حسم المرشد الإيراني علي خامنئي مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة، وقال “لا تفاوض مع أميركا ولا حرب معها”، في حين أن التقارير تؤكد أن فريق حكومة روحاني قد فتح قنوات سرية للتفاوض مع مسوؤلين في الإدارة الأميركية لمحاولة التوصل إلى اتفاق يجنب الحكومة الإيرانية من فشل كبير قد يكلفها حياتها.

لقد رسم خامنئي في تصريحاته الأخيرة لعبة جديدة مع الولايات المتحدة من جهة، ومع الرئيس روحاني ومؤيديه من جهة أخرى، إذ قطع الطريق على فريق روحاني لإجراء أي حوار مع الولايات المتحدة، في حين أنه ظهر للعالم بأنه ثابت ويقاوم السياسات الأميركية، وأن بلاده ليست معنية بالحرب، غير أن هناك سباق خفي بين فريق خامنئي وفريق روحاني نحو التفاوض مع الولايات المتحدة والوصول إلى اتفاق معها يجنب انهيار الدولة والنظام.

وكما تنازلت إيران عن حقها بنسبة 50% من بحر قزوين للدول المطلة عليه وخاصة روسيا، في توقيعها على اتفاقية النظام القانوني لبحر قزوين مؤخرا، حسبما كشف عنه الروسي “رجب صفروف”، فإن طهران تكون مستعدة لتقديم مزيد من التنازلات للولايات المتحدة لأجل التوصل معها إلى اتفاق يرفع العقوبات عنها، غير أن الخلاف في الداخل الإيراني يكمن في الجهة الإيرانية التي لها الحق في إبرام هذه الصفقة، وهو خلاف خفي بين الحكومة الإيرانية والحرس الثوري لا يزال المرشد الإيراني يسيطر عليه، أساسه الصراع حول الصلاحيات والهيمنة السياسية والاقتصادية واتخاذ القرارات السيادية.

ويسعى الحرس الثوري حاليا عبر قياداته ووسائل الإعلام إلى الترويج لهذا الحظر، وضرورة فهم هذا الموقف على أنه مرحلة جديدة أطلقها المرشد الأعلى منع خلالها أي وجود لأي خطاب داخلي ينادي للتفاوض مع واشنطن، حتى يقطع الطريق أمام روحاني، ويستغل هذه التصريحات في تعقب ومعاقبة بعض الشخصيات التي ترى ضرورة التفاوض في ظل الظروف الراهنة الصعبة التي تمر بها البلاد، وأن المهلة التي فَسَحها القائد الأعلى لإيران أمام التيار الداعي للتقارب مع الغرب قد انتهت تماما، وخاصة أن هذا الأمر مدعوم بموقف مماثل للمرشد الأول الخميني حين رفض كلاميا التفاوض مع أميركا، والأكثر دلالة في خطاب خامنئي أنه علّق مشاكل وأزمات البلاد على شماعة فشل حكومة روحاني في إدارة البلاد، حيث أكد أن أزمات البلاد سببها سوء الإدارة وليس العقوبات الأميركية.

وحاليا يريد الحرس الثوري أن يطرح مشروع إعلامي والترويج له يؤكد خلاله أن إعلان انتهاء “التجربة التفاوضية مع أميركا” يعني التخلي عن حكومة الرئيس حسن روحاني، التي استخدمت التفاوض مع الغرب والتوصل إلى اتفاق نووي شعارا فازت بموجبه في الانتخابات مرتين متتاليتين، وأن سبب الأزمات والمشاكل الداخلية إدارة روحاني وليس العقوبات، ما يعني أن الحرس الثوري لديه نوايا الإطاحة بروحاني عبر منعه من التفاوض مع واشنطن وتحميله مسؤولية كافة أزمات البلاد، ومن ثم استقدام رئيس متشدد خاضع لسيطرته، ولا يختلف معه في أهم الأمور وأخطرها وعلى رأسها تحديد الشخصية التي سوف تورث منصب المرشد الإيراني بعد رحيل خامنئي، حتى يضمن الحرس سيطرته على البلاد في كافة الجوانب وخاصة الاقتصادية والسياسية التي سعى روحاني خلال ولايته إلى تقليصها ومنح جزء منها لمكتب الرئاسة، وقد أكد هذه النوايا أيضا تقريرا نشره مؤخرا موقع “آمد نيوز” يؤكد فيه أن الحرس  الثوري قام بتخزين نحو 40 مليار دولار من عوائد النفط في مطار “بيام” بهدف تهريبها إذا ما اندلعت ثورة عارمة في إيران أو استخدامها للإطاحة بحكومة روحاني وتعيين حكومة جديدة خاضعة للحرس الثوري والتيار المتشدد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

15 أغسطس 2018