إن حياكة المؤامرات ودس الدسائس وإثارة الفتن ودعم وصناعة الإرهاب، لا تزال النهج الذي تسير عليه الدوحة في إدارة شؤونها وأزماتها وعلاقاتها وسياساتها الخارحية، وهو مؤشر صريح على غياب “الحكمة السياسية” وعدم “ترجيح المنطق والعقل” على “الحقد والوهم والغرور”، وعلى عدم قدرة النظام القطري على إدارة شؤون البلاد وإقامة علاقات سليمة وسلمية وإيحابية مع المجتمع الدولي، والاعتماد عليها في إدارة شؤون البلاد أدى إلى نتائج عكسية وضارة للغاية على المصالح الوطنية القطرية، وزادت من عزلة الدولة وخلقت النزاعات والمشاكل في العلاقات مع الدول بشكل مستمر، وقد كانت ولا تزال السبب في قطع الدول العربية علاقاتها مع الدوحة، بهدف ردع النظام القطري عن سياساته التخريبية ووقف الإرهاب القطري العابر للحدود.

وفي الحقيقة فإن نتائج المقاطعة كانت ولا تزال تأديبية، ولم تخرج عن دائرة ردع النظام القطري مع الحرص على الحفاظ على أمن واستقرار الشعب القطري والدولة بأكملها، فالمقاطعة وأهدافها مشروعة ومن حق الدول المقاطعة، ولا تلحق أي أذى بالشعب القطري واستقلالية الدولة، فهي قرار تأديبي صريح وأهدافه ردعية واضحة، وهي وضع نهاية للإرهاب القطري لحماية أمن واستقرار المنطقة والأوطان.

لكن ما جعل قطر، حكومة وشعبا، يقترب من حافة الهاوية، ويهدد استقلالها وهويتها وعروبتها، هو ردود أفعال تنظيم الحمدين التي كانت ولا تزال تفتقد لأي حكمة أو قرارات مدروسة بالشكل الصحيح، وعلى رأسها الارتماء بأحضان إيران وفتح أبواب الدوحة على مصراعيها لدخول الأدوات الإيرانية المدربة والمؤدجلة على اختراق المؤسسات وصناعة التجسس وإعداد العملاء بهدف السيطرة على القرارات السيادية للدولة، وهو ما استطاعت إيران تحقيق أكثر من 50% منه حتى الآن في قطر، وفي الحقيقة أن هذا لم يكن كنتيجة للمقاطعة، بل أن النظام القطري قد خطط لذلك وأقام الاتفاقيات وحاك المؤامرات ورسم المخططات مع الحرس الثوري وفيلق القدس وقدم الضمانات للولاء لملالي طهران قبل اندلاع الأزمة التي افتعلها تنظيم الحمدين بالتنسيق مع عدد من المؤسسات والأطراف الإيرانية وعلى رأسها الحرس الثوري.

هذا يعني أن مقاطعة الدوحة بريئة من وصول قطر إلى هذا الحد من الخطر، الذي يهدد بشكل كبير استقلاليتها وهويتها ويضعها تحت رحمة الاحتلال الإيراني والإخواني، الذي بدأ ظاهرا في سيطرة قادة وخبراء من الحرس الثوري وفيلق القدس على شؤون البلاد وإدارتها الأمنية والإعلامية، من خلال اتخاذ الدوحة لقرارات وإجراءات سرية وعلنية لدعم جماعة الحوثي في اليمن والميليشيات الطائفية في العراق، واستماتة قناة الجزيرة وباقي وسائل الإعلام القطرية والمدعومة من قطر في الترويج للمشروع والسياسات والأدوات والأذرع الإيرانية في المنطقة وتجميل صورة نظام الملالي في طهران.

هذا يدل على أن النظام القطري يفتقد إلى ميزة الاتعاظ بالغير، خاصة أن النماذج أمامه ليست بالقليلة، فإيران تدخلت في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وهي الآن أضعف دول المنطقة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، وأكثرها انتشارا للفتن والإرهاب والاقتتال  وانعدام الأمن والأمان، والسبب يعود في ذلك إلى التدخلات الإيرانية الهادفة بشكل أساسي إلى إضعاف شعوب ودول المنطقة وإشعال الحروب والاقتتال فيها لإيصالها إلى أقصى درجة من الضعف ليتم السيطرة عليها وعلى خيراتها وإخضاعها ضمن النفوذ الفارسي في المنطقة.

لم يتعظ النظام القطري من هذه التجارب الواضحة وضوح الشمس، وسارع للارتماء بأحضان إيران دون أي دراسة عقلية ولا حسبان منطقي، وغامر بالبلاد والعباد لإرضاء تعنته وأهوائه، وإشباع متطلبات أحقاده وعدائه للدول العربية التي أرادت من مقاطعته إرجاعه إلى رشده وعودته إلى الحضن العربي والصف الخليجي.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

25 يوليو 2018