وضعت دعوة ترامب إيران للتفاوض دون شروط مسبقة الكرة في ملعب إيران، ولكن يخطئ من يظن أن ذلك ملمحا لتراجع أميركي، لا سيما أن هذا التغيير قد جاء بعد حرب كلامية وتهديدات صدرت من كلا الطرفين.

لقد أوقع ترامب إيران في مصيدة أفعالها، وجعل قادتها يتخبطون يمنة ويسرة، فهم غير قادرين على اتخاذ موقف موحد أو رد حاسم متفق عليه من قبل النافذين في السلطة على دعوة ترامب وأيضا على كيفية التعامل مع العقوبات الجديدة والتي ستشتد في الرابع من نوفمبر القادم لتشمل تصدير النفط الذي تعتمد عليه ميزانية الدولة بنسبة 70%، ما يعني انهدام أهم أعمدة النظام الإيراني.

إن ما تحتاج إليه إيران في الأوضاع الراهنة هو الحكمة والعقلانية، والقبول بتفاوض مع الولايات المتحدة، وهو ما لن يسمح به الحرس الثوري، لأن ذلك يسقط اللثام عن النظام وعسكره الثوري أمام الشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة التي انخدعت بمبدأ مقاومة إيران لأعداء الأمة، فضلا عن أن الوصول إلى نتيجة في التفاوض مع الولايات المتحدة يتوقف على أمرين أساسيين، وهما: البرنامج النووي الإيراني والصاروخي، وأيضا سلوك وتدخلات الحرس الثوري وفيلق القدس في المنطقة، وبقاء النظام الإيراني مرهون تماما بهذين العنصرين، غير أن استمرار العناد الإيراني والاعتماد على المفاوضات السرية التي يترأسها الحرس الثوري بعيدا عن الحكومة الإيرانية لن تكلل بأي نجاح، لأن هدف الإدارة الأميركية من إعادة فرض عقوبات على إيران هو كبح جماح أنشطة الحرس الثوري الذي أصبح يهدد مصالحها الإقليمية بزعزعته استقرار دول المنطقة، لذا فإن الولايات المتحدة سترفض أي تفاوض مع جهات لا تمثل الرئاسة الإيرانية، وهو ما لن يسمح به الحرس الثوري، ما يعني دخول الأزمة في نفق مظلم.

إن المرحلة التي تمر فيها إيران حاليا تعتبر من أصعب المراحل منذ مجيء هذا النظام عام 1979، لأن عملية صنع القرار وتحديد المواقف ليست سهلة كما كان مسبقا، فلا يوجد العديد من السيناريوهات، والخيارات أصبحت محدودة للغاية، فجميع التقارير والدراسات وآراء الخبراء والمختصين تشير إلى أن إنقاذ إيران اقتصاديا يعتمد حاليا بشكل أساسي على التفاوض مع الولايات المتحدة.

وقد تحولت سياسات ترامب تجاه إيران إلى الشماعة التي يعلق عليها المسؤولون في طهران أخطاءهم ونقاط ضعف إدارتهم، من خلال الترويج إلى فكرة أن كافة المشاكل التي تعاني منها الشعوب سببها سياسات أميركا وعدائها لإيران، في حين أن ترامب اقترح الآن التفاوض مع طهران، فلم يعد للقابضين على السلطة في إيران شماعة أخرى لتعليق الأسباب الحقيقية لتلك الأزمات والمشاكل وهي الفساد والتدخلات الإيرانية في شؤون المنطقة وسعي الحرس الثوري لامتلاك سلاح نووي يهدد به أمن واستقرار المنطقة والعالم، وجميع الأسباب السابقة هي موضع رفض من قبل الشعوب الإيرانية التي تتطلع إلى العيش الكريم بعيدا عن المشكلات التي تتفاقم يوما بعد يوم حتى وصلت إلى درجة تهديد حياتهم.

إن ما سبق يؤكد بالضرورة أن إيران تقبع حاليا على صفيح ساخن، سياسيا وشعبيا، فهناك حالة من الانقسامات والخلافات بين صناع القرار السياسي، ولم يعد بمقدور المرشد الأعلى علي خامنئي معالجة تلك الانقسامات أو حتى السيطرة عليها، لأن السفينة تغرق، والأوضاع برمتها دخلت في حالة من التخبط، وهناك حالة من الغليان الشعبي برزت جلية في الأيام الأخيرة التي مضت من خلال اندلاع مظاهرات شعبية في عدد من المدن الإيرانية احتجاجا على الأوضاع المعيشية السيئة للغاية، ومع فرض العقوبات حاليا واشتدادها في نوفمبر المقبل، يعني أن الأزمات والمشاكل ستتصاعد وتتفاقم، وستزداد معها المظاهرات والاحتجاجات التي أصبحت تطالب بإسقاط النظام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

8 أغسطس 2018