بعد مجيء النظام الإيراني الحالي عام 1979، أصبحت صفة الازدواجية صبغة أساسية في سياساته وعلاقاته مع دول العالم، ولاسيما الإقليمية منها، ويعتمد على استخدام السلوك المزدوج في المواقف في تعاطيه مع القضايا الإقليمية والدولية، ويستغلها أكثر في علاقاته مع دول المنطقة كلعبة يستخدمها للهروب من أي مأزق يورط هذا النظام في انتهاكاته للقانون الدولي واحترام سيادة الدول الأخرى، من خلال التدخلات في شؤون الغير وصناعة جماعات وجواسيس تبث روح الفتنة والانقسام أو القيام بتفجيرات تهدد أمن البلاد وغيرها من سلوكيات النظام الإيراني المعادية لدول المنطقة.

إن ما تشهده المنطقة من أحداث وتحولات ومستجدات وكيفية تعاطي الجانب الإيراني لهذه القضايا، كشفت عن ازدواجية السياسة الإيرانية والخطاب الإعلامي تجاه المنطقة وقضاياها، وبينت أهداف ازدواجية المعايير في السياسة الإيرانية الرامية إلى خلق المزيد من الانقسامات في المنطقة بغرض تحقيق أهداف الثورة الإيرانية المزعومة والموهومة في التوسع والتمدد.

لم نلاحظ منذ فترة توافق المسؤولين الإيرانيين على موقف واحد، أو سلوك مشترك في تعاطي الجانب الإيراني مع أي قضية مستحدثة سوى اتفاق الجميع على نشر الإرهاب والتطرف والتدخلات هنا وهناك، وهو ما يكشف اللعبة التي يمارسها النظام الإيراني في الداخل والخارج من خلال خلق فريقين مختلفين في الفكر والسلوك لإدارة شؤون البلاد الداخلية والخارجية، بحيث يكلف الأكثر انفتاحا واعتدالا لبناء المفاوضات وعقد المشاورات والتوصل إلى اتفاقيات يجلب بها رضاء الآخرين ويكف شر عداوة الأعداء، ويكلف الفريق المتشدد بالعمل بسرية لزراعة الجواسيس وخلق جماعات متطرفة وتنفيذ أجندات النظام الملالي والتخطيط للتفجير وبث الفتنة والانقسام بهدف إضعاف الدول لسهولة السيطرة عليها وترسيخ مكتسباتها لصالح إيران.

حاليا يلعب النظام الإيراني لعبة شيطانية في تقسيمه لفريق إدارة شؤون البلاد إلى فريقين:

 الأول: فريق معتدل بقيادة حسن روحاني رئيس الجمهورية ذي الصلاحيات المحدودة واقعيا وفريق عمله، مهمته بناء مفاوضات والدخول في حوارات تهدف إلى طمئنة المجتمع الدولي حول السلوك الإيراني المثير للجدل في المنطقة، بهدف كسب الأصدقاء وخداعهم ودفع شر الأعداء، كل ذلك بتصريحات وابتسامات مخادعة.

الثاني: فريق متشدد بقيادة الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الأخرى، مدعومة بأفكار زعماء الدين المتطرفين وقيادات التيار المتشدد، وهدفه العمل على تحقيق أهداف الثورة الإيرانية المرسومة في مخططات بيت الخامنئي بطرق سرية من خلال تدخلات سافرة في دول المنطقة، وتجنيد جماعات طائفية تدين للولي الفقيه بالولاء والانتماء، حتى تكون يد إيران الطائفية التي تهدد بها التعايش السلمي بين كافة المذاهب والأديان في دول الجوار.

بهذا الفريق المزدوج فكريا وسلوكيا، تتضح ازدواجية معايير السياسة من قبل الجانب الإيراني وأهدافها الحقيقية، ففي الوقت الذي يكون فيه وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في زيارة لأحدى دول المنطقة، يكون فيلق القدس يخطط لتنفيذ تفجيرات أو اغتيالات لزعزعة أمن هذه الدول.

مشاكلنا مع إيران كثيرة ومتشعبة، بداية من ازدواجية معايير سياساتها ومرورا بطابورها الخامس حتى تدخلاتها السافرة والدامية في المنطقة.

لقد عانت الدول العربية من مشاكل عديدة في تعاملها وعلاقاتها مع الجمهورية الإيرانية، حتى وصل الأمر للكثير منها بقطع هذه العلاقات وطرد الإيرانيين من أراضيها، وبعضها اكتفى بتمثيل دبلوماسي مصغر وضعته تحت مجهر المراقبة.

في حقيقة الأمر، وما دفع العديد من دول العالم إلى التململ من سياسة الملالي، تلك الازدواجية في السياسة الإيرانية وعدم ثقة الطرف الآخر بالجانب الإيراني، فإيران نقضت الكثير من المعاهدات والاتفاقيات التي مضت عليها، ولم تلتزم بتطبيقها، وخير مثال على ذلك عدم التزامها باتفاقية الغاز التي وقعت بين إيران والإمارات العربية المتحدة والتي باتت تعرف باسم “كريسنت”، كما انتهكت العديد من القوانين الدولية وخاصة فيما يخص حقوق الإنسان، وهو ما يفسر وصول إيران إلى هذه الدرجة من العزلة الدولية التي طالت سلبيتها حياة المواطن الإيراني، ودفعت بالولايات المتحدة إلى الخروج من الاتفاق النووي بعد أن تأكدت عدم مصداقية النوايا الإيرانية، وأن النظام في طهران قد استغل هذا الاتفاق وما جناه من مئات المليارات بسببه في دعم الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار المنطقة.

ومن المتوقع أن يستمر النظام الإيراني بممارسة لعبة الازدواجية وبشكل أنشط، حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وعودة وتشديد العقوبات، فستبقى حكومة روحاني وفريق عمله يسعى بالسياسة والدبلوماسية الضاحكة إلى فتح قنوات اتصال مع دول العالم وإظهار الليونة في التعامل مع الآخرين لمنع أي غضب دولي قد يجر إلى تنفيذ عملية عسكرية ضد طهران قد تؤدي إلى انهيار النظام، في وقت يبقى الحرس الثوري وفيلق القدس وأجهزة الاستخبارات الإيرانية تمارس أنشطتها التدخلية والإرهابية في المنطقة ولكن بشكل أكثر فعالية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

20 سبتمبر 2018