أصبح من الدارج أن من يقترب من قطر سينهار اقتصاديا وتهبط عملته إلى أدنى المستويات، وهو أمر قد يكون متعلق بمفهوم التشاؤم، إلا أنه حقيقة أثبتتها نتائج التقارب الإيراني والتركي من تنظيم الحمدين، ولا سيما بعد اندلاع الأزمة القطرية الراهنة، وهرولة طهران وأنقرة إلى دعم المواقف القطرية العدائية ضد الأشقاء العرب، ورغم أن الدعم الإيراني والتركي قد اقتصر على الدعم الأمني والسياسي والإعلامي، إلا أن اقتصاد البلدين قد تأثر سلبيا كثيرا، وفقدت عملتهما الوطنية أكثر من نصف قيمتها، وهو ما يدل على السياسات الخاطئة التي تنتهجها إيران وتركيا تجاه الملفات الإقليمية وتدخلاتها المباشرة وغير المباشرة في شؤون دول المنطقة.

فخلال العام الجاري، خسرت العملة الإيرانية أكثر من 50% من قيمتها، ووصل سعر الريال أمام الدولار إلى نحو 120 ألف ريال لكل دولار، في حين خسرت الليرة التركية أكثر من 40% من قيمتها، وتجاوزت حد السبعة ليرات لكل دولار، وهو انهيار تاريخي يضع اقتصاد كلا البلدين أمام المجهول، حيث دخلت إيران مرحلة الانهيار الاقتصادي، ووصل التضخم فيها إلى أرقام قياسية تجاوزت 12%، وفي تركيا إلى أكثر من 15% ولا يزال يواصل الارتفاع في كلا البلدين.

هذه الانهيارات لها جملة من الأسباب، على رأسها دعم كلتا الدولتين للجماعات الإرهابية في المنطقة، ولعب أدوار أكبر من حجمها في الملفات الإقليمية، وتدخلها بشكل سافر في دول المنطقة، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، والأهم انتهاجها سياسات عدائية تجاه الدول العربية الداعمة لمكافحة الإرهاب بهدف دعم النظام القطري ومساندة مواقفه تجاه الدول المقاطعة، وهذا السبب هو الأقوى، لأن أزمات إيران وتركيا قد تفاقمت كثيرا بعد إعلانها الوقوف إلى جانب تنظيم الحمدين في الأزمة الراهنة، ما انعكس سلبا على علاقاتها مع باقي دول المنطقة.

أقلقت هذه الانهيارات السريعة نظام الحكم في الدوحة، وأدخلته في دوامة التخبط وعدم القدرة على اتخاذ القرارات بخصوص الأزمة التركية والإيرانية، غير أن تنظيم الحمدين لم يجد مفرا من الخضوع للتهديد والابتزاز التركي، وسارع إلى دفع فاتورة حماية أنقره له، وذلك حين قرر الأمير القطري دعم الاقتصاد التركي بمبلغ 15 مليار دولار في صورة استثمارات جديدة وودائع وضمانات، وذلك خلال زيارته لأنقرة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تشهدها تركيا، وانهيار سعر العملة الوطنية مقابل الدولار.

وفي الحقيقة، فإن الخطوة السابقة لا تسمن ولا تغني من جوع من قبل كلا الطرفين، فهذا المبلغ لن يكن له أي تأثير على الأزمة الاقتصادية التي تواجهها تركيا، لأنه يغلب عليها طابع الاستمرار والتفاقم في ظل تشديد العقوبات الأميركية عليها، ومن جهة أخرى، فإن قطر لن تكون قد أوفت حق تركيا في الدفاع عن تنظيم الحمدين، وعليها ضخ المزيد في الأسواق التركية وإلا ستخسر أحد أكبر حلفائها، إضافة إلى ذلك فإن الدوحة لن تكن قادرة على اختبار مزيد من صبر الولايات المتحدة، التي ستغضب من معاندة الحمدين لها في سياساتها في المنطقة، ما يطرح احتمالية أو حتى ترجيح تفعيل عقوبات أميركية على قطر.

وكما هو واضح من السياسة الإعلامية لأنقرة، فإنها تسعى في الوقت الحالي، وفي ظل تفاقم أزماتها الاقتصادية أن توهم تنظيم الحمدين بأن جنودها أنقذوا الدوحة من انهيار كان حتمي، وأنه لولا التدخل التركي في الوقت المناسب، لأصبحت الدوحة في مهب الريح، أو أنها تعرضت للاجتياح من قبل جيوش دول المقاطعة، على الرغم من أن دول الرباعي العربي لم تفكر بأي عمل عسكري ضد تنظيم الحمدين، وهي نفس النغمة التي تلحنها إيران لقطر، ما يعني أن تنظيم الحمدين قد سقط في مصيدة الفرس والأتراك، ما يجعله يدفع الثمن باهضا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

16 اغسطس 2018