تعود الاحتجاجات الإيرانية إلى التصاعد مرة أخرى، ويمكن التذكير بأن نمط الاحتجاجات الإيراني يختلف تماماً عما جرى في الدول العربية. ففي حين كان على شكل موجة عارمة عربياً، فإن الإيرانيين (الفرس والقوميات الأخرى)، اختاروا نمط الموجات المتتالية والمتصاعدة، وتحديداً منذ انتفاضة الأحوازيين عام 2005، ثم الخضر عام 2009، وما تلاها.

وفيما كانت الانتفاضات متباعدة، إلا أنها في العامين الأخيرين، بدأت تنحو باتجاه التكرار المتوالي من جهة، ورفع مستوى مطالب تلك الاحتجاجات، وصولاً إلى الطلب العلني بإسقاط النظام الإيراني. حيث باتت الفترات الفاصلة بين احتجاج وآخر محدودة، وهو مؤشر على أن الاحتجاجات قد تدخل قريباً مرحلة الاحتجاجات المتواصلة. بعد أن أدت هذه الموجات إلى تقويض شرعية النظام تدريجياً، وسمحت بإعلاء المطالب إلى هذا المستوى.

ربما كان استقرار النظام الإيراني، سابقاً، والتهديدات التي يتعرض لها، مرتبط بشكل كلي تقريباً، بالتهديد والضغط الخارجي الأميركي، أي أن استقرار النظام سابقاً كان قراراً أميركياً يتم تحريكه وفق المصالح والتوجهات السياسية، ووفق الأجندات المستجدة أميركياً.

أما حالياً، فقد تغير المشهد قليلاً، حيث أن الضغوطات الأميركية الجديدة، والتي تهدف فعلياً إلى انتزاع مصالح كبرى من إيران، على رأسها الهيمنة على الاقتصاد الإيراني، وترويض القوة الإيرانية في الشرق الأوسط، وإبعادها عن المصالح الأميركية، أكثر من إسقاط النظام ذاته، إلا أن هذه الضغوط (ضغوط ترامب تحديداً)، عززت دور الفاعل المجتمعي الإيراني.

حيث أن ضغوط ترامب أدت إلى تحديات اقتصادية لم يكن النظام قادراً على الصمود أمامها هذه المرة، مع انهيار حاد في العملة الإيرانية، وتهديد بجملة عقوبات كبرى سيتم فرضها خلال أيام قادمة، وانسحاب شركات كبرى غربية، عدا عن التهديد الأكبر بفقدان 70% من إيرادات الدولة السنوية (صادرات النفط).

هذه التحديات، سمحت للشارع الإيراني أن يكون هو التهديد الإضافي للنظام هذه المرة، وإن كانت بعض الآراء تذهب إلى أن الولايات المتحدة تتعمد إثارة الشارع الإيراني لإسقاط النظام من الداخل، من خلال التضييق على النظام اقتصادياً.

لكن هذه الفرضية قد يشبوها شيء من التشكيك، فعلى سبيل المثال، ربما إن قدمت إيران تنازلات في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة وتقييد عمليات الإعدام، ربما تكسب كثيراً لدى الرأي العام الأوروبي.

هذه التنازلات، ما عادت تثير اهتماما كثيرا في الولايات المتحدة، لذا فإن تنازلات اقتصادية تترافق مع ذلك لصالح الولايات المتحدة (على سبيل المثال استثمارات نفطية وسواها)، فإن ذلك قد يكون مقدمة لتقارب إيراني-أميركي جديد، وخصوصاً أن ترامب ذاته مستعد للحوار مع الإيرانيين، وبات واضحاً محددات سياسيات ترامب.

لكن ترامب لن يستطيع إعادة الشرعية للنظام الإيراني، فهي تتهاوى بسرعة، وخصوصاً في الشارع الفارسي، حيث أننا نلاحظ أن هذه الاحتجاجات، كانت على نوعيين:

  • احتجاجات فارسية ضد النظام وضد رموزه وأيديولوجيته.
  • احتجاجات عربية في الأحواز، يطغى عليها الطابع المطلبي (مياه، خدمات، وظائف …).
  • فيما لم تمتد حتى الآن هذه الاحتجاجات إلى القوميات الأخرى، وتحديداً البلوش والأكراد.

ربما يكون هذا الشكل من الاحتجاجات مناسباً أكثر لتحريك الشارع الفارسي، وهنا نفترض أن أي حراك قومي واسع آخر، قد يُشعِر الفرس بخطر يتهددهم من قبل قوميات أخرى، وخصوصاً أن غالبية المعارضة الإيرانية تمتلك ذات العنصرية السلطوية تجاه القوميات الأخرى.

