تتصاعد حدة الانقسامات والخلافات بين السياسيين وأصحاب القرار في الداخل الإيراني حول العديد من القضايا، برزت في هذه الأثناء قضية إنضمام إيران إلى معاهدة “CTF” المالية، التي تهدف إلى مكافحة تمويل الجماعات المسلّحة والإرهاب، وزيادة الشفافية المالية والتبادل المصرفي بين الدول، وعقدت جلسة المناقشة والتصويت غير العلنية في مجلس الشورى لمناقشة انضمام إيران إلى اتفاقية معاهدة مكافحة تمويل الإرهاب، وحظي المشروع بموافقة 143 عضوا فيما عارضه 120 وامتنع 5 أعضاء عن التصويت، من أصل 268 نائبا شاركوا في هذه الجلسة، وبعد مصادقتها من قبل البرلمان تم إحالتها إلى مجلس صيانة الدستور وجهات أمنية وسياسية وتشريعية أخرى لدراستها ومناقشتها ثم البت في قبول الانضمام أو لا.

وتعتبر معاهدة “CFT” جزء من الاتفاقية الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب المعروفة بـ”FATF”، وواحدة من القوانين الأربعة التي تم تبنيها وتطبيقها لمنع إدراج اسم إيران في القائمة السوداء لفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، وفي الفترة الأخيرة، واجه مشروع القانون احتجاجات واسعة في إيران، وصوت البرلمان على تعليق مشروع القانون في شهر يونيو الماضي، وترى حكومة الرئيس حسن روحاني ومناصروها أن تمرير معاهدة مكافحة تمويل الإرهاب سيزيل حواجز المعاملات المصرفية الإيرانية مع الخارج خصوصا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وأصبح من الضروري لإيران أن تنضم لهذه المجموعة لتخفيف حدة أزماتها ومشاكلها الاقتصادية والمالية.

في المقابل يرى الأصوليون وقادة الحرس الثوري أن الانضمام إلى مجموعة العمل المالي “FATF” يشكل خطرا على إيران ويمنع طهران من مساعدة حزب الله وجماعة الحوثي في اليمن وباقي الجماعات الموالية لإيران، ولا شك أن في انضمام إيران لهذه المجموعة سوف يحد من أنشطتها الإرهابية، ما يعني مزيداً من التهميش للحرس الثوري ومؤسساته المسيطرة على البلاد، وهو ما يفسر رفض الحرس الثوري والأصوليين لانضمام إيران إلى هذه المجموعة، لدرجة إرسال رسائل تهديد بالقتل إلى نواب مجلس الشورى الذين سيصوتون لصالح انضمام إيران إلى معاهدة مكافحة غسل الأموال.

ووجه قادة الحرس الثوري نداءات متعددة لمجلس صيانة الدستور يطالبوه برفض المصادقة على معاهدة مكافحة تمويل الإرهاب بعد مصادقة مجلس الشورى عليها، مؤكدين أن إيران لن تتخلى عن دعم الجماعات الموالية لها في المنطقة، وأن الحرس الثوري لن يغير من سلوكه في المنطقة، لا سيما أن انضمام إيران إلى هذه المعاهدة يعني تفكيك فيلق القدس الذراع الخارجي للحرس الثوري والنظام الإيراني والمسؤول المباشر عن تصدير الثورة ودعم الإرهاب في دول المنطقة.

زاد من هذه الانقسامات والخلافات، الموقف الضبابي للمرشد الإيراني علي خامنئي أعلى سلطة في البلاد، حيث يخشى من تحمل مسؤولية نتائج انضمام إيران إلى هذه المعاهدة، في وقت يدرك فيه أن الانضمام لهذه الاتفاقية ستحد من الإرهاب الإيراني الذي يعتبر العامل الأساسي في استمرار نظام الملالي، وعدم الانضمام ستزيد من عزلة إيران دوليا وتعرضها إلى مزيد من المشاكل والأزمات والحصار، إضافة إلى ذلك فإن موقفه سوف يغضب أحد الأطراف المتنازعة، وقد يخسر الكثير سياسيا إذا أعلن موقف يؤيد طرف ضد طرف آخر، لا سيما أن منصب المرشد يمر حاليا في أزمة كبيرة في ظل تهاوي مركزه الاجتماعي والديني وحتى السياسي، والبلاد تعيش أسوأ الظروف منذ عقود، والنظام يمر في أضعف أحواله وأوهن مراحل عمره، وهو ما جعل المرشد الإيراني عاجزا عن اتخاذ المواقف الصارمة وحل النزاعات بقوة  كما كان الحال قبل عدة سنوات.

إن رفض ومعارضة التيار الأصولي المتشدد والحرس الثوري لانضمام إيران إلى معاهدة مكافحة تمويل الإرهاب، وعجز المرشد عن اتخاذ القرار حول ذلك وحل النزاع المحتدم بين التيارات السياسية له العديد من الدلالات أهمها اعتراف الحرس الثوري والتيار المتشدد بدعم الإرهاب والإصرار على تمويل الجماعات الإرهابية وزعزعة أمن واستقرار المنطقة، ورفض العمل تحت مظلة القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، إضافة إلى وجود مؤشر هام وهو هبوط منصب المرشد الإيراني وعجزه في حل الخلافات واتخاذ القرارات الحاسمة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

11 أكتوبر 2018