تحولت الأزمات والمشاكل المعيشية والمالية التي تعصف بالداخل الإيراني الشغل الشاغل والهم الأكبر لقادة النظام الإيراني، وعلى رأسهم المرشد عليى خامنئي الذي اعترف صراحة بوجود أزمات ومصاعب يجب معالجتها ووضع الحلول لها في أقرب وقت، ودعا السلطات الثلاث لاتخاذ قرارات جادة لحل مشاكل البلاد الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وقال خامنئي إن حل المشاكل الاقتصادية القائمة في البلاد وتوفير الحاجات العامة للمواطنين بحاجة إلى عمل جهادي ومساع وجهود استثنائية، لأن هذه المشاكل خاصة مشكلة الغلاء وانخفاض القدرة الشرائية قد خلقت مصاعب معيشية لشريحة كبيرة من المواطنين خاصة الطبقات الضعيفة.

ورغم اعتراف خامنئي بتردي الأوضاع، إلا أنه حاول أن يخفى مدى خطورة الأوضاع القائمة ونتائجها على المدى القريب على الداخل الإيراني، في وقت تنشعل فيه الانقسامات الداخلية ويتجه الفرقاء إلى دائرة النزاع التي تغمض أعين المسؤولين عن مصالح البلاد ولا تجعلهم يرون سوى مصالحهم ومحاولة الحفاظ على مناصبهم وصلاحياتهم، وهو ما لوحظ تماما في خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني الشعبوي مؤخرا في جامعة طهران، والذي لم يتطرق إلى سوء إدارة حكومته، لا سيما في ما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية، وركز على إخفاء اليأس والإحباط الذي يسطير على نحو 90% من الشعوب الإيرانية.

وفي الحقيقة، ورغم ما يحاول إخفاؤه قادة النظام الإيراني من حقيقة وصول الأوضاع إلى درجة الخطر والتهديد، فإن سوء الإدارة الداخلية وأخطاء السياسية الخارجية والتدخلات الإيرانية في المنطقة ودعم الإرهاب الذي ساد في الدولة خلال السنوات الأخيرة، قد تسبب بأضرار كان ولا يزال تأثيرها أشد من تأثير العقوبات، ولو كانت هناك بعض الإحصاءات لاستطعنا استعراض هروب رؤوس الأموال خلال هذه السنوات من إيران، ما ألحق أضرار كبيرة لخزينة الدولة، التي بدت وكأنها تعرضت لاختلاس، ومن العجيب في إيران أن تخصص عملة صعبة بالسعر الحكومي لاستيراد سلع لا أهمية لها كالهواتف المتنقلة، في حين أن وزير الصحة “حسن هاشمي” يذكر أنه لا إمكانية لاستيراد بعض الأدوية الضرورية للغاية، وهذه صورة واحدة من بين آلاف الصور التي تعكس المستوى الذي وصل إليه الداخل الإيراني.

العملة الوطنية في حالة موت سريري، ونزيف هروب الاستثمارات ورؤوس الأموال مستمرا، وخزينة الدولة تسير نحو الإفلاس، والفساد والاختلاس وصل إلى معدلات غير مسبوقة، ومعدلات الفقر تتزايد يوما بعد يوم، وتشير أحدث الإحصائيات المتعلقة بنسبة البطالة في إيران إلى أن أكثر من 20% من الشريحة القادرة على العمل عاطلة عن العمل، وهناك أكثر من 25% من مواليد ثمانينيات القرن الماضي عاطلون عن العمل، وقد جاء في أحدث تقارير صندوق النقد الدولي، التي ترصد أفق الاقتصاد العالمي، أن إيران تحتل المرتبة 13 من حيث أعلى نسبة بطالة، كما أن معطيات أزمة البطالة ومسبباتها لا زالت موجودة في إيران، وأسبابها تتنامى بشكل مستمر، وأهمها: النمو الاقتصادي المتدني، ووصول الأجهزة الحكومية إلى حالة الإشباع، وزيادة أعداد الطلاب والخريجين، وزيادة عدد السكان خلال السنوات الثلاثين الماضية، وعدم التمهيد لإيجاد فرص عمل لهم، والاستيراد الهائل وعدم دعم الصناعة والإنتاج المحلي .. وغيرها.

وبسبب بعض السياسات التي اتبعتها الحكومة الإيرانية للحيلولة دون ارتفاع الأسعار والتي منها منع الحكومة تصدير السلع والبضائع رغم الظروف الاقتصادية الجديدة، وضعف قدرة الإنتاج المحلي، فقد أصيب قطاع الصناعات والانتاج بأضرار كبيرة، حيث يعتبر الخبراء الإيرانيون أن  منع التصدير لتخفيض أسعار السلع حل غير منطقي ولا عقلاني، وسيتسبب بأضرار كثيرة لقطاع الإنتاج المحلي وصناعة الدولة على المدى القصير والبعيد، والطريق الذي سلكته الحكومة في قضية منع التصدير هو طريق خاطئ، في حين يجب أن يكون موضوع زيادة الصادرات من هواجس الحكومة في ظل الظروف الاقتصادية الجديدة.

وتؤكد التقارير والإحصائيات أن صادرات النفط الإيراني قد انخفضت بنسبة 4% على الرغم من أن الجولة الثانية من العقوبات الأميركية على طهران والتي تستهدف صادرات النفط والغاز في إيران، لا يزال عليها 3 أسابيع حتى يتم تنفيذها، حيث إنخفض إنتاج النفط الإيراني في شهر سبتمبر بنحو 150 ألف برميل مما كان  عليه في الأشهر الثلاثة السابقة، إذ انخفض إنتاج النفط الإيراني إلى 3 ملايين 597 ألف برميل في سبتمبر.

ونتيجة لتردي الأوضاع الداخلية، فقد شهدت المدن الإيرانية إضرابات واسعة من قبل المعلمين والتربويين في كافة المدن الإيرانية، بناء على دعوات سابقة تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، وشمل الإضراب كافة المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات على حد سواء، وجاء هذا الإضراب بسبب تدني رواتب المعلمين وسوء أوضاعهم المعيشية في ظل أزمات اقتصادية خانقة تمر بها البلاد، في وقت تجاهلت فيه السلطات الحكومية مطالبهم، وهم يطالبون برفع رواتبهم في ظل موجات الغلاء، وارتفاع معدلات التضخم التي تشهدها الأسواق ولكن مطالبهم لم تلق أي آذان صاغية، وأضافت بعض التقارير أن هذا الإضراب جاء أيضا لدعم إضراب سائقي الشاحنات الثقيلة.

إن الأوضاع الداخلية في إيران تزداد سوءا يوما بعد يوم، مع تزايد مسببات ثورة عارمة يشعلها الجياع والعاطلين عن العمل والغاضبين من سياسات الملالي وحرسه الثوري، وتؤكد التقارير أن اليأس والإحباط قد شق طريقه إلى نحو 90% من الشعوب الإيرانية التي أصبحت تنتظر الفرصة للإطاحة بنظام ولاية الفقيه.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

16 أكتوبر 2018