أي أن الحفاظ على الزخم الفارسي، والذي بات على وشك الدخول في احتجاجات مستمرة، أو على الأقل احتجاجات متواصلة غير منقطعة انقطاعات طويلة، هذا الزخم، يقوّض ما بقي من شرعية النظام، ويوفّر حاضناً اجتماعياً أوسع، ويضع السلطة الإيرانية أمام تحديات ليست بقادرة على مواجهتها، وهي:

  • إما المواجهة العسكرية الواسعة، وهي خيار وارد للغاية، في حال أخفقت الحلول الأخرى، هذه المواجهة لا تبدو في صالح النظام، حيث أنها ستعجل بمواجهات أوسع ضده، وتقويض ما تبقى من شرعيته.
  • إقالة مسؤولين، ومحاسبة بعضهم، وتحميل اللوم على أطراف داخل النظام، لكن ذلك لن يؤدي إلى حل الأزمات التي يعاني منها النظام.
  • الإدارة بالأزمة، أي اختلاق أزمة أخرى، سواء داخلية أو خارجية، كما موضوع مضيق هرمز، أو سوى ذلك، بهدف حرف الرأي العام من جهة، وإيجاد مبررات لإعادة بناء الولاء للنظام. لكن يبدو أن ذلك أيضاً بات متأخراً، في ظل الاستنزاف الحاد لقدرات الشعب الإيراني على المعيشة، وأي أزمة يدفع النظام إلى اختلاقها قد تنقلب ضده في ظل هذه المعطيات.

لذا فإن أمام النظام فعلياً، مسارات صعبة، ما عاد بالإمكان المناورة منها:

  • الرضوخ للولايات المتحدة، واستعادة كثير من المشاريع والأموال، وإسناد الغرب للنظام حتى يتجنب انهياره، ولتحقيق هذا السيناريو يتطلب اقتناعاً كاملاً داخل أروقة النظام بالانهيار، واستحالة المعالجات الأخرى، وهو وإن ظهر في بعض تصريحات مثل تصريحات خاتمي بأن النظام والثورة والجمهورية في خطر، ولكن إحدى إشكاليات النظام (كما كل الأنظمة الراديكالية) أنه وإن أقر بذلك، فإن غير قادر على التنازل دون مساوات، وهذه المرة لن يقبل ترامب بكثير من المساومات.

عدا عن أن الوصول إلى نتائج، في حال البدء بهذا المسار، يحتاج إلى أشهر على الأقل، إن لم يكن سنوات، حتى يصل النظام إلى نتائج تضمن استمراره.

  • البدء بتفكيك النظام باتجاه نظام أقل حدة وراديكالية، مع شيء من المسار السابق، وهو أمر لا يبدو أن النظام قادر على إنتاجه نتيجة بنيته العقائدية، ونتيجة عدم القدرة على البناء على ذات الأسس، عدا عن التداخل الكبير بين مؤسساته، حتى غدت بنياناً لا يمكن هدم أي جزء منه. وإن كان يحاول أن يوحي بذلك، من خلال ما قد نشهده من إطاحة بعدة قيادات عليا قريباً، ربما تطيح بروحاني.
  • خيار المواجهة (بما فيه سقوط النظام)، يبقى قائماً، ولكنه مرتبط بجملة متغيرات على رأسها:
    • استمرار وتوسع التظاهرات الفارسية (المركز).
    • التنسيق الفارسي مع قوميات المحيط.
    • استمرار وتوسع الضغط الأميركي.
    • خسائر على جبهات إقليمية تحدث مزيداً من الضرر في شرعية النظام.
  • أما الخيار الآخر، فهو تداعي حلفاء إيران (الصين وروسيا)، لإنقاذ إيران، مقابل الهيمنة على اقتصادها، في ظل حروب تجارية بدأت تتصاعد، بين هذه الأطراف، وربما تجد الفرصة مناسبة لتحقيق تقدم في هذه الحرب، عدا عن أن عدة أطراف أوروبية، ترغب في التصدي الاقتصادي للولايات المتحدة. هذا السيناريو لن تتوفر له مقومات التحقق، إلا في حال اندفعت الولايات المتحدة إلى رفع مستوى حربها الاقتصادية على الدول الأخرى، كما أنه يحتاج إلى تنسيق عالٍ بين هذه القوى.

