القائمون على مثل هذا الصنف من المواقع في الولايات المتحدة، يعرفون أن سيكولوجية المتلقي العربي، تقبض جديا من العناوين الغربية ما تنشره، دون أن تراجع أو تدقق.

في خضم حملة الإعلام الممول من قطر، على دولة الإمارات العربية المتحدة، جرت محاولات يائسة، لا تستند إلى حرف أو أي إشارة ذات صلة بالواقع، للربط بين حادثة جمال خاشقجي، والقيادة الإماراتية. وكان لافتاً في المرحلة الأخيرة، دخول وسائل ترويج إعلامي فردية مستحدثة، عبر موقع يوتيوب الذي يرفع التسجيلات وأشرطة البث الفردي مجاناً، ويتيح لكل ذي أموال، أن يقول ما يشاء. وفي سوق يوتيوب هذا، يتربّح المفوهون الذين يخلطون الكذبة بالنكتة واللفظة الخارجة والبذيئة، مع لغة جسمانية وجمل اعتراضية لخلق الانطباع بالتلقائية وبأن ما يقولونه أمر لا مجال للشك فيه.

القطريون للأسف، يشترون هذه البضاعة من بين ما يشترون، وهم لا يكترثون لما مضى بلسان الباعة أنفسهم، الذين تناولوهم بقصص صادمة، ونشروا، قبلئذٍ، صوراً وموضوعات لابتزازهم. فمثلما لم يكونوا يقلقون من الافتضاح، أصبحوا معنيين بتشويه سمعة غيرهم.

ومن بين الأساليب المتبعة، شراء مواد، تُبنى وتُلفق، وتنشر على صفحات مواقع إعلامية، لها أسماء الرطانة الأجنبية، مثلما حدث بالأمس عندما نشر موقع “بَزْفيد نيوز” فيلماً هندياً عن الإمارات، يزعمُ أن بلد زايد المحبة والخير، قد استأجر فريقا أميركيا يقوده يهودي، لتنفيذ اغتيالات ضد الإسلاميين في اليمن. ويُصار بعد النشر، الدفع لأصحاب صفحات أخرى، عربية، لإعادة نشر المادة، منقولة عن “بَزْ”، وتعرض “الجزيرة” المادة، وكأنها وثيقة مسربة من وكالة المخابرات المركزية أو من مخرجات “ويكيليكس”.

وفي السياق يلتقط موقع “عرب 48” المادة وينشرها وربما نشرها بإيعاز وأجر، لكي تصبح حكاية الفيلم الهندي المخصصة لليمن ولــ”مجاهديه” الذين تنتصر لهم “بَزْ”، موصولة بأحوال فلسطين وقضيتها ومجاهديها. ثم تنشر مع الخبر المختلق المنقول، صورة للنائب الفلسطيني محمد دحلان، دون أن يقال شيء عن الرجل في الحكاية، وذلك في إيحاء سفيه ومرسل.

لننظر في ما يقال عن “بَزْفيد نيوز” في تعريفها أميركيا وفي الإشارة إلى “تميزها”. فهذا الموقع الأرزقي، يبني السيناريو من لا شيء. وتصف كتب الإعلام منهجيته التحريرية، في بناء القصة الخبرية، بأنها تعتمد أسلوب الهرم المقلوب أي التكيف أولاً مع عناصر القصة، مهما كان نوعها وسياقها، وتكون القصة في شكل هرم مقلوب، أعلاه أفقياً يشتمل على كل الحكاية، ثم يضيق شيئاً فشيئاً في الأسفل حتى يصبح لا شيئا عند رأس المثلث المقلوب. فالجزء العلوي، هو المسألة الأكثر أهمية وجذباً للسذج وإثارة لانتباههم، أي المسألة التي يكون القائمون على التحرير، معنيين بترويجها. ثم تمضي الحكاية أسفل فأسفل في إيقاع متناقص. ولا بأس من صورة يفتش القارئ، في الموضوع، عن سبب إضافتها فلا يجد شيئاً.

يصف المختصون نهايات مثل هذه القصص الخبرية الملفقة، بــ”عملية دفن مادة الرصاص”. لماذا اليوم، تحاك مثل هذه القصص ضد دولة الإمارات، وهي قصص شبيهة بأفلام “الأكشن” وما هو هدفها؟

كان للرئيس الأميركي دونالد ترامب حكاية مع “بَزْفيد نيوز”، جعلته يصفها بــ”كومة من الزبالة” بعد أن نشرت 34 صفحة زعمت أنها معلومات تدين الرئيس المنتخب وتفضحه. ولكي تفلت “بَزْ” من العقوبة، نوّهت في ذيل المادة المنشورة، إلى أنها لم تتحقق من صدقيتها.

والرئيس باراك أوباما نفسه رفضها، وعزفت عنها وسائل الإعلام الأميركية لكي لا تتورط فيها، مثلما تحاشاها الساسة والإعلاميون، ومن بينهم مراسل “سي.أن.أن” الذي وصف نشر الملف الملفق، بأنه عمل غير مسؤول.

ليس أطيب لأمثال هذه المواقع الناشطة في سوق الدعاية، من الزبون العربي الذي يفتش عن مساعدة لإنجاز مكائده. وكأنما القائمون على مثل هذا الصنف من المواقع، في الولايات المتحدة، يعرفون أن سيكولوجية المتلقي العربي، تقبض جدياً من العناوين الغربية ما تنشره، دون أن تراجع أو تدقق، حتى وإن كان الموضوع فيلماً هندياً، يقفز فيه البطل من جبل إلى جبل، بسرعة الطائرة القاذفة.

ثم إن الرهان يكون على قاعدة الهرم المقلوبة، التي لا شيء منطقياً تحتها. فإن كانت الجيوش ذات الأنساق العسكرية المكتملة، تحاشت الخوض في ثنايا اليمن وأحشائه ووديانه وجباله التي يقطنها أناس خارج سيطرة الدولة؛ فما الذي سيفعله طرازانات أميركيون بعدد من الأنفار، جاءوا لتنفيذ عمليات اغتيال؟ فلو كانت الحكاية مشغولة بشيء من البراعة، لقيل إن الاستئجار كان لطائرات صغيرة مُسيّرة أو لطير أبابيل، وليس لمجموعة من طرازانات أميركيين تصلح للأدغال وتصادق القرود.

كلام سخيف وتافه، يصدر في كل يوم، ويزيد المشهد العربي قُبحاً. وفي الحقيقة، تُحسد قيادة الإمارات على رباطة جأشها وقدرتها على التزام الحكمة. فهي لا تصرّح إلا بالنذر اليسير، ولا تهجو، ولا تخوض في سجالات، ولا تضع الحروف التي يمكن أن تُبنى عليها قصص. لذا فإن القصص عندما تُبنى تفضح نفسها بنفسها.

عدلي صادق: كاتب وسياسي فلسطيني