وضعت العصرنة والتقدم العلمي والثورة التكنولوجية عمرا محددا للأنظمة الديكتاتورية المستبدة، التي اعتمدت في تكوينها وبقائها على الجهل والتخلف والحرمان، فكان أكبر أعدائها العلم والانفتاح والتقدم التكنولوجي، باعتبارها الأسلحة التي حاربت وقضت على الأسس التي تقوم عليها الأنظمة المستبدة التي لا شرعية لها، وقد رأينا بالفعل سقوط العديد من هذه الأنظمة على مستوى المنطقة والعالم خلال العقود الأخيرة التي شهدت ثورة تكنولوجية وعلمية، وهناك أنظمة تصطف الآن على طابور الأفول وعلى رأسها النظام الملالي في طهران.

المعادلة تقول أنه كلما تقدم العلم وتطورت الحياة، نقصت أعمار الأنظمة المستبدة التي تفتقد إلى الشرعية والقاعدة الشعبية، وتعتمد في بقائها على الجهل والانغلاق وتخلف الشعوب، وقد رأينا ذلك بوضوح عندما انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي في إيران وأصبحت متواجدة على الأجهزة الذكية، انتفضت الشعوب الإيرانية في أكثر من 140 مدينة ضد نظام ولاية الفقيه، وكسر المواطن الإيراني قيود الخوف وخرج من عباءة الرعب التي ألبسه إياها الحرس الثوري العمود الفقري للنظام الإيراني.

إن ما تشهده إيران حاليا من انفتاح شعبي على المجتمع الدولي، وما يعانيه نظامها من عزلة دولية، وما ينتظره من عقوبات واستراتيجية شديدة من قبل المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة، والتي سيكون لها تأثير كبير على طهران سياسيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا، وما سينجم عنها من تفاقم للأزمات والمشاكل التي يعاني منها المواطن، مع وجود مسببات الثورة وحالة من الاستعداد الشعبي للانتفاضة ضد النظام، جميع ذلك يضع نظام الملالي أمام خيارين، إما العناد والسقوط مبكرا، وإما الاستسلام لشراء البقاء لسنوات قليلة!

وفي كلتا الحالتين فإن النظام الإيراني في طريقه إلى الزوال، سواء قريبا أو بعد سنوات قليلة، لأنه أصبح منتهي الصلاحية، لأسباب كثيرة، أهمها أن سياساته مرفوضة من قبل المجتمع الدولي، ومتناقضة مع أي تطور أو انفتاح، ولا يمكن أن تسير ضمن القانون الدولي والاتفاقيات الأممية، ولا يزال يعمل في إطار الثورة لا الدولة، ومن المحال أن يتم إصلاح النظام وسياساته لما تتصف به من الجمود وعدم قابلية الليونة، فإصلاح النظام يتطلب عدة شروط إذا نفذت سقط النظام، لأن تطبيقها يعني فسخ الاتفاقيات بين المرشد وزمرته من جهة، والحرس الثوري حامي عرين المرشد من جهة أخرى، فإصلاح النظام يتطلب القضاء على الفساد بكافة أنواعه ولا سيما السياسي والاقتصادي والإداري، ما يعني محاسبة الكثير من قادة ورموز النظام الإيراني المتورطين بقضايا فساد كبيرة كانت ولا تزال السبب في أكثر من 70% من أزمات ومشاكل البلاد، وهو أمر لم ولن يتم، لعدم وجود أي جهة – حتى رئاسة الجمهورية – قادرة على تنفيذ قوانين مكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين.

لذا فإن تم التوصل إلى صفقة بين إيران والولايات المتحدة بتنازلات إيرانية تستطيع السلطات التكتم على بنودها، لتلاشي سقوط النظام الإيراني في الوقت الحالي، وهو السيناريو الأرجح في الظروف الراهنة، فإن الأزمات والمشاكل المعيشية والاقتصادية التي كانت ولا تزال أهم أسباب الانتفاضة والثورة ضد أي نظام جائر، ستبقى وتتفاقم تدريجيا بسبب تفشي الفساد الذي أصبح مصيره مرهون بمصير النظام الإيراني، فإذا تم القضاء على الفساد في إيران سقط النظام تلقائيا، وما تعانيه الشعوب الإيرانية سببه الرئيسي هو الفساد بأنواعه وسوء إدارة البلاد وتدخلات النظام الإيراني الخارجية وعبثه بأمن واستقرار شعوب المنطقة وتهميشه للشعوب الإيرانية في الداخل.

لذا فإن المراهنة على بقاء النظام الإيراني لسنوات طويلة هي مراهنة خاسرة، وجميع المعطيات ومؤشرات ونتائج الأحداث المتعلقة بإيران داخليا وخارجيا، تؤكد أن نظام الملالي في طهران في مرحلة الاحتضار وعلى سرير الموت.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

1 أغسطس 2018