الملف الأخر الذي يرتبط بشكل مباشر بالملف الإيراني، هو الملف العراقي، الذي ما زال يشهد احتجاجات (شيعية)، على ذات النمط الإيراني، أي أن العراق شهد عدة موجات احتجاجية، طالت هذه المرة حاضنة النظام. والتي بلغت أقصاها خلال الأيام الماضية، ولكن جملة متغيرات حافظت على زخم هذه الاحتجاجات، وتوفر لها أسباباً في الاستمرار، وربما التوسع أيضاً، وعلى رأس ذلك:

  • ما يراه المحتجون من أن حكومة العبادي لم تلتزم بوعودها، وأنها غير قادرة على حل الأزمات التي تم التظاهر من أجلها، أي أن هناك إشكالية ثقة لم يستطع العبادي معالجتها، عدا عن أنه مقيد بحكومة تصريف أعمال.
  • محاولة بعض القوى السياسية توظيف هذه الاحتجاجات (وتعزيزها إن أمكن)، لمواجهة قوى سياسية أخرى، فعلى سبيل المثال أيدت المرجعية الدينية هذه الاحتجاجات ومطالبها، بهدف الحفاظ على مكانتها الاجتماعية في الشارع الشيعي، ومصادرة بعض توجهات المتظاهرين لاحقاً.
  • عدا عن أن قوى مثل تيار الحكمة (الحكيم)، والذي تم انتقاده بشد من قبل المتظاهرين، واستهدافه، يسعى لاستغلال هذه التظاهرات، والإقرار بشرعيتها، بهدف توظيفها لمصالحه.
  • العبادي نفسه، يستفيد من استمرار المظاهرات، في محاولة إبراز قدرته على الحراك والعمل، وتقديم مشاريع جديدة، والتخلص من خصومه داخل السلطة، بما يخدم موقعه كمرشح لرئاسة الحكومة، أو منصب آخر.
  • أما الصدر، فيبدو أنه لم يكن قادراً على حمل عبء النجاح الانتخابي، فلم يستطع بناء الكتلة “التاريخية الأكبر” التي كان يروج لها، من جهة. عدا عن أنه لم يستطع الوصول إلى توافق حول شخصية رئيس الوزراء، وتمثل شروطه (الأربعون) دليلاً على إخفاقه في عملية بناء حكومة جديدة، عدا عن محدودية فهمه السياسي، التي ظهرت منذ اللحظ الأولى، حين اعتقد أنه قادر على الانفكاك كلياً عن إيران.
  • عدا عن تحرك الجماعات المدعومة من إيران ليكون لها شارعها التظاهري الآخر المؤيد لإيران، وهو ما يعتبر تحدياً تسبب في تعزيز موجة المظاهرات.
  • احتجاجات الشارع الفارسي في إيران، والتي كانت تحمل ذات التوجه في العداء للعقائدية الدينية، كما الشارع الشيعي العراقي، وشكلت كذلك دافعاً آخر لتعزيز التظاهرات.

وفي ظل عدم التوصل إلى تسوية، أو مسار باتجاه التسوية، مع وجود عوامل التغذية المستمرة للتظاهرات، فإن المتظاهرين رفعوا من سقفهم المطلبي، إلى مطالب سياسية، بإسقاط الدستور وحل الأحزاب. الإشكال هنا أن الدستور عملية سياسية فرضتها الولايات المتحدة على العراق، وفق ما اعتبر حينها (حلف المنتصرين)، أي الشيعية والأكراد، ولا يمكن إسقاطه إلا من خلال التحول عن الفعل الاحتجاجي إلى فعل ثوري وطني يشمل مكونات الدولة الإثنية الرئيسة (سنة، أكراد، شيعة).

هذا التوجه لا يمتلك مقوماته حالياً، وخصوصاً أن الشارع السني في أضعف حالاته، والشارع الكردي ما يزال يتحدث عن مظلومية عربية وقعت عليه، وطالما يخشى من بروز قيادة عربية قوية ويشببها دائماً بصدام حسين، ويتحدث عن مطالب في مناطق نفطية، ويدافع عن الدستور الذي كان له دور كبير في صياغته. وأي إحساس باحتمال سقوط النظام السياسي الحالي، ربما يدفع الأكراد إلى إعادة طرح انفصالهم بعد تجميده العام الفائت.

عدا عن وجود ميليشيا مسلحة تابعة لإيران، لا تلتزم بأي قوانين، وقد تواجه المحتجين في حال أدركت أن الحراك الاحتجاجي قد يتحول إلى ثورة تسقط تسلط القوى الشيعية على العراق.

أي أن العراق في أزمة حقيقية، هي امتداد للأزمة الإيرانية، لا يمكن الخروج منها إلا بعمل جاد يدفع المحتجين إلى التراجع تدريجياً، ويكون قادراً على ضبط ردود فعل الميليشيات.

