موجة من إنعدام الثقة بين المواطن من جهة والحكومة والنظام من جهة أخرى تعصف بالداخل الإيراني، وتؤكد التقارير المتخصصة أن الفجوة بين المواطنين والجهات الرسمية تتسع تدريجيا لا سيما بعد تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة، وسط ردود أفعال شعبية كبيرة على قرارات الحكومة وسياسات النظام وفشل الجهات الرسمية في معالجة أو حتى الحد من الأزمات والمشاكل المتفاقمة.

ويعود إنعدام الثقة بالحكومة الإيرانية إلى عدة أسباب أهمها  فشل الخطط والبرامج التي أعلنت عنها الحكومة بهدف وقف نزيف العملة وارتفاع الأسعار وغياب السلع الأساسية، حيث قدم المسؤولون مقترحات عديدة خلال الأشهر الأخيرة، من بينها عدة برامج ومشروعات اقتصادية من أجل السيطرة على سعر العملة الصعبة والذهب، ومنع مزيد من سقوط قيمة الريال، ورغم ذلك تجاوز سعر الدولار خلال الأسابيع الماضية حاجز 18 ألف تومان، وبقيت أوضاع سوق المسكوكات الذهبية سيئة للغاية، حتى إن تغيير محافظ البنك المركزي وتأسيس سوق العملة الصعبة الموازية لم يؤثر بأي شكل في هذا الوضع المتأزم، وأن الأوضاع ستزداد سوءا رغم تعافي الريال الإيراني أمام سقوط الدولار خلال الساعات الأخيرة، والذي لن يدوم طويلا حسب رأي الخبراء.

أضف إلى ذلك أن مؤسسات الرقابة والأجهزة القضائية قدمت الكثير من الوعود بمحاربة ارتفاع الأسعار، وطمأنت الناس إلى أنها ستوفر كافة السلع الأساسية، لكن النتيجة التي يلتمسها المواطن الإيراني على أرض الواقع تؤكد عدم تنفيذ هذه الوعود، وأنها بقيت مجرد تخرصات ولم تترجم إلى أرض الواقع، حيث لا تزال الأسواق الإيرانية تعاني من نقص في الكثير من السلع الأساسية وخاصة المتعلقة بالأطفال، وسط ارتفاع شديد في أغلب السلع المتوفرة، مع عدم قدرة الحكومة معالجة أو الحد من عملية الاحتكار التي تتسع يوما بعد يوم، ما أفقد الحكومة الإيرانية هيبتها بالكامل أمام الشعوب التي ترى بعينها أن الأزمات والمشاكل بدلا من حلها تتفاقم يوما بعد يوم.

وفي خضم الاضطرابات والقلق الذي يسيطر على الحياة المعيشية للمواطن الإيراني، يصطف الناس على المتاجر بسبب قلقهم حول تأمين ما يحتاجون إليه، ورؤيتهم استمرار مشكلة النقص الحاد في بعض السلع والاحتياجات الأساسية، ووسط هذه الظروف السيئة للغاية يخرج مسؤولون من الحكومة والنظام ليزيدوا الطين بلة ويقدمون حلولا تمس كرامة المواطين الإيرانيين وتستهتر بعقولهم، مثل الحل الذي قدمه مستشار خامنئ “علي أكبر ولايتي” والذي دعا الشعب الإيراني إلى لبس المئزر وتناول الخبز الجاف بهدف مواجهة الظروف الحالية، وهو ما أثار ردود أفعال شعبية واسعة تنتقد نهج الحكومة الإيرانية وعدم مبالاة مسؤوليها وفشلهم في إدارة شؤون البلاد، وإهدار النظام والحرس الثوري مئات المليارات على التدخلات الخارجية ودعم وتمويل الجماعات الموالية للنظام الإيراني في وقت أوشكت الشعوب الإيرانية على الهلاك بسبب تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

لقد نفذت الحكومة الإيرانية حتى الآن ست خطط تنموية، ولكن إنجازات هذه الخطط بقيت بلا قيمة، ولم يتجاوز محتوى هذه الخطط سوى بضعة من الشعارات التي تخدع الناس، وما يتغير في كل مرة هو فقط أسلوب إلقائها والتلاعب بكلماتها، فهي مثلا تطلق الشعارات حول الخصخصة واقتصاد السوق وغيرها، لكنها في الواقع ليست على استعداد للتخلي عن الاقتصاد، ولا تستطيع أن تحد من نفوذ الحرس الثوري على اقتصاد البلاد، وهو ما أفقد مصداقيتها تماما لدى المواطن، كذلك فإن حجم التناقضات بين تصريحات المسؤولين في الحكومة والنظام كانت ولا تزال أهم الأسباب التي دفعت إلى فقدان المواطن الإيراني الثقة بالحكومة والنظام، ففي الوقت الذي يؤكد فيه عدد من المسؤوليين الإيرانيين أن الأمور على ما يرام، وأن الحكومة ستتجاوز الأزمات، يخرج إسحاق جهانغيري النائب الأول لرئيس الجمهورية يؤكد أن الدولة تواجه ظروفا صعبة، وأن الشعب يواجه ضغوطًا ويعاني صعوبات كثيرة.

ووفقا لردود أفعال الشارع الإيراني حول هذه الحقائق، فعلى ما يبدو أن المواطنين قد توصلوا إلى نتيجة حتمية وهي إما لا وجود لأي إدارة تتمتع بها الحكومة، وإما أنها إن وجدت، فهي ضعيفة جدا وعاجزة لدرجة أن المسؤولين لا يلقون أي بال أو اهتمام لردود الأفعال والأثر الذي ستتركه قراراتها الخاطئة والعشوائية، حتى إنه لا يمكنها تحليل الحقائق الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع إيران اليوم بدقة وصحة، ويرى البعض الآخر أن الحكومة الإيرانية تفقد أي صلاحيات في إدارة شؤون البلاد التي تخضع لهيمنة بيت المرشد والحرس الثوري الذي لا يعير للداخل الإيراني أي اهتمام، فهو مقيد ببرامج ومشروعات خارجية أهدر عليها ثروات البلاد ومواردها، ولا يزال يصر على تلك السياسات التي ستؤدي بالضرورة إلى تدمير البلاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

4 أكتوبر 2018