في الحقيقة، فإن تصريحات الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” التي دعا بها المسؤولين الإيرانيين إلى اللقاء والتفاوض دون شروط مسبقة، قد وضعت طهران في مأزق تاريخي وحقيقي، و بعد مضي نحو ثلاثة أيام على تلك الدعوة دون رد إيراني رسمي وقطعي عليها، يشير إلى وجود انقسامات حادة وتخبط شديد في أروقة الحكم، فالحكومة الإيرانية أمام اختبار جدي واختيار صعب، فإما الرفض الذي سيكون له انعكاسات دولية سلبية على إيران، واعتراف صريح على رفض إيران للحوار والتوصل إلى حلول بطرق سلمية، وإما القبول الذي سيكون له تداعيات داخلية سلبية للغاية، قد تقود إلى تحول الانقسامات والخلافات إلى مواجهات وصراعات داخلية خطيرة، وإلى فقدان الشعب كامل ثقته بالنظام الإيراني.

إن الخلاف الحقيقي في الداخل الإيراني حول التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية لا يكمن بمعاداة إيران للشيطان الأكبر كما يدعي قادة النظام في طهران، بل أن الخلاف حول من الجهة التي ستفاوض الولايات المتحدة والمخولة للوصول إلى صفقة معها؟ إذ يسعى روحاني كونه المسؤول التنفيذي الأول في البلاد إلى التفاوض مع أميركا بشكل علني كما حدث في المفاوضات التي وصلت إلى الاتفاق النووي، بينما يرفض ذلك الحرس الثوري، الذي يريد أن يكون هو الجهة التي تفاوض الولايات المتحدة والوصول معها إلى صفقة ولكن بشكل سري للغاية، حتى يضمن حفظ ماء وجه المرشد الذي يدعي عداءه للولايات المتحدة ويصفها بالشيطان الأكبر.

ولتحقيق ذلك، سارع قادة الحرس الثوري وعلى رأسهم “محمد علي جعفري” إلى إعلان رفض التفاوض مع ترامب، قبل أن تتخذ الحكومة الإيرانية الرسمية أي موقف واضح أو قرار قطعي لدعوة ترامب للتفاوض، وأرسل جعفري تهديدا مبطنا إلى الرئيس روحاني في رسالة وجهها للرئيس الأميركي بقوله إن الشعب الإيراني لن يسمح لمسؤولي الحكومة أن تتفاوض مع الولايات المتحدة، وهو تحذير لروحاني مفاده بأنه في حال قبلت التفاوض فإننا سنحرك الشعوب الإيرانية ضدك، ونسقط عنك الشرعية، وقد برزت المؤشرات التنفيذية على ذلك بمطالبة 190 نائبا في رسالة وجههوها إلى روحاني بتغيير القسم الأكبر من الحكومة، ويرى المراقبون أن الحرس الثوري والتيار المتشدد هم وراء التحرك البرلماني والشعبي ضد الرئيس حسن ورحاني.

وقد أكدت العديد من التقارير الصادرة من الداخل الإيراني، والذي نشرها موقع “سحام نيوز” الإصلاحي على شكل أجزاء، أن الحرس الثوري قد بدأ بإنشاء غرف فكرية تعمل ضد حكومة روحاني منذ نجاحه في انتخابات عام 2013، بهدف إضعاف جهوده وعدم السماح له بتحقيق إنجازات وانتصارات وتنمية تتيح له الطريق إلى بناء قاعدة شعبية تشكل خطرا على النظام الإيراني، على اعتبار أن روحاني من أشد الموالين لخامنئي، لكن لديه أطماع سلطوية وأهداف وصولية يريد تحقيقها إذا ما أتيحت له الفرصة، أو تلقى دعم شعبي وحزبي كبيرين، ولا سيما أن هناك تقارير تتحدث عن صراع شديد بين روحاني وعدد من الرموز المتشددة حول الوصول إلى منصب المرشد بعد رحيل خامنئي.

وعلى ما يبدو، وفي ظل استمرار تزايد هيمنة الحرس الثوري على شؤون البلاد سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، فإن هناك مشروعا قد أقره الحرس الثوري يهدف إلى إيصال شخصية متشددة تابعة ومدعومة من قبل قيادات الحرس الثوري إلى منصب المرشد بعد رحيل خامنئي، ولا شك أن الحرس الثوري سوف ينفذ هذا المخطط ولو بالقوة ورغما عن إرادة المرشد الحالي علي خامنئي، ويتضمن هذا المخطط أيضا تمكين المرشد القادم من صلاحيات أكبر وسلطة أوسع.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

2 يوليو 2018