هذا الأمر يتطلب في الدرجة الأولى العمل على مكافحة الفساد، غير أن ما يجري في ذلك، يراه البعض توظيفاً سياسياً يلجأ إليه العبادي للقضاء على خصومه داخل الحكومة، وليس مكافحة فساد حقيقية، وهي عملية لا يمكن أن تقوم في ظل هذه المعطيات، لأنها ستطال جميع الفاعلين السياسيين، وكما صرّح أحدهم (النائب مشعان الجبوري)، على إحدى القنوات العراقية، الكل مرتشٍ وفاسد ومختلس دون استثناء، وذلك لمليارات الدولارات، بل إن الجبوري اعترف أنه أحد هؤلاء الفاسدين، وأن لا أحد في العراق قادر على ملاحقتهم، وإن تجرأ أحد على ذلك فسيختفي عن الساحة مباشرة (تصفية، أو اعتقال).

يضاف إلى كل ما تقدم، أن القوى الشيعية لم تعد كتلة تعمل بشكل متناسق كما في الفترات الماضية، بل إن مطامع الاستيلاء على قدرات العراق، في ظل غياب التهديد، جعلها كتلاً متنافسة قد تطيح ببعضها البعض.

أما الملف الإيراني الثالث المأزوم فهو ملف الحوثيين، الذي باتوا أمام تحدٍ جديد، يستشعرون من خلاله خطراً عليهم، وهو ملف المفاوضات، ويمكن ملاحظة تصريحات بعض قياداتهم (البخيتي مثلاً)، حول أنهم سيعملون على اكتشاف خطة المشاورات، وأنهم لم يتخذوا قراراً بعد، وسوى ذلك، ما يوحي بأنهم يتحضرون مسبقاً لرفض نتائج الجلسات الحوارية الشهر المقبل.

عدم قبولهم بالتفاوض، أو التنازل، يأتي نتيجة فرض إيراني لهذا التوجه، حيث يلحظ أنه في تصريحات أخرى يبدون رغبة في التشارك في الحكومة، وفي التحاور مع الإمارات والسعودية، لكن الضغط الإيراني، الذي يجعل منهم أداة لتحقيق نفوذ إقليمي، يمنعهم من اتخاذ قرار مستقل.

ولا شك أن تكلفة الحرب تبقى باهظة، على كافة الأطراف، لكن الحوثيين باتوا مدركين أنهم غير قادرين على تحقيق نتائج عبر سلاحهم، الذي وإن كانت ترسانته كبيرة، إلا أنها تتعرض للاستنزاف بشكل مستمر، عدا عن فقدان كثير من مقاتليهم، واضطرارهم لتجنيد الأطفال.

بالمحصلة، يبدو أن الحوثيين، بدؤوا يدركون أنهم في وضع حرج للغاية، فإما الاستمرار في المعارك والتعرض لهزيمة مطلقة، لا يمكن الخروج منها، في ظل توجيه إيراني بالاستمرار في هذه الحرب. في مقابل رغبة ملحة بأن يكون لهم دور سياسي مقبل، والمشاركة في حكومة جديدة، وإجراء انتخابات. أي أنهم بشكل آخر، ووفق تصريحات البخيتي، يحاولون إظهار ميول نحو شيء من القبول لمخرجات الحوار الوطني السابق.

لكن يبقى لدى الحوثيين معوّقات على عدة مستويات:

  • الخضوع للضغط الإيراني.
  • الخشية من عدم الحصول على مكاسب سياسية حقيقية.
  • نزع السلاح الثقيل، وهو ملف مهم للغاية، حيث يعتقد الحوثيون أن نزع سلاحهم قد يودي بهم، وهم يحاولون تكرار نموذج حزب الله، وهو أمر بالغ الخطورة، حيث سيسمح لهم بالانقلاب مرة أخرى.

ويحاول الحوثيون استغلال الملف الإنساني، ويبدو ذلك واضحاً في كثير من وسائل الإعلام الغربية، التي تحمّل التحالف العربي، كثيراً من المسؤولية عما جرى أو ما سيجري لاحقاً في هذا الملف. وربما ينساق في ذلك، قصف مدينة الحديدة، الذي ينشد الحوثيون من خلاله استجداء عطف بعض القوى الغربية، من خلال اتهام التحالف بهذا القصف. غير أن ردود الفعل الغربية، وإن ذهب بعضها بهذا الاتجاه، إلا أن كثيراً منها أشار إلى اتهامات متبادلة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 أغسطس 2018