لم تكن يوما إيران بعيدة عن أي مخطط غربي صهيوني يهدف إلى تخريب أي دولة عربية، بل أنها كانت ولا تزال تؤدي الدور الرئيسي في أي مشروع تخريبي داخل منطقة الدول العربية، فهي السبب في تخريب العراق واليمن وسوريا ومحاولة إثارة الفوضى في لبنان والبحرين وغيرها، ولها يد في إثارة الفتن في دول المغرب العربي، ولا تزال ترسم المخططات بنفسها أو تشارك في المآمرات التي تهدف إلى توسيع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة، وتصر على عدم انتقالها من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة.

فإيران التي تقاد من قبل رجل واحد وهو المرشد الأعلى، عبثت فيها الأوهام وجعلتها ترى من نفسها قدرة فائقة على تغيير المعادلات ومد النفوذ هنا وهناك، من خلال تقديم نفسها كأهم وأقوى الأدوات بيد القوى الغربية الطامحة بقيادة تغييرات تصب في مصلحتها وعلى رأسها الولايات المتحدة، حتى أصبحت طهران من أهم الأدوات التي تعتمد عليها القوى الغربية في تنفيذ أجنداتها في المنطقة، ورغم العداء الصوري الذي يظهر إعلاميا بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن الأولى أثبتت للثانية أنها كانت ولا تزال في أمس الحاجة إليها لتنفيذ المخططات الأميركية الصهيونية، وأن إيران قادرة على تقديم الخدمات لها أكثر من إسرائيل نفسها.

 وفي الحقيقة، فإن نتائج السياسات الإيرانية لا تصب سوى في مصلحة القوى العظمى في العالم وعلى رأسها أميركا وروسيا، وتسهم إلى حد بعيد في تنفيذ وإنجاح المشروعات الصهيونية، ولا تزال إيران لديها الرغبة الشديدة، رغم العقوبات الأميركية، في إثبات أنها الأكثر أهمية وفاعلية في خدمة المصالح الأميركية في المنطقة، وهو ما يرجح أن تقدم إيران المزيد من التنازلات والضمانات للولايات المتحدة من تحت الطاولة لأجل التوصل إلى اتفاقيات تخدم المصالح الأميركية والإيرانية معا على حساب دول المنطقة بما فيها الجهات والدول الحليفة لإيران في الوقت الراهن.

ونظرا لتصريحات المسؤولين الإيرانيين، وما تتبعه طهران من خطوات، في ظل إصرارها على دفع الدول للتمسك بالاتفاق النووي، وسكوتها أمام تلقيها بعض الضربات من الولايات المتحدة، وما تردد من أخبار حول وجود قنوات اتصال سرية بين قيادات من الحرس الثوري ومسؤولين في إدارة ترامب، فإن كل المؤشرات تدل على أن إيران تسعى للتوصل إلى اتفاق مع ترامب لرفع العقوبات، غير أن ذلك يتطلب جهدا كبيرا من طهران لإقناع البيت الأبيض بعدم التمرد ثانية على الولايات المتحدة وضمان عدم التوصل إلى أسلحة نووية أو تطوير أسلحة تشكل خطرا على أمن إسرائيل والمصالح الأميركية في المنطقة.

الساحة العراقية ستكون ساخنة في ملف التنازلات الإيرانية، حيث من المؤكد أن تقدم إيران ضمانات للولايات المتحدة بعدم المساس بأي من المصالح الأميركية، وضمانات أخرى بعدم إلحاق أي ضرر أمني أو سياسي بالكيان الصهيوني، والالتزام بالتوجيهات الأميركية كافة لاسيما فيما يتعلق بالملفات الإقليمية، ما يعني أن الأذرع الإيرانية في المنطقة سوف تكون موجهة فقط لإلحاق الأضرار بشعوب وأنظمة المنطقة.

وإذا لم تستطع إيران إقناع الإدارة الأميركية بتنازلتها، فإنها ستواجه أزمات لن يكون بمقدورها معالجتها أو تجاوزها، لذا فإن المرحلة القادمة ستكون خاصة في الصراع بين عزم إدارة ترامب على وضع حد للتمرد الإيراني وبين محاولات طهران إثبات قدرتها على خدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية، وتكثيف مساعيها على المستويات كافة لأجل إعادة رسم العراق وفق تطلعات واشنطن ورغبتها كأهم تنازل إيراني في الوقت الراهن.

المخاوف هنا تتعلق بأن تستغل الولايات المتحدة النفوذ الإيراني في العراق لأجل اختراق القواعد الشعبية للقوى المناهضة للولايات المتحدة، وشراء ولاءات المكونات والشخصيات السياسية وخاصة الشيعية، بما يخدم التواجد الأميركي طويل الأمد في العراق، مقابل صمت الولايات المتحدة ولو الجزئي عن السلوك الإيراني وأنشطة الحرس الثوري الإرهابية في المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

18 سبتمبر 2018