران على الخروج من سورية؟ وهل حقاً طلبٌ سوري رسمي، كما أدعت إيران، كفيل بخروج قواتها ؟ لا يبدو هذا الكلام واقعياً وأي حديث عن ذلك لا بد وأن يشمل صفقة كبرى تضم الاتفاق النووي مع الجولان والنفوذ الروسي والأميركي في سوريا، أي بصفقة سياسية قد تكون الأكبر منذ بدء الأزمة في سوريا.

بقلم : محمد رباح الطويل

16 يوليو 2018