بدأت الجولية الثانية من العقوبات الأميركية على النظام الإيراني تؤتي أكلها قبل موعد قطف ثمارها، واستطاعت فقط تبعاتها النفسية أن تخلق أضرارا جمة وصعوبات بالغة أمام القطاعات الاقتصادية والمالية في إيران، حيث فقدت العملة الوطنية أكثر من ثلثي قيمتها، ورغم تعافيها البسيط إلا أن التذبذب لا يزال عنوان الريال الإيراني، وتؤكد كافة التقارير أنها ستهوي إلى أسفل السافلين خلال الأشهر القادمة، مع استمرار لارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم وهبوط حاد في سوق العمل، وفقدان العديد من القطاعات الاقتصادية توازنها وقدرتها على الاستمرار ولا سميا سوق العملات والمصارف والعقارات والقطاعات الانتاجية التي تواجه أسوأ فترة من حيث قدرتها على توفير المواد الأساسية للانتاج وضعف عمليات تمويلها وقدرتها على دفع الرواتب والمستحقات المالية.

إن العقوبات التي ستفرض على طهران لم يكن لها أي سابقة، ويجب التأكيد أنها تختلف عن العقوبات السابقة التي لم تكن شديدة، فأميركا تريد توسيع نطاق العقوبات على طهران، وستضيف إلى العقوبات القديمة عقوبات جديدة قاسية، ولاشك أن هذه العقوبات القديمة أو الجديدة ستترك جانبا نفسيا ودعائيا مهما حتى قبل تنفيذها، وهو الأثر النفسي السلبي على الداخل الإيراني الذي يدرك تماما ماذا تعني كلمة عقوبات وماذا يترتب عليها، فالأميركيون عازمون على فرض هذه العقوبات قدر استطاعتهم، وآثارها النفسية لن تقل عن آثارها المادية الجسيمة، ولا سيما أن طبيعة هذه العقوبات ستمنع إيران من تصدير نفطها وهو الدخل الأساسي لمواردها المالية، ومن ثم لن يكون لديها عملة صعبة لتتمكن بها من استيراد المواد اللازمة والضرورية من الدول الأخرى، وما يعني ارتفاع أسعار كل شيء وزيادة في معدلات التضخم والبطالة والفقر وبالتالي تصاعد حدة الأزمات والمشاكل الاجتماعية والمعيشية والاقتصادية لدرجة لا يمكن تحملها.

وهذه الآثار النفسية السلبية، لم تستطع الحزمة الأوروبية وبرامج الحكومة الحد منها، ما يعني عدم نجاحها أو حتى تصديق إيجابيتها من قبل الداخل الإيراني، لذا فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ستكون سيئة جدا في المرحلة القادمة بالنسبة لإيران، وحسب الأوضاع الراهنة، فإن استمرارها على ما هو عليه، يقضي على أي قدر من التفاؤل أو التنبؤ بتحسن الأوضاع إلى الأفضل في المستقبل، بل أن كافة المؤشرات تدل على أن إيران تسير في الاتجاه الخطير للغاية، وأن العقوبات سيكون لها تأثير أكبر من توقعات قادة النظام الإيراني، وربما هذا ما يركز عليه العديد من الخبراء والمختصين الاقتصاديين في الداخل الإيراني والذين يتهمون بالخيانة من قبل التيار المتشدد وقادة الحرس الثوري بسبب دعوتهم إلى الخضوع للولايات المتحدة وإجراء مفاوضات معها للوصول إلى اتفاق بأي ثمن يجنب البلاد من الانهيار الاقتصادي.

وفيما يتعلق بالخطط والبرامج الحكومية التي وضعتها طهران للتعامل مع هذه الأزمة، فإنها تبقى في إطار نشر التفاؤل والطاقة الإيجابية فقط، بينما لن تخدم الأوضاع على أرض الواقع، فتعيين وعزل الوزراء في الحكومة لن يكن له أي تأثير على وقع العقوبات الأميركية على اقتصاد البلاد، وإصلاح النظام الاقتصادي والمالي ومحاربة الفساد في إيران بحاجة إلى عزم جاد غير متوفر من قبل النظام وهذا لا يتأتي بإصلاح بعض الوزارات أو عزل وتعيين بعض الوزراء، فالوضع الاقتصادي الحالي في إيران يشير إلى ضرورة إصلاح القوانين النقدية والمصرفية وإصلاح هيكلة النظام وإبعاد العسكر عن إدارة شؤون البلاد الاقتصادية والسياسية وتعديل القوانين الإيرانية ومحاربة الفساد والمفدسين بشكل جاد ودون انتقاء، وهو ما لا يمكن أبدا لأن هذا الفساد ضارب بجذوره في أعلى سلطة في البلاد وهو بيت المرشد ومؤسسة الحرس الثوري، إضافة إلى ذلك، فإن إصلاح الأنظمة السياسة والاقتصادية في إيران تتطلب منها الانضمام إلى معاهدات دولية لا تزال محل رفض في الداخل الإيراني، مثل الانضمام إلى معاهدة “FATF” وغيرها، والتي ستحد من قدرة إيران على تمويل الإرهاب وغسل الأموال ودعم الجماعات المتطرفة في المنطقة على رأسها حزب الله والحوثيين.

ما سبق يعني أن إيران لا خيار أمامها من تخطي هذه الأزمة سوى إصلاح أنظمتها الاقتصادية التي لن تكون إلا بإصلاح سياساتها والعدول عن سلوكها الداعم للإرهاب، والخضوع إلى مطالب المجتمع الدولي وممارسة السياسة تحت ظل القوانين والمعاهدات الدولية، وهو ما يتطلب وقف إيران لدعمها للإرهاب وإنهاء تدخلاتها في المنطقة وسحب جواسيسها وإنهاء دعمها للجماعات الإرهابية وعلى رأسها حزب الله والحوثيين.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

24 أكتوبر 2018