تضيق أزمات البلاد المتصاعدة الخناق على المواطنيين في إيران يوما بعد يوم، في ظل إهمال صريح وواضح من قبل النظام وعجز يتضخم من قبل الحكومة التي تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه المشكلات والأزمات التي يعاني منها المواطنون، ورغم أن النظام وحكومته استطاعوا حتى الآن السيطرة على الداخل ومنع اندلاع ثورة تسقط النظام، إلا أن الأوضاع الحالية تشير إلى وجود حالة من الغليان والغضب الشعبي الذي قد ينفجر في أي لحظة بوجه النظام، لا سيما أن هذه الأزمات قد وصلت إلى مياه الشرب.

تتربع حاليا أزمة نقص وشح المياه على قمة الأزمات التي تعصف بالمواطن الإيراني، وبسبب إهمال المسؤولين في إيران، فإن أزمة شح ونقص المياه في إيران قد تحولت إلى أزمة وتهديد خطيرين، ومن بين 1157 مدينة في إيران، يوجد حاليا 334 مدينة يبلغ عدد سكانها أكثر من 34 مليون نسمة يعانون من مشاكل حادة في نقص المياه، ولا يوجد لدى الحكومة أي برنامج أو حل قريب لهذه الأزمة، وبناء على الحسابات التي تم إجراؤها من قبل الخبراء الإيرانيين حول شروط توفير الموارد المالية المطروحة من قبل الحكومة، فسيكون هناك حاجة إلى 50 عاما لإكمال مشاريع المياه في البلاد، والآن لا يوجد أزمة أكثر خطورة من أزمة نقص المياه، والتي أدت إلى اندلاع مظاهرات شعبية في عدد من المدن الإيرانية وخاصة في مدينة المحمرة في إقليم الأحواز.

ومع تصاعد حدة هذه الأزمة، تتزايد احتمالات اندلاع احتجاجات شعبية تمهد إلى انتفاضة عامة ضد النظام الملالي وفشله في إدارة شؤون البلاد، ويرى المختصون أن هذه الأزمة وصلت إلى درجة لا يمكن للمواطن الإيراني تحملها، وخاصة أن الحكومة غير مكترثة بمعاناة الشعوب، بل أنها تستغل أزمات الداخل لمهاجمة من تسميهم أعداء إيران من خلال تعليق فشلها في إدارة البلاد على شماعة الأعداء، حتى وصل بها الأمر في استغفال عقول المواطنين بالقول أن العدو يقوم بسرقة الغيوم المتجه نحو إيران، وأن سبب نقص المياه والجفاف هو قيام إسرائيل بسرقة الغيوم الحاملة للأمطار قبل دخولها إلى إيران، الأمر الذي نفاه الكثير من المسؤولين والخبراء الإيرانيين وتحول إلى محطة سخرية لدى نشطاء التواصل الاجتماعي.

وفي ظل إهمال حكومي أدت ندرة المياه وتلوث الهواء إلى حدوث مشاكل اجتماعية وسياسية وأمنية في إيران، وعلى ما يبدو أن قادة النظام الإيراني يفسحون المجال أمام اتساع هذه الأزمات لاستغلالها إعلاميا ضد الولايات المتحدة وبعض دول الجوار التي وقفت في وجه المشاريع الإيرانية التوسيعة وعلى رأسها تصدير الثورة، بينما أن السبب الرئيس لهذه الأزمات هي الفساد وسوء الإدارة والنوايا والمخططات الإيرانية الهادفة إلى تقييد تدفق المياه إلى العراق، ما أدى إلى اندلاع أزمة نقص المياه في الأراضي والمدن الإيرانية القريبة من العراق، إضافة إلى قيام الحرس الثوري بتسليح وتدريب مسلحي طالبان على تدمير السدود ومشاريع إنتاج الكهرباء في غرب وجنوب أفغانستان، ولها أيضا نفس المشاريع في بعض الدول المجاورة، ما يعني أن العديد من المدن الإيرانية ستدخل ضمن دائرة هذه الأزمة وتعاني من نقص شديد في المياه.

وقد حاولت إيران مرارا تحويل الخلافات بينها وبين المجتمع الدولي من خلافات حول دعم الإرهاب والتدخلات وزعزعة أمن واستقرار المنطقة إلى خلافات حول أزمة نقص المياه والمشكلات البيئية الأخرى، واتهم الرئيس حسن روحاني دولا إقليمية، خاصة تركيا وأفغانستان، بزيادة المشكلات البيئية في إيران والمنطقة بإنشاء سدود كبيرة من دون استشارة طهران، وهدد بأن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء السدود التي تقوم أفغانستان وتركيا بإنشائها، كما هدد رحيم صفوي، وهو مستشار عسكري للمرشد الأعلى علي خامنئي، بشكل مبطن جيران إيران عندما قال إنهم أمام خيارين إما التعاون أو المواجهة لحل أزمة المياه في المنطقة.

ويؤكد مسؤولون أفغان أن إيران حصلت على كميات أكبر بكثير من حصتها المتفق عليها، حيث حصلت في عام 2017 على أكثر من ثلاثة مليارات متر مكعب، ويقتسم البلدان مياه نهر هلمند بموجب معاهدة موقعة في 1973 تخصص لإيران بمقتضاها 820 مليون متر مكعب من المياه سنويا، غير أن إيران تريد زيادة حصتها ولو بالقوة عن طريق دعم جماعات إرهابية إلى تفجير أي سدود ستقوم الحكومة الأفغانية ببنائها بدعم من الهند، ولا تزال إيران تعرقل أي جهد أفغاني في هذا الصدد، ولكن على ما يبدو أن الحفرة التي حفترها إيران لأفغانستان قد سقطت فيها ذاتها، وأصبحت مدن إيرانية تعاني الأمرين من نقص المياه وحالة الجفاف في ظل تصاعد للأزمات الاقتصادية والاجتماعية وعلى رأسها الفقر والبطالة وانتشار الجوع والجرائم والأمراض وغيرها، ما يضع الشعوب الإيرانية أمام طريقين إما الخلاص من النظام الحاكم وإما الخلاص من الحياة التي لا يمكن تحملها.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

18 يوليو 2018