تتصاعد حدة التلاسن والتهديدات بين الولايات المتحدة الأميركية وقادة النظام الإيراني بعد اتباع إدارة ترامب استراتيجية أكثر حزما تجاه التدخلات الإيرانية في دول المنطقة ودعم طهران المتنامي للإرهاب والجماعات المتطرفة، وسعيها المستمر والمتواصل للوصول إلى سلاح نووي تهدد به دول وشعوب المنطقة والعالم، وتستخدمه في تحقيق مشروعها التوسعي وتصدير الثورة ونشر التشيع بالقوة، بعد أن فشلت في تحقيق ذلك بالطرق الناعمة التي أهدرت عليها مئات المليارات من جيوب الشعوب الإيرانية.

وما يعلمه الجميع أن التهديدات الكثيرة التي أطلقها قادة النظام الإيراني في طهران في الأسبوع الأخير ردا على سياسات وعقوبات الولايات المتحدة، لن تكون مختلفة عن آلاف التهديدات التي أطلقوها منذ عام 1979 حتى الآن، ونتائجها ستكون نفس نتائج تهديدات الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد “بمحو إسرائيل عن خارطة الوجود” والتي أطلقها مرارا وتكرارا وفي كل المناسبات، وفي وقت كانت فيه إيران أكثر قوة، فكيف الحال الآن وإيران في أضعف الأحوال، ويعاني النظام أزمات داخلية وخارجية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وفي دراسة متمعنة لآخر التهديدات التي أطلقها قادة النظام الإيراني، وخاصة بعد تأييد المرشد الإيراني علي خامنئي لتهديدات روحاني بمنع تصدير نفط المنطقة إذا لم تستطع إيران تصدير نفطها، فقد سارع روحاني إلى تشديد حدة التهديد لكسب مزيد من تأييد المرشد والحرس الثوري، وقال مخاطبا ترامب لا تعبث بذيل الأسد، فالحرب مع إيران ستكون أم الحروب، وهو يعلم يقينا أن إيران لن تدخل أي حرب أو مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، لأن ذلك يعني سقوط النظام الإيراني بأكمله، وإنما أراد من ذلك التسويق المحلي وكسب رضاية وتأييد المرشد وقادة الحرس الثوري.

وبعد تأييد خامنئي للتهديدات الأميركية، حدث نوع من السباق والتنافس بين المسؤولين الإيرانيين، الذين كان هدفهم وهمهم جلب رضاية من يجلس على هرم السلطة في طهران، لتقييد أسمائهم في سجلات المناصب التي تعتمد بشكل أساسي على مدى الولاء للولي الفقيه.

لذلك ظهرت الكثير من التناقضات في هذه التهديدات غير المدروسة، وبرزت حالة من التخبط ونوع من الاستياء لدى الكثير من السياسيين الذين يرون أن هذه التهديدات لن تجلب إلا الخراب للبلاد، ويرون أن إيران غير قادرة أبدا على مواجهة المجتمع الدولي، وأنها في طريقها إلى مزيد من الانهيار.

ففي الوقت الذي يصرح فيه روحاني أن بلاده تسعى إلى إصلاح مسار العلاقات مع دول الجوار وخاصة السعودية والإمارات والبحرين وغيرها، يخرج نائب رئيس جمعية “علماء الدين المجاهدين” في إيران “رضا تقوي” ويؤكد أن الظروف التي تشهدها المنطقة حاليا ليست مناسبة لتحسين العلاقات بين إيران والسعودية، ويؤكد قائد قوات الباسيج التابعة للحرس الثوري العميد “غلام حسين غيب برور” أن إيران لن تتخلى أبدا عن معتقداتها الثورية وستقاوم ضغوط أعدائها، في إشارة إلى إصرار إيران على التدخل في دول المنطقة واستمرار سلوكها في تقويض أمن واستقرار دول المنطقة.

وثمة العديد من التناقضات الأخرى التي حملتها التهديدات الإيرانية مؤخرا، ومنها أيضا تهديد رئيس السلطة القضائية “آملي لاريجاني” الذي قال إن إيران سوف ترد على أي تحرك أميركي، وسيكون الرد خالدا في التاريخ، في حين قال رئيس مجلس الشورى “علي لاريجاني” إن أميركا تتبع دبلوماسية غبية ونحن لسنا بصدد الرد على كلام فارغ، كذلك التناقض الواضح في تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول التهديد بإغلاق مضيق هرمز ردا على العقوبات الأميركية، حيث يؤكد بعضهم أن إيران ستقوم بإغلاق مضيق هرمز، بينما يرى بعضهم الآخر أن إغلاق مضيق هرمز ليس مطروحا وأن إيران لن تستطيع إغلاقه، وإذا أغلقته فإن الولايات المتحدة قادرة على إعادة فتحه في ساعات، بل ويرون أن إغلاق مضيق هرمز سوف يعطي الولايات المتحدة الذريعة والحجة لتوجيه ضربة عسكرية للقواعد العسكرية والمنشآت النووية في الداخل الإيراني.

إن هذه التهديدات لا تعدو كونها تخرصات وضجيج بلا أفعال، وتهدف إلى التسويق المحلي ومحاولة إيهام وخداع الداخل بوجود أعداء يتربصون شرا للشعوب الإيرانية، ما يقتضي الالتفاف حول القيادة وتوحيد الصفوف وتخفيف حدة الانقسامات، كما وتكشف مدى يأس نظام الملالي إزاء الضغوط الأميركية التي تستهدف تغيير سياساته التخريبية بالمنطقة، ويسعى إلى استغلالها لأجل إطفاء نيران الداخل المستعرة من خلال إشعال نيران الخارج كلاميا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

24 يوليو 2018