ألقت السياسات الخاطئة التي إتبعها النظام القطري خلال السنوات الأخيرة وأصر عليها بظلالها على القطاعات الاقتصادية للدولة بشكل أخذ يتجه نحو نقطة خطيرة للغاية تمتاز بآثارها المفاجئة على الداخل القطري والتي قد تنفجر في أي لحظة ينهار معها الاقتصاد وتتعقد الأوضاع المالية وتصبح عملية المعالجة صعبة للغاية، فالتقارير تؤكد أن هناك تخوف وقلق أصبح ينتاب العديد من البنوك والمستثمرين من بقاء أموالهم في قطر بعد التأكد من أن البلاد تتجه نحو المجهول سياسيا واقتصاديا، ما يعني أن إبقاء الأموال والاستثمارات في قطر أصبح بحد ذاته مغامرة كبيرة لا يجب الاستمرار بها.

ورغم التكتم الشديد الذي تمارسه السلطات القطرية إزاء نزيف هروب الاستثمارات ورؤوس الأموال، ومحاولة الترويج لأنماط وظروف إيجابية وتقديم صور مشجعة للاستثمار وممارسة الأعمال الاقتصادية في قطر، إلا أن المؤشرات تثبت عدم نجاح هذه البرامج الحكومية واستمرار القلق و الخوف لدى المستثمرين من البقاء والعمل في قطر، حتى العمال والموظفين أصبحوا على يقين بأنهم سيفقدون وظائفهم في أقرب وقت، ويلجأون إلى البحث عن مكان أكثر أمان من قطر من ناحية الاستقرار الوظيفي، وتؤكد التقارير أن هذا العام شهد الكثير من الإقالات وتسريح الآلاف من العمل بسبب الضائقات المالية، حتى أصبحت الشركات والمؤسسات تنتهج أسلوب تقليص عدد الموظفين والعمال لديها إلى أكثر من 60%، وبعضها يفكر في نقل أنشطتها إلى خارج قطر.

وفي السياق نفسه، اتخذت المصارف الأجنبية العاملة في السوق القطرية، خطوات احترازية واسعة للحيلولة دون الوصول إلى المخاطر والأضرار التي داهمت القطاع المصرفي القطري منذ المقاطعة، وذلك عبر تقليص حجم أصولها، واعتمدت البنوك الأجنبية تخفيض حجم أصولها من 38.85 مليار ريال نهاية مايو 2017، أي قبل المقاطعة مباشرة، إلى 36.1 مليار ريال حتى نهاية أغسطس الماضي، لتفقد 2.75 مليار ريال من أصولها، وانعكاساً لمخاطر الأعمال داخل قطر، قلصت البنوك الأجنبية التسهيلات الائتمانية الممنوحة للكيانات العاملة بالسوق القطرية بمعدل 13.6% ، لتتراجع من 18.64 مليار ريال إلى 16.1 مليار ريال خلال فترة المقارنة، وكذلك الاستثمارات التي كانت قائمة قبل المقاطعة انخفضت بنسبة تزيد عن 30% في هذه الفترة، أما بخصوص الاستثمارات التي كانت لا تزال قيد الدراسة فأغلبها قد ألغيت واتجهت إلى خارج قطر رغم محاولة السلطات القطرية إقناعها بالتريث وعدم الخروج من البلاد.

ولحصر هذه الأضرار، راحت السلطات القطرية تهدر المزيد من الأموال على وسائل الإعلام ولتنفيذ مخططات وبرامج لأجل إقناع الشركات والبنوك والمستثمرين بالبقاء في قطر والترويج الزائف لمستقبل اقتصادي إيجابي، واللافت أيضا انخفاض عدد القادمين إلى قطر بنسبة تزيد عن 40% عما كانت عليه قبل المقاطعة، حتى قطاع العمال أصبح يعاني الأمرين في قطر بعد انتشار العديد من التقارير التي تؤكد وجود آلاف العمال لم يقبضوا رواتبهم منذ عدة أشهر وسط تدهور شديد في السيولة وعدم قدرة الشركات وخاصة شركات المقاولات على سد حاجاتها المالية وعجز البنوك في توفير القروض وضمان آليات الدفع المتفق  عليها مسبقة.

هذه الأوضاع دفعت بالوافدين والمقيمين على أرض قطر بالتفكير إلى مغادرة البلاد بسبب ما تشهده من ركود مخيف للغاية، حيث أصبحت المنئشآت الأساسية والضرورية كالمدارس والمستشفيات أيضا مهددة بالإغلاق، وتحاول السلطات القطرية استبدال الوافدين والمقيمين العرب بإيرانيين وأتراك، من خلال وضع العديد من البرامج الحكومية المشتركية بين قطر وهذه الدول لضمان سد أي عجز أو نقص في سوق العمالة، غير أن قطر لم تستطع حتى الآن تقديم ضمانات تضمن حقوق العمال والموظفين الأجانب.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

21 أكتوبر 2018