وعلى وقع هذا التفتيت الملموس للخريطة السورية، ورغم الاحتلال الصامت الذي تتعرض له من قوى تتصدرها إيران، أطلق أحد أذيال الإعلام القطري تغريدة يتشفى فيها من الوضع البائس في سوريا، والغريب أنه إعلامي سوري، لكن عمله مع الإعلام القطري دفعه إلى عدم الشعور بالانتماء، حيث كتب قائلاً: «أيام الاحتلال السوري للبنان، كان غازي كنعان، ومن بعده رستم غزالي، يدير لبنان من قرية عنجر اللبنانية. واليوم الاحتلال الروسي يدير سوريا من قرية حميميم. يوم لك ويوم عليك».
لاشك أن التدخل الثلاثي الروسي الإيراني التركي لسوريا أدى إلى ضياع هيبة الدولة السورية، تماماً كما حدث في الحالة العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين إثر الاحتلال الأميركي. وما تلا ذلك أن أميركا انسحبت وتركت الساحة العراقية للتدخل الإيراني الذي لا يزال يعبث بالعراق حتى هذه اللحظة.
من تحصيل الحاصل الآن القول إننا أخطانا في الخليج مسبقاً عندما تركنا العراق بعد الانسحاب الأميركي ولم نقم بخطوة عملية لملء الفراغ، فوجدت إيران في العراق ساحة خالية من النفوذ العربي، واستخدمت الورقة الطائفية والمذهبية، وعملت على تحريك العامل الديني وقامت بتفعيل الانحيازات التي تمثلها القوى الشيعية المتطرفة، وأصبحت طهران بعد تدخلها المباشر على ذلك النحو حاضنة لتفريخ القيادات والزعامات الشيعية العراقية، وتلك القيادات أصبحت تتزعم تيارات لها ثقلها في الشارع، لكن همها الأول إرضاء إيران وتمثيلها في العراق.
حتى الآن يتنافس العراقيون في العملية السياسية الشكلية التي تتحكم بخيوطها إيران، وتعيد تصدير أسلوب ثورة الخميني إلى العراق. والكارثة أن النموذج العراقي يتكرر في سوريا. لذلك يمكن القول إن التحرك الخليجي لوقف تداعيات الانقلاب في اليمن ودعم الحكومة الشرعية ضد الحوثيين المدعومين من إيران، كان صحوة خليجية في الوقت المناسب. فكان التدخل في اليمن ضرورياً بعد طلب الحكومة الشرعية. لأن السيناريو الذي رسمته إيران للحوثيين كان أخطر بكثير، لأن المستهدف من الانقلاب في اليمن لم يكن السلطة الشرعية ولا الساحة اليمنية فقط، بل الجزيرة العربية والخليج بأكمله. وحماية أمن الخليج لا تنفصل عن تأمين البحر الأحمر وجنوب الجزيرة العربية. لذلك فضلنا الاتجاه نحو اليمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في المنطقة، والحد من الأطماع الإيرانية التي وصلت عبر التنسيق مع قطر إلى محاولات اختراق أمن دول القرن الأفريقي.
ولا يمكن أن تنسى الذاكرة السياسية العربية التصريحات الإيرانية الوقحة، التي أشارت إلى أن انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء منح إيران سيطرة على العاصمة العربية الرابعة. وكانت العواصم المقصودة قبل صنعاء هي بغداد ودمشق وبيروت. وعندما نتأمل حجم الضجيج الإعلامي الذي يحاول إلهاء وإغراق دول الخليج في دوامات إعلامية وقضايا جانبية، ندرك أن الهدف هو محاولة إضعاف الخليج واستهداف حضوره القوي لحماية أمن المنطقة والحد من الاختراق الإيراني. وليس أمامنا سوى الإسهام في التقليل من أخطار التوغل الإيراني وكشف أساليبه. وكلما ظهرت أصابع إيران في دولة أو مجتمع ظهرت الانقسامات والطائفية والمذهبية. لأن سلاح إيران الأكثر خطورة يتمثل في إثارة الفتنة الطائفية وتحويل المذهبية إلى سلاح أيديولوجي يدمر السلم الأهلي والاستقرار والوحدة الوطنية للمجتمعات.
وبفعل التطفل الإيراني اكتوى العراقيون بالنظام الطائفي الذي يتقاسم أقطابه من عملاء إيران الثروة والمناصب، ويتركون مدن العراق تعيش في فقر وظلام وجهل وأمراض وانعدام خدمات. وفي لبنان كما في العراق أيضاً حضرت أصابع إيران من خلال ممثلها الرسمي المعتمد «حزب الله»، لذا ما زال لبنان يدفع ضريبة النفوذ الإيراني بطرق مختلفة، أكثرها وضوحاً العجز عن تشكيل حكومة لبنانية بعد فترة طويلة من الانتخابات النيابية. كما أصبحت النخبة السياسية اللبنانية مخترقة وتتخذ مواقفها لإرضاء إيران وحليفها.
رابط المقال بجريدة الاتحاد: إنقاذ المنطقة من إيران
بقلم:د.سالم حميد
28 أكتوبر 2018