على أيدي حماس تحولت المسألة الفلسطينية إلى مبرر لوجود التنظيم الإخواني وإلى دجاجة تبيض ذهباً، ودون احتكار الحديث عن القضية وباسمها لن تجد حماس ما تفعله وما تصرح به من بكائيات.

لا أحد يشكك في عدالة القضية الفلسطينية وفي حق الشعب الفلسطيني في السلام والعيش على أرضه مثل كل الشعوب. لكن بعض الفصائل والنخب الفلسطينية أدمنت في تصرفاتها وتصريحاتها على التعاطي مع هذه القضية العادلة بوصفها مظلومية للاستهلاك والمتاجرة والتكسب السياسي العاطفي، وإلقاء اللوم على الآخرين، والبحث عن أعداء افتراضيين لتحميلهم المسؤولية، بينما تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الفلسطينيين أنفسهم أولا، وعليهم أن يحافظوا على صورتهم كأصحاب حق وعلى شكل خطابهم السياسي والإعلامي، ليكونوا قدوة ونموذجا يدفع العالم للاستمرار في جعل قضيتهم في واجهة الاهتمام على المستويين الإقليمي والدولي. لأن ما يظهر على السطح بشكل متكرر يوحي بعكس ذلك ويمضي في اتجاه تقديم صورة سلبية عن أطراف فلسطينية معروفة بامتهان المتاجرة بمظلومية الشعب الفلسطيني لأغراض حزبية انتهازية.

وفي سبيل هذا التوجه الانتهازي تقوم تلك الأطراف بتحريض الفلسطينيين على كراهية بعض المجتمعات العربية بشكل عام، مع التركيز على كيانات سياسية عربية محددة، وبالذات في الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات. ويتناسى أولئك الحاقدون أن حكومات وشعوب الخليج تقف إلى جانب الفلسطينيين منذ بدء النكبة، لكن الحقد الأعمى يوجه سلوك وخطاب من يتاجرون بقضية فلسطين، وهم بذلك السلوك يضرون بقضيتهم، كما يتجاهلون الأثر النفسي العكسي الذي يحدث لدى الشعوب والحكومات التي يوجهون نحوها سهام الحقد والبغضاء ونكران الجميل.

ولكي نتحدث بوضوح أكثر، لا بد من الإشارة إلى العبث المتكرر الذي تمارسه حركة حماس الإخوانية ومن يتبعون خطابها الإعلامي المشوه الذي يقوم على البكائيات والبحث عن أعداء خياليين للقضية الفلسطينية، وممارسة ابتزاز عاطفي يستغل القضية في أوساط الجمهور لتحويلها إلى بقرة حلوب لجلب الأموال وتوزيع الاتهامات وشيطنة دول بعينها، وفي مقدمتها دول الخليج، رغم أن حكومات وشعوب الخليج لم تتوانَ طوال العقود الماضية عن دعم الشعب الفلسطيني وقضيته سياسيا وماليا وإعلاميا، وبكافة أشكال الدعم على مستوى المؤسسات الدولية كلما تم طرح الملف الفلسطيني على طاولة الحوار والنقاش.

لقد ظل الصوت الخليجي وسيبقى مرتفعا إلى جانب الصوت الفلسطيني في المحافل الدولية، ولم يتخل الخليج عن دعم قضية فلسطين، كما لم يتوقف الدعم الخليجي الذي يتم تقديمه للفلسطينيين عبر المنظمات الدولية أو بشكل مباشر عبر التسهيلات المتمثلة في استيعاب أعداد كبيرة من الفلسطينيين ضمن الجاليات العاملة في الخليج. ومع ذلك ترتفع الأصوات النشاز بين فترة وأخرى للتشكيك في موقف الخليج واستفزاز الدول الخليجية ووضعها في خانة العدو، لأسباب أقرب ما تكون إلى العداوة المجانية الحاقدة التي ينتهجها قطاع يتصف بالتنمر والابتزاز ومحاولة الانتقام من سياسة دول الخليج الكبرى تجاه التطرف وتنظيماته.

لقد أضر المتطرفون بالقضية الفلسطينية وخاصة حركة حماس الإخوانية التي تحاول الجمع بين الولاء لإيران والولاء لتنظيم الإخوان وحركات التطرف التي تجتمع تحت لافتة الإسلام السياسي. وهؤلاء جلبوا الكوارث لقضية الشعب الفلسطيني، وتحولوا إلى عوائق كبرى تمنع التوصل لحل عملي لمحنة الشعب الفلسطيني.

وعندما يتوهم المتاجرون بالمظلومية الفلسطينية أنهم استطاعوا خداع الآخرين واستغلال العاطفة الشعبية تجاه موضوع فلسطين فإنهم ينكشفون بسهولة. فقد ثبت فشل حماس في التحول إلى قوة سياسية بعيدة عن معطف الإخوان العبثيين الذين لا يريدون أن يتحقق أي حل مشرف للقضية الفلسطينية. إنهم بذلك يخدمون السياسة الإسرائيلية عندما يجعلون من أنفسهم أبواقا لاستعداء الجميع من أجل الاستمرار في الاستئثار بحكم قطاع غزة على حساب إيجاد حل شامل.

ومن يتابع الخطاب الإعلامي الذي تتبناه حركة حماس المتطرفة في وسائل إعلامها، يلاحظ مدى التطابق والتشابه بين خطاب حماس وخطاب الإعلام الإيراني الذي أصبحت لديه خبرة كبيرة في المتاجرة بالقضية الفلسطينية منذ عهد الخميني. بمعنى أن الطرف الإيراني نقل خبرته في المتاجرة بمظلومية فلسطين إلى حركة حماس وإلى إعلامها وخطابات قادتها.

وفي النهاية لا يريد الإيرانيون ولا الحمساويون للقضية الفلسطينية أن تنفرج أو تتقدم باتجاه إيجاد حلول تكفل الحقوق المشروعة للفلسطينيين بالقدر الذي يضمنه المجتمع الدولي والظروف الواقعية. إنما يريد الإيرانيون ومعهم حماس أن تبقى القضية الفلسطينية عالقة لكي يتاجرون بها ويحققون من ورائها مكاسب إعلامية وشعبوية زائفة، ويرمون تهم الخيانة والتقصير جزافا ضد من يؤيدون حلولا عملية تنهي الصراخ الإعلامي والاستغلال المشبوه لمعاناة الفلسطينيين.

تضع حركة حماس نفسها في سلة إيران منذ سنوات طويلة، ليس فقط من خلال تشابه الخطاب الإعلامي، بل عبر الاشتراك مع إيران في معاداة دول الخليج العربي والتطاول الإعلامي المتكرر ضدها. وهذه التبعية المطلقة من قبل حركة حماس للنظام الإيراني تجعل من مواقفها مجرد شعارات زائفة للاستهلاك، وتجعلها، مثل غيرها من المجموعات المتحالفة مع إيران، مجرد ذراع إيراني ناطق بكل ما تريده وتتبناه طهران.

والمتابع للأحداث والتصريحات التي تنشرها حماس عبر أصوات تابعة لها تستهدف السعودية والإمارات، يكتشف السر وراء ذلك، من خلال معرفة حجم الولاء الذي تدين به حماس لنظام الولي الفقيه في إيران، مقابل دعم مالي وإعلامي لفصيل حماس الذي يمثل بؤرة الإخوان المسلمين في غزة، ومهمتهم الحصرية اختطاف حق الحديث باسم القضية الفلسطينية وممارسة التسلط والاحتكار.

فعلى أيدي حركة حماس تحولت المسألة الفلسطينية إلى مبرر لوجود التنظيم الإخواني وإلى دجاجة تبيض ذهباً، ودون احتكار الحديث عن القضية وباسمها لن تجد حماس ما تفعله وما تصرح به من بكائيات.

اشتراك حماس في الولاء المزدوج لإيران ولحركة الإخوان يجعل من سلوكها وخطابها العدائي ضد الخليج العربي أكثر شراسة، لأنه مزود بتوجيهات فارسية وأخرى إخوانية. وكلا المرجعيتين الفارسية والإخوانية لا تطيقان الخليج الذي أفشل مشروع الإسلام السياسي التخريبي، كما يقف بالمرصاد للمد الفارسي في المنطقة العربية.

لكل ما سبق فإن استمرار التمادي في التطاول على حكومات الخليج بأصوات محسوبة على الساحة الفلسطينية، يستدعي من الفلسطينيين العقلاء مراجعة هذا النوع من التكالب ونكران الجميل المنسق بشكل منهجي أحيانا.

ففي النهاية على الفلسطينيين ملاحظة أنهم يقعون في فخ إدمان إلقاء اللوم على غيرهم تجاه إشكاليات وتعقيدات قضيتهم وانسداد أفقها، وبالتحديد على دول الخليج التي يتوجهون نحوها في معظم الأحيان بسهام طائشة لا يمكن التغاضي عن دوافع من يطلقها. وخاصة أن بعض التطاولات تكاد أن تقول إن دول الخليج هي التي منحت أرض فلسطين للإسرائيليين، لذلك يجب أن يتوقف هذا النوع من الانفعالات المعجونة بمزيج من الحقد والجهل والتخلي عن المسؤولية الذاتية تجاه الماضي وتجاه المستقبل.

يجب كذلك أن يكف الكثيرون عن تبادل صورة ذهنية شائعة تنظر إلى دول الخليج العربي وكأنها مسؤولة عن أمن الوطن العربي برمته. صحيح أن دول الخليج غنية بعائدات الثروة النفطية، لكنها ليست الدول الوحيدة الغنية في المنطقة، فلماذا يتجاهل الطامعون في ثروة الخليج أن الجزائر وليبيا على سبيل المثال من الدول الغنية أيضا وأن عائداتهما لا تقل عن الثروة في الخليج؟

ولماذا يقابل البذل الخليجي على مدى العقود الماضية بنكران الجميل؟ وعلى وجه الخصوص لماذا يتجاهل الفلسطينيون فجأة التاريخ الطويل للتضحيات التي قدمتها مصر والمساعدات التي قدمتها دول الخليج، أما الأردن فقد قدمت بمفرده الكثير رغم شح إمكانياته، وصولاً إلى احتضان الفلسطينيين ومنحهم جنسيته.

فإلى متى يستمر استثمار هذه المظلومية والمتاجرة بها؟ فمهما ارتفعت الأصوات المتظاهرة بالحرص على فلسطين، لم يعد خافياً أن لصوص القضية يجدون فيها تجارة رابحة ووسيلة للاستعطاف.

وبذلك أصبحت هذه المتاجرة السياسية تجلب الكسل الذهني والفكري لدى بعض القادة الفلسطينيين، وخاصة أولئك الذين يعجبهم الوضع القائم ويماطلون من أجل الإبقاء على الحال كما هو، في سبيل استمرار التكسب والتربح من القضية وتحويلها إلى مظلومية دائمة من دون حل.

رابط المقال بجريدة العرب:مظلومية فلسطين والمتاجرون بالقضية

بقلم:د .سالم حميد

تاريخ النشر:8 أغسطس 2018