ما يجعل نجاح الدبلوماسية الإماراتية في القرن الأفريقي ممزوجا بنكهة الانتصار الإستراتيجي، أنه تحقق في منطقة تجتذب تدخلات خارجية متشابكة.

شهدت الأسابيع الماضية حراكا دبلوماسيا حيويا في منطقة القرن الأفريقي، اعتبره المتابعون مفاجئا واستثنائيا بالقياس إلى نتائجه، وخاصة أنه يعيد التوازن إلى منطقة القرن الأفريقي من خلال إنهاء قطيعة طويلة الأمد كانت تحكم العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا، بما لهما من تأثير في محيطهما، بالنظر إلى ثقل إثيوبيا على مستوى قارة أفريقيا، إلى جانب أهمية موقع إريتريا وإطلالتها على البحر الأحمر.

ونظرا لأهمية منطقة القرن الأفريقي بشكل عام، في ظل رغبة قوى معروفة بدعمها للتطرف في تحقيق اختراق وإيجاد نفوذ لها في دول القرن الأفريقي. فيما قطعت المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا الطريق أمام محاولات إيرانية وتركية متكررة لإيجاد موطئ قدم في القرن الأفريقي عبر الحليف القطري، والسعي للتمدد في كافة دوله، وخاصة بعد التوغل القطري المدعوم من قبل تركيا في الصومال.

وبتحقيق المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا بجهود إماراتية مسنودة من قبل السعودية، تبادلت الدولتان إعادة فتح المقرات الدبلوماسية ودشنتا الشروع في تطبيع العلاقات وتم الاحتفال بالمصالحة رسميا وشعبيا. وانتهت بذلك صراعات عقدين من الزمن لتنفتح آفاق جديدة من التواصل والتنسيق والتكامل الإيجابي الذي يتطلبه حسن الجوار والتداخل الثقافي والاجتماعي بين الشعبين الإثيوبي والإريتري.

وفي ظل صراعات دولية وإقليمية لا تخلو من التلويح بتهديد الممرات الملاحية العالمية، أصبح تأمين الملاحة في البحر الأحمر يندرج ضمن التحديات الراهنة والمستقبلية لتأمين طرق الملاحة الدولية وحماية التجارة العالمية. فبالكاد انتهت مخاطر القراصنة الصوماليين بعد جهود دولية اشتركت في مكافحة تلك الظاهرة التي نجمت عن تفكك الدولة الصومالية وانهيارها. وذلك يجعل الحرص على أمن منطقة القرن الأفريقي واستقرار دولها أولوية قصوى للاقتصاد على المستويين الخليجي والعالمي.

ولا ننسى أن الوضع في اليمن لا يزال عالقا في ظل استثمار إيراني يتصف بالبشاعة والانتهازية المطلقة التي تقوم على توظيف المتمردين الحوثيين لتهديد الملاحة في البحر الأحمر، مما يستدعي تأمين استقرار الدول المطلة على الضفة المقابلة للساحل اليمني، ومواصلة استكمال جهود دعم الحكومة الشرعية اليمنية لإنهاء الانقلاب المدعوم من قبل إيران. وفي النهاية ينتظر العالم أن توجد في اليمن دولة قادرة على ضبط الأمن والسيطرة على الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها الحوثيون حاليا لتهديد الملاحة بغرض تخفيف الضغط الدولي على إيران. ومن هنا تتأكد أهمية الخطوة التي قامت بها الإمارات لإزالة الخلاف المزمن بين دولتين تشتركان في لعب دور مؤثر بشأن أمن واستقرار القرن الأفريقي.

في غمرة الابتهاج بحدث المصالحة الإثيوبية الإريترية لمعت جهود الدبلوماسية الإماراتية التي لعبت دورا أساسيا في صياغة التفاهمات بين القيادتين الإثيوبية والإريترية، وصولا إلى تتويجها بفتح صفحة جديدة بين البلدين، حيث كانت جهود الإمارات حاسمة ومشجعة للطرفين وبدعم سعودي كان سندا للدور الإماراتي. فيما قاد مساعي الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى أن تحققت المصالحة.

أثناء احتفال الإثيوبيين والإريتريين بتدشين المصالحة وافتتاح المقرات الدبلوماسية، سقط الإعلام القطري في فضيحة مدوية، عندما ادعت تحليلات نشرها إعلام الدوحة أن المصالحة في القرن الأفريقي تمت بعيدا عن أي جهد يذكر للإمارات. ثم تلقّت قطر بعد فضيحتها بأيام قليلة صفعة مدوية عندما تم الاحتفال بجهود الإمارات في التوفيق بين إثيوبيا وإريتريا وذلك خلال القمة الثلاثية التي انعقدت الأسبوع الماضي في أبوظبي، وجمعت ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وأسياس أفورقي رئيس دولة إريتريا وأبي أحمد رئيس وزراء جمهورية إثيوبيا.

وخلال لقاء القادة الثلاثة كرمت الإمارات الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي بمنحهما أعلى وسام في الدولة وهو “وسام زايد”، تقديرا لجهودهما في الدفع بالمصالحة إلى حيز التنفيذ، والانتقال نحو بناء علاقات يسودها التعاون والتكامل. وعقب الصفعة التي وجهتها الإمارات للإعلام القطري لم تتجرأ أدوات قطر الإعلامية على الاعتراف بأنها وقعت ضحية لمنهج الكذب الذي يتحكم في صياغة أخبارها.

ولا بد هنا من المقارنة بين الدور الإماراتي في القرن الأفريقي وبين الدور القطري. فالإمارات تحضر في المشهد بإستراتيجية معلنة تنحاز إلى تحقيق مصلحة مشتركة لجميع الأطراف، على قاعدة ترسيخ الأمن والاستقرار وتوفير عوامل انطلاق التنمية والبناء. وعلى أسس تهتم بالتركيز على تحقيق نهضة تنهي الفقر والتخلف وتدمج شعوب المنطقة لتكون شريكة في التطلع العالمي نحو تحقيق الرخاء والازدهار. وبذلك تجتمع عناوين التوجه الإماراتي الخارجي في مفردات إيجابية تتصل مضامينها الكلية بالأمن والسلام والتعايش والتسامح والاستقرار والتنمية والبناء والاستدامة.

أما قطر فإن دورها في منطقة القرن الأفريقي وغيرها ينحصر في التحول إلى قفاز قذر لإيران وتركيا، بقصد تحقيق اختراق يسبب الأذى للشعوب، ويرهن مستقبل الدول المخترقة للأحلام والأوهام الإخوانية والعثمانية. ونجد في إعلام قطر وخطاب قنواتها وصحفها ما يفضح التوجه الرسمي لنظام الحمدين، الذي يشجع على الإرهاب ويمتدح المنظمات الإرهابية والمجموعات المتطرفة. ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة من خلال تركيز الإعلام القطري على تغطية أخبار المجموعات الإرهابية في الصومال وغيرها.

وبالعودة إلى الجهد الدبلوماسي الإماراتي والمكسب الذي تحقق في القرن الأفريقي، نجد أنه لم يكن غريبا على نهج الدبلوماسية الإماراتية، لأنها تشتهر طوال تاريخها بالإيجابية والحكمة والريادة في تعزيز السلم والاستقرار إقليميا وعالميا. ومنذ عهد مؤسس الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ترسخ هذا النهج وأصبح إستراتيجية دائمة تقترن بتقديم المساعدات الإنسانية وتقديم العون للمحتاجين.

والمعهود عن الإمارات تركيزها على التنمية ونجدة الملهوفين وتقديم المساعدات التي تغطي مساحات شاسعة من العالم. وكان لدول القرن الأفريقي على مدى العقود الماضية نصيب كبير من إستراتيجية الإمارات لتحسين معيشة المجتمعات المحلية ودعم الحكومات والتشجيع على الاستقرار. وتأتي الجهود الدبلوماسية الإماراتية التي مهدت للمصالحة بين إريتريا وإثيوبيا لتتسق مع التوجه الإماراتي الداعم لكل القيم الإيجابية في السياسة الإقليمية والدولية.

ومما يجعل نجاح الدبلوماسية الإماراتية في القرن الأفريقي ممزوجا بنكهة الانتصار الإستراتيجي، أنه تحقق في منطقة تجتذب تدخلات خارجية متشابكة، إضافة إلى أن القطيعة بين إثيوبيا وإريتريا كانت عصية على الاختراق لطول أمدها، وذلك يجعل من حدث المصالحة بين الدولتين تاريخيا.

كما أن المصالحة بين دولتين بارزتين في القرن الأفريقي توفر فرصة لتحقيق تكامل اقتصادي بينهما، خاصة أن إثيوبيا حسب التوصيف الجغرافي أصبحت منذ استقلال إريتريا دولة تفتقر للمنافذ البحرية، بينما لدى إريتريا شريط ساحلي، وذلك يجعل من التكامل بين البلدين ضمانة لاستمرار التنسيق وإنهاء النزاعات التي حرمت البلدين والشعبين من الاستفادة من الموقع الجغرافي لتحقيق مصالح مشتركة ومتكافئة.

وأخيرا يمكن اعتبار ما حدث بفضل الجهود الدبلوماسية للإمارات مساهمة في حماية أمن القرن الأفريقي من الاختراق والتطفل الخارجيين. ومثلت القمة الثلاثية التي انعقدت في أبوظبي التي جمعت قيادة الإمارات وإريتريا وإثيوبيا ضربة قاضية أسقطت مزاعم المشككين في جهود الإمارات الإيجابية في القرن الأفريقي. وإذا كانت قطر تتباهى بدعم التطرف وتوظف مخزونها المالي وأذرعها الإعلامية لخدمة المجموعات الإخوانية وحماية منظري الإرهاب، فإن الإمارات تبذل جهودها لصناعة السلام ودعم الاستقرار وتعزيز التعايش بين الشعوب.

رابط المقال بجريدة العرب: نجاح دبلوماسي للإمارات يعيد التوازن إلى القرن الأفريقي

بقلم: د.سالم حميد

30 يوليو